
تشهد الساحة السياسية المغربية في الأسابيع الأخيرة حالة من التوتر المتزايد بين حزب التجمع الوطني للأحرار، وحزب العدالة والتنمية الذراع السياسية للإخوان، بعد تصريحات قوية صدرت عن رئيس شبيبة التجمع الوطني للأحرار، لحسن السعدي، خلال لقاء حزبي في محافظة تيسة. هذه التصريحات، التي كانت أكثر حدّة من الخطابات المعتادة في المنافسة السياسية المغربية، أعادت إلى الواجهة النقاش حول طبيعة العلاقة بين الحزبين وتحوّلات المشهد الحزبي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
بدأت شرارة التصعيد حين خصّ السعدي حزب العدالة والتنمية، وقياداته، بانتقادات مباشرة، طالت الأمين العام السابق عبد الإله بنكيران، متهماً إيّاه بفقدان القدرة على التأثير داخل حزبه. وأشار إلى أنّ بنكيران لم يعد يمتلك شبكة الدعم التنظيمي التي كانت تمنحه قوة سياسية في العقد الماضي، مؤكداً أنّ ضعف الارتباط بين الرجل وقواعد الحزب انعكس على موقعه داخل هياكل حزب العدالة والتنمية، لا سيّما بعد سلسلة من التراجعات التي عرفها الحزب في السنوات الأخيرة.
هذه الإشارات لا تبدو معزولة، إذ تكشف عن محاولة التجمع الوطني للأحرار تثبيت سردية جديدة مفادها أنّ حزب العدالة والتنمية فقد قدرته على قيادة منافسة سياسية فعّالة. وتظلّ هذه السردية جزءاً من التحضير المبكر للمنافسة الانتخابية، حيث يسعى كل طرف إلى إعادة صياغة صورته أمام الناخبين.
اتهامات متبادلة بين الحزبين... الوساطة والاعتراض على الإصلاحات
شدّد السعدي، في خطابه، على أنّ بعض القيادات داخل حزب العدالة والتنمية لم تعد تعبّر وفق وصفه عن مصالح المواطنين، بل تعمل لصالح مجموعات ضغط تسعى لعرقلة إصلاحات وزارية. ووجّه اتهامات مباشرة لعبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية للحزب، معتبراً أنّه يمارس نوعاً من السمسرة السياسية والوساطة لمصلحة لوبيات متمركزة في القطاع الصحي.
هذا الاتهام، الذي أثار تفاعلات واسعة، يسلّط الضوء على ملف حساس في المغرب، حيث تتنافس الأحزاب على تقديم نفسها كصاحبة الموقف الأكثر التزاماً بالإصلاحات الحكومية، خصوصاً في ظل سياقات مرتبطة بتطوير القطاع الصحي وتجويد الخدمات العمومية. وتُعدّ الإشارة إلى "اللوبيات" إحدى أهم الأدوات الخطابية المستخدمة من قبل الأحزاب لإبراز تعارض مصالح الخصوم مع المصلحة العامة.
وبينما اعتبر السعدي أنّ هذا النوع من السلوك يسيء لسمعة البلاد، فإنّه حاول في المقابل تعزيز صورة حزبه بوصفه طرفاً سياسياً يسعى إلى حماية المؤسسات وإنجاز المشاريع في سياق واضح المعالم، يركّز على النتائج وليس على الخطاب.
في معرض حديثه، حرص السعدي على إبراز ما يعتبره الفارق الجوهري بين أداء حزبه وأداء منافسيه، مستعرضاً رؤية تعتبر أنّ التجمع الوطني للأحرار تمكّن من بناء كتلة سياسية متماسكة، وأنّ قوته التنظيمية تمتد من الأطر القيادية إلى القواعد المحلية والقطاعات المهنية، وخاصة القطاع الفلاحي الذي يُعدّ أحد المرتكزات التقليدية للحزب.
وفق هذه الرؤية، يحاول السعدي تقديم الأحرار بوصفهم الحزب الأكثر قدرة على إدارة الشأن العام في المرحلة الحالية، مستنداً إلى مشروعات حكومية ذات طابع اجتماعي مثل الحماية الاجتماعية وبرامج السكن، التي ترى قيادة الحزب أنّها تمثل إنجازات واقعية ذات أثر ملموس لدى فئات واسعة من المواطنين.
من جهة أخرى، يضع خطاب السعدي حزب العدالة والتنمية في خانة أخرى، معتبراً أنّ الحزب يعتمد على الأسلوب الخطابي التقليدي القائم على دغدغة العواطف واستثمار الرموز الدينية والشعبية في مخاطبة الجماهير. ويرى أنّ هذا النوع من الخطاب تراجع تأثيره خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تعرّض الحزب لانتكاسات انتخابية وتنظيمية.
ردود الفعل داخل المشهد السياسي والإعلامي
لم يمرّ التصعيد دون ردود فعل، فقد تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع من خطاب السعدي، وشهدت تفاعلات واسعة بين منتقدين ومؤيدين. ومن جهة المعارضة، اعتبر عدد من المراقبين أنّ الهجوم كان موجهاً بشكل مدروس ضمن سياق التحضير المبكر للانتخابات، وأنّ الهدف منه ليس فقط انتقاد حزب العدالة والتنمية، بل أيضاً إعادة تعبئة قواعد التجمع الوطني للأحرار وإبراز موقعه داخل الخريطة السياسية.
وتنظر بعض الأصوات داخل المعارضة إلى تصاعد هذا الخطاب بوصفه جزءاً من محاولة إعادة ترتيب أوراق التحالفات السياسية المحتملة، خاصة أنّ الانتخابات المقبلة قد تعيد تشكيل موازين القوى داخل البرلمان، وهو ما يجعل الخطابات الحزبية أكثر حساسية وتركيزاً على الملفات المثيرة للجدل.
تكشف هذه التطورات عن أزمة ممتدة داخل حزب العدالة والتنمية، وتشير تحليلات سياسية مغربية إلى أنّ الحزب يعاني من تراجع تأثيره منذ سنوات، وأنّ الخلافات بين قياداته حول تقييم المرحلة الماضية ما تزال عاملاً مؤثراً في هذا التراجع. ويعكس الخطاب النقدي الموجّه لبنكيران أنّ موقعه داخل الحزب لم يعد كما كان خلال فترة قيادته للحكومة.
هذا التراجع يرتبط أيضاً بمشكلات داخلية تتعلق بإدارة الأمانة العامة والقدرة على بناء توافقات داخلية قوية. ويرى عدد من المراقبين أنّ الحزب لم يستطع بعد صياغة خطاب سياسي جديد يواكب المتغيّرات التي عرفتها الحياة الحزبية المغربية بعد العام 2021.
الانتخابات المقبلة ساحة اختبار للخطاب السياسي
على مستوى الممارسة السياسية، يبدو أنّ كل طرف يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الأكثر أهلية لقيادة المرحلة المقبلة. وفي حين يعتمد التجمع الوطني للأحرار على خطاب يقوم على ربط العمل السياسي بالنتائج الاجتماعية والاقتصادية، يحاول حزب العدالة والتنمية الدفاع عن موقعه عبر نقد السياسات الحكومية وتسليط الضوء على الهفوات التي ترافق تنفيذ المشاريع الحالية، مع خطاب ديني تقليدي، وارتباك تنظيمي وسياسي حاد.
لكنّ الاتهامات المتبادلة بشأن الوساطة والضغوط تسلط الضوء على زاوية أخرى تتعلق بإمكانية تسييس الملفات القطاعية في سياقات قد تبتعد عن طبيعتها التقنية. ويرى مراقبون أنّ هذه الاتهامات، في حال استمرارها، قد تعمّق الانقسام السياسي وتؤثر في طبيعة الحملات الانتخابية، التي يفترض أن تُبنى على تقييم موضوعي للبرامج وليس على الصراعات الشخصية.
يكشف الخطاب المتبادل عن تحوّلات في البنية التنظيمية للحزبين، فالتجمع الوطني للأحرار يعمل منذ سنوات على تعزيز حضوره داخل الأقاليم، بينما يعاني حزب العدالة والتنمية من انحسار قاعدته الشعبية وتراجع حضوره داخل بعض النقابات والهيئات المدنية التي كانت تمثل له خزّاناً انتخابياً.
ويشير بعض المراقبين إلى أنّ خطاب السعدي يعكس ثقة متزايدة لدى قيادة حزب الأحرار في قدرتها على الحفاظ على موقعها الحالي داخل الحكومة، مع وجود مشاريع اجتماعية واسعة النطاق قد تمثل عنصر قوة في مواجهة الانتقادات.
في المقابل، يحاول حزب العدالة والتنمية إعادة بناء موقعه عبر التركيز على الخطاب المعارض، لكن دون امتلاك أدوات تأثير قوية كما كان الحال في العقد الماضي.
وتؤكّد هذه التطورات أنّ المشهد السياسي المغربي يدخل مرحلة جديدة من الصراع الخطابي، إذ يسعى كل حزب إلى ترسيخ سردية إطارها من يمثل المصلحة العامة ومن يمتلك القدرة على تقديم إنجازات واقعية.
يستفيد التجمع الوطني للأحرار من موقعه الحكومي ومن قدرته على ربط خطابه بالمشاريع القائمة، بينما يحاول حزب العدالة والتنمية الدفاع عن حضوره عبر نقد السياسات القائمة مع الإشارة إلى وجود اختلالات في إدارة الملفات.
ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي يتجه الخطاب السياسي في المغرب إلى مستويات أعلى من التصعيد، لكن ما يميز الخطاب الحالي هو تركيزه المباشر على الاتهامات المتعلقة بالوساطة والتأثير في مسار الإصلاحات. ويطرح هذا الأمر تحديات تتعلق بكيفية تعامل الأحزاب مع هذه الاتهامات دون الإضرار بثقة الناخبين في العمل السياسي.
ويواجه حزب العدالة والتنمية تحدياً حقيقياً في استعادة توازنه التنظيمي وصورته العامة، بينما يحاول حزب التجمع الوطني للأحرار تثبيت موقعه اعتماداً على سردية العمل والإنجاز. وبين الطرفين يبقى الرأي العام أمام اختبار قراءة خطابين مختلفين في الرؤية والوسائل، بينما تتجه الأحزاب إلى مرحلة أشدّ تنافساً مع اقتراب موسم الاقتراع.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)