تصعيد جديد من منابر الإخوان في اليمن: هجوم منظم يستهدف المرأة والمؤسسات الإعلامية في عدن

تصعيد جديد من منابر الإخوان في اليمن: هجوم منظم يستهدف المرأة والمؤسسات الإعلامية في عدن

تصعيد جديد من منابر الإخوان في اليمن: هجوم منظم يستهدف المرأة والمؤسسات الإعلامية في عدن


25/11/2025

تشهد الساحة اليمنية توتراً متزايداً على خلفية موجة خطابات تحريضية صدرت مؤخراً عن الشيخ الإخواني عبد الله العديني، الذي عاد إلى الواجهة من منبر أحد مساجد عدن عبر خطاب مباشر حمل طابعاً عدائياً ضد الإعلاميات والعاملات في القطاع التلفزيوني، مستهدفاً على نحو خاص قناة (الجمهورية). وتطوّر هذا الخطاب ليصبح جزءاً من حملة أوسع تثير تساؤلات حول توظيف المنابر الدينية في الصراع السياسي والإعلامي داخل مدينة ما تزال تواجه تحديات أمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب ما نشرته صحيفة (الأمناء) المحلية، كرّس العديني خطبتي الجمعة المتتاليتين للهجوم على الإعلاميات في عدن، معتبراً أنّ ظهور المرأة في الإعلام يمثل "اختلالاً في القيم". ورغم أنّ المنبر الديني يُفترض أن يكون مساحة للوعظ الديني العام، استخدم العديني موقعه لإطلاق أحكام وتصنيفات مباشرة على مؤسسات إعلامية وعلى العاملات فيها، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة وانتقادات حادة.

الهجوم لم يقتصر على أحكام عامة تتعلق بعمل المرأة، بل شمل اتهامات صريحة لقناة (الجمهورية) التي اعتبرها العديني جزءاً ممّا وصفه بالعبث، موجهاً دعوة علنية إلى عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله، للتدخل ووقف ما يحدث في القناة من وجهة نظره. هذا التوجيه العلني يعكس محاولة لجرّ مؤسسة رسمية في الدولة إلى صراع يتداخل فيه الديني بالإعلامي والسياسي، وهو ما اعتبره مراقبون دلالة على رغبة التيار الإخواني في استخدام سلطته الدعوية لإعادة ترتيب المشهد الإعلامي بما يخدم توجهاته.

منشور سابق يشعل الأزمة من جديد

تأتي هذه الخطابـات بعد موجة واسعة من الانتقادات واجهها العديني في أعقاب هجوم سابق أطلقه عبر منشور استهدف فيه الإعلامية (عهد ياسين)، وهي إحدى الوجوه البارزة في قناة (الجمهورية). المنشور أثار حالة من الغضب داخل الوسط الإعلامي، واعتُبر امتداداً لنهج طويل يتبنّاه العديني ومن يمثّلهم داخل التيار الإخواني تجاه مشاركة المرأة في المجال العام.

ورغم الانتقادات اللافتة التي وُجّهت إليه، عاد العديني إلى المنبر في الجمعة التالية ليضاعف من حدة الخطاب؛ من ذلك وصفه للمنتقدين بأنّهم "شياطين". هذا التوصيف أثار مخاوف من أثره على بيئة متوترة أصلاً، خصوصاً في مدينة تشهد تنوعاً اجتماعياً ونشاطاً إعلامياً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة.

بيئة إعلامية تواجه ضغوطاً متعددة

يمثل القطاع الإعلامي في عدن جزءاً أساسياً من إعادة تشكيل المشهد اليمني، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب. خلال السنوات الماضية تكوّنت في المدينة مؤسسات إعلامية جديدة بمعايير مهنية مختلفة، وجذبت عناصر شابة، بينهم عدد من الإعلاميات اللواتي لعبن دوراً واضحاً في تغطية القضايا المدنية.

هذه التطورات لم تكن محل ترحيب دائم من التيارات المحافظة أو القوى التي ترى في حضور المرأة تهديداً لبنيتها الإيديولوجية. ولذلك، عندما شنّ العديني هجومه المركّز على الإعلاميات العاملات في قناة (الجمهورية)، اعتبره كثيرون جزءاً من صراع قديم يتجدد كلما اكتسبت المرأة مساحة أوسع داخل المجال العام.

النقاش حول دور المرأة في الإعلام اليمني ليس جديداً، لكن ما جعل هذا الهجوم لافتاً هو أنّه جاء من شخصية دينية لها تأثير على شريحة واسعة من المجتمع، وفي وقت تحاول فيه عدن استعادة بعض من ملامح الحياة المدنية بعد سنوات من الفوضى.

بعد انتشار مقاطع من خطبة العديني بدأت موجة ردود فعل قوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ناشطون وإعلاميون وصحفيون اعتبروا أنّ ما صدر من العديني يمثل اعتداءً واضحاً على حرية العمل الصحفي ومحاولة لإرهاب الإعلاميات بالتحريض والتجريح. ودعا عدد من العاملين في القطاع الإعلامي إلى حملة دعم موسعة لقناة (الجمهورية)، معتبرين أنّ ما يحدث لا يتعلق بجدل فكري أو اختلاف في الرأي، وإنّما اعتداء على مبادئ أساسية تتعلق بحرية الصحافة وحق المرأة في العمل.

بعض الصحفيين شددوا على أنّ العديني يكرر خطاباً يرى في الإعلام عائقاً أمام مشروعه الدعوي والسياسي، وأنّ استهداف الإعلاميات هو طريقة لإرسال رسالة مفادها أنّ النساء اللّاتي يظهرن عبر شاشات التلفزيون، أو يعملن ضمن طاقم التحرير، خارج الإطار المقبول الذي يروّج له التيار الإخواني.

في المقابل، رأى محللون أنّ هذا الخطاب يعكس حالة مأزومـة داخل جماعة الإخوان في اليمن، ومحاولة للعودة إلى قواعد التأثير التقليدية بعد تقلص الدور السياسي للجماعة خلال السنوات الأخيرة.

من بين النقاط التي أثارت استغراباً واسعاً لجوء العديني إلى مطالبة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله بالتدخل لإيقاف ما يجري في القناة. هذا الطلب فُسّر على أنّه محاولة لدفع السلطة السياسية إلى الانخراط في صراع بين تيار ديني من جهة ومؤسسة إعلامية مدنية من جهة أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام تداخل خطير بين القرار السياسي والخلافات الدينية والإعلامية.

ويرى مراقبون أنّ دعوة العديني إلى تدخّل السلطة تعكس رغبة في خلق حالة ضغط متوازية على القناة، عبر استخدام نفوذ ديني من جهة، ومحاولة استدعاء نفوذ رسمي من جهة أخرى. وهو تكتيك لطالما استخدمته التيارات الإخوانية في اليمن، إذ تعمل غالباً على ربط خطابها الديني بخطابات سياسية لإيجاد تأثير مضاعف داخل المجتمع.

المرأة هدف لخطاب الإخوان

بالنظر إلى مسار الخطاب الديني الحزبي في اليمن خلال العقدين الأخيرين، يلاحظ أنّ المرأة كانت دائماً نقطة ارتكاز رئيسية في خطاب الجماعة، سواء من خلال الدعوة إلى تقليص حضورها في المجال العام، أو عبر تصوير مشاركتها المهنية على أنّها تهديد للقيم الاجتماعية.

وتكرر هذا النمط بوضوح في هجوم العديني على العاملات بقناة (الجمهورية)، فالخطاب الذي قدّمه لم يناقش أيّ مسائل مهنية تتعلق بالأداء الإعلامي أو المحتوى، بل ركز حصراً على وجود المرأة نفسها كعنصر غير مرغوب فيه، وفق ما يمكن استنتاجه من اللغة المستخدمة في الخطب.

هذا الأسلوب بات مألوفاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع التي ترى أنّ الخطاب الإخواني يحاول إعادة تعريف دور المرأة بعيداً عن مشاركتها الفعلية في المجالات المختلفة. ويأتي هذا في وقت باتت فيه عدن نموذجاً لحضور نسائي متطور نسبياً مقارنة بالمناطق اليمنية الأخرى.

تزايد التحريض الديني ضد المرأة والإعلاميين يمثّل تحدياً إضافياً لجهود إعادة بناء الحياة المدنية في عدن. فالمدينة التي تحاول تجاوز آثار الحرب بحاجة إلى خطاب عقلاني يُسهم في تهدئة التوترات، وليس توتيرها. وما أثاره العديني من خطابات وأوصاف قد يُشكّل عامل استفزاز ربّما ينعكس على عمل المؤسسات الإعلامية ويخلق بيئة غير آمنة للعاملات في هذا القطاع.

ويرى خبراء في الشأن اليمني أنّ هذا الخطاب يمكن أن يعزز حالة الاستقطاب داخل المجتمع، خصوصاً في بيئات تتداخل فيها السلطة الدينية مع النفوذ السياسي. فالمسجد في اليمن ليس مجرد مكان للعبادة، بل له دور اجتماعي مؤثر، ويمكن أن يتحول إلى منصة ضغط على الفئات الأكثر عرضة للهجوم، كما هو الحال مع الإعلاميات اللواتي يشكّل ظهورهن تحدياً لرؤية تقليدية تمسك بها التيارات الدينية.

وبالنظر إلى الحوادث السابقة المرتبطة بالعديني، يتضح أنّ القضية ليست مجرد خلاف مع قناة (الجمهورية) أو الإعلامية (عهد ياسين). فالخطاب يأتي ضمن سلسلة طويلة من المواقف التي يتبنّاها التيار الإخواني في اليمن تجاه النشاط الإعلامي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بوجود المرأة في المجال العام. قد تختلف المساحة الجغرافية أو اسم المؤسسة الإعلامية، لكنّ النمط ثابت: استخدام المنبر الديني لتوجيه الاتهامات والضغط على المؤسسات المدنية.

وتشير متابعة الخطابات السابقة إلى أنّ العديني يستخدم هذا المنبر ليس فقط لمناقشة قضايا دينية، بل للتأثير في نقاشات سياسية ومجتمعية حساسة، وهذا يضيف عبئاً إضافياً على المشهد الذي يعاني أصلاً من اضطراب وتشتت.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية