ترادف الحرية والفوضى يؤزم العلاقة بين الفرد والسلطة في مصر

ترادف الحرية والفوضى يؤزم العلاقة بين الفرد والسلطة في مصر

مشاهدة

28/09/2020

توجد أنماط متعددة من العلاقة بين المواطن والسلطة في العالم، تختلف باختلاف عوامل عدّة منها؛ طبيعة السلطة، النظام الاجتماعي، الاقتصاد، الدين والتقاليد، التاريخ، القوى الاجتماعية، وغيرها. وتختلف تلك العلاقة في مصر عن محيطها العربي، فلا وجود لقوى اجتماعية كبيرة تقوم بدور الوسيط بين السلطة والمواطن، مثل العشيرة أو القبيلة، منذ التاريخ المكتوب لمصر.

من الملاحظات اليومية أنّ المواطن يتحايل على القانون أينما وجد سبيلاً، والسلطة كذلك، تضرب بالقانون عرض الحائط إذا خالف هواها، ويمكن القول إنّ القانون غريب عن الطرفين

ويتّصل المواطن بالسلطة بشكل مباشر عبر جهازها البيروقراطي، ولم يتغيّر هذا الوضع إلا حين تحوّلت المسيحية إلى ديانة الأقلية، وبات التعامل معها يمرّ عبر رأس الكنيسة، لكنّ ذلك ظلّ محكوماً بالشؤون الدينية والقانونية.

في معظم المراحل التاريخية لهذه العلاقة لم تتدخل الدولة إلا في مسائل الضرائب والأمور التنظيمية الجمعية، مثل؛ إدارة الريّ، وقمع أيّ تمرد على السلطة، ولم يحدث إلا تدخّل محدود في الفترات التي شهدت انخراط الشعب في فكر جديد يهدد بنية السلطة، مثل تحوّل المصريين إلى المسيحية، وما تبعه من تهديد للسلطة الرومانية.

وباستثناء هذه الفترات، حكمت الطرفَين مجموعة من القواعد الأخلاقية والتنظيمية التي نبعت من الثقافة، وطالما لم يحدث تحوّل ثقافي كبير ظلت العلاقة مستقرة، ولم تحدث ثورات أيديولوجية كبيرة في التاريخ المصري، إلا قليلاً، وكانت مواجهة عسف السلطة هي محرك الثورات.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: تناقضات داخل الجماعة ومحاولات العودة وسط إثارة الفوضى

شهدت هذه العلاقة هزات قوية مع تأسيس الدولة الحديثة في مصر، في عهد محمد علي باشا، حيث تدخلت الدولة بقوة في حياة المواطنين، وفرضت قوانين جديدة، اصطدمت بالثقافة الحاكمة، فظهرت حركات مقاومة سلبية ثم إيجابية لدور السلطة الجديد.

ووقع الطرفان في مأزق ما يزال مستمراً إلى اليوم؛ فالسلطة باتت ترى كلّ مقاومة من الأفراد هي مقاومة مُوجهة لذاتها، عليها التصدّي لها بعنف، بينما الأفراد باتوا ينظرون لكلّ تحرّك من السلطة على أنّه عدوان يستهدف نمط حياتهم.

صراع حورس وست

يعود الباحث في الأنثروبولوجيا، خليل منون، إلى أسطورة "حورس وست" لقراءة العلاقة بين السلطة والمواطن في مصر؛ ويرى أنّ جوهر الأسطورة هو الصراع حول من يحكم مصر، ثمّ حدث توافق على أنّ يأخذ حورس نصيبه ونصيب والده أوزوريس، ويحكم ست بنصيب واحد.

ويقول منون، لـ "حفريات"؛ كان الملك المصري القديم يضع علامة حورس وست على كرسي العرش، وتفسير ذلك؛ أنّ حورس رمز العدل والسلم والأمان والحقّ هو للحكم في الداخل، وست رمز البطش والفوضى هو للأعداء، فكان المصري حين يحارب في الخارج يحارب تحت شعار الإله ست، ليشيع الفوضى والرعب في الأعداء.

اقرأ أبضاً: محمد الحداد: مشروع الإسلام السياسي هو اللّادولة والفوضى الاجتماعية

ويرى منون؛ أنّ الأسطورة حاكمة إلى اليوم في العقل المصري، فمبدأ القوة يحيد عن الصراع الداخلي، وهو موكول إلى الجيش ابن الشعب.

العقل الجمعي المصري لا يتصارع على حيازة القوة العسكرية في الداخل، بل يحيدها عن أيّ نزاع، ويحترمها لأنّها من الشعب، ويتنافس على الوصول للسلطة التي عبرها يدير الدولة.

ويحدث الخلل في هذه العلاقة حين تظهر جماعات من الشعب تتنافس على حيازة القوة، مثل التيارات الجهادية والإخوان المسلمين، وفي الحالة الجهادية حدث توافق رسمي وشعبي على قمعهم بكلّ قوة، نتيجة رفض المصري للتنافس على حيازة القوة، يقول خليل منون.

وللتوضيح أكثر؛ يرى خليل منون أنّ الدولة هي مواطن ومؤسسات رسمية، تحكمهم معاً السلطة والقوة؛ والأخيرة حقّ مشروع للجيش والمؤسسات الأمنية، وتحرّم الثقافة ويمنع القانون استخدام القوة من قبل أيّ فرد، لذلك يصبح التنافس الوحيد المطروح هو حول من يدير شؤون الدولة، أي التنافس على السلطة.

ومن هنا، تنشأ مشكلة السلطة والمواطن من زاويتَين؛ الأولى أن يرى من في السلطة أنّ الصراع معه هو صراع على القوة، فيروّج في أذهان الشعب أنّ كلّ مظاهرة أو احتجاج سياسي يهدد الأمن، ويؤدي للفوضى، ويستغل ذلك في تبرير بقائه في السلطة.

والزاوية الثانية؛ أن تنشأ تيارات أيديولوجية شعبية ترى أنّ الهيمنة على القوة هي السبيل الوحيد للتنافس على السلطة، مثل: الجماعات الجهادية والإخوان المسلمين، الذين يؤسسون جماعات إرهابية تنافس على القوة.

الباحث خليل منون لـ"حفريات": الدولة مواطن ومؤسسات رسمية، تحكمهم معاً السلطة والقوة؛ والأخيرة حقّ مشروع للجيش والمؤسسات الأمنية، والقانون يمنع استخدام القوة من قبل أيّ فرد

ومشكلة الزاوية الأولى؛ أنّ من في السلطة لا أفق لديه لتداول سلمي لها، يحدث تحت مظلة الدولة منذ بداية الدولة الحديثة في مصر، ولم يحدث تنازل عن السلطة إلا تحت ضغط شعبي، ثمّ ظلّت السلطة تتحين الفرصة للرجوع للاستبداد، كما كان حال الفترة الملكية.

وتقوم السلطة بقمع الحراك الشعبي الذي يريد التنافس على السلطة فقط، لا القوة، فيُضعف هذا الحراك، مما يسمح لمن يريدون التنازع على القوة بالانتشار شعبياً، فتعمد الدولة إلى القمع العام بالجميع، وإغلاق المجال السياسي.

ثمّ نجد الخطاب الإعلامي لمن في السلطة يندّد بأيّ حراك شعبي، لكنّ الحقيقة التي لا تقبل الجدال أنّ الدولة المصرية تدفع ثمن ذلك؛ فمنذ ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952، ولم نصل بعد لآلية سلمية للتنافس على السلطة، تقطع الطريق على التنافس على القوة.

العداوة بين السلطة والفرد

بالعودة إلى جذور المسألة مع نشأة الدولة الحديثة، نجد أنّ الثقافة الحاكمة نُحيت لصالح القانون الحديث، الذي أصبح من المنوط به إدارة العلاقة بين السلطة والفرد، وإدارة التداول للسلطة، وتحييد القوة عن السلطة.

وبداية؛ يجب التأكيد على أنّ جماعات الإسلام السياسي تشترك جميعها في الصراع على القوة، سواء القوة العسكرية أو القوة الاجتماعية؛ فنجد جماعة الإخوان المسلمين نشأت بهدف إعادة الخلافة؛ ولن يتحقق ذلك إلا بالقوة، ولو في مرحلة ما بعد الحشد الدعوي، ومن رحم الإخوان وُلد الإرهاب الديني، والإرهاب الدعوي، فنجد الجماعات الإرهابية المباشرة، مثل: الجماعة الإسلامية، والجهاد، وغيرهما.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: صراع داخلي وتخبط سياسي وإثارة للفوضى

وهناك الجماعات التي تؤمن بالإرهاب لكنّها توظفه بحسب المرحلة، مثل الإخوان المسلمين، الذين مارسوا الإرهاب في مراحل متقطعة، وفق معادلة هي؛ إذا وُجدت مساحة للصراع على السلطة يتم استغلالها، وإن لم تُوجد يتمّ توظيف الإرهاب، وبعد ثورة "30 يونيو" تحوّلت الجماعة إلى توظيف الإرهاب بعد أن أطاح الشعب سلطتهم.

وتتبنى الجماعات السلفية الإرهاب، وفق قاعدة "إذا كان توظيفه يضمن الفوز"، مثل جماعة سلفية الإسكندرية، التي تجعل الحاكمية ورفض القانون الحديث والقيم العنصرية تجاه المسيحيين، وسياقة الأفراد وفق رؤية فقهية رجعية، من مبادئها الفكرية، لكنّها تلتزم بضوابط لممارسة العنف.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: فوضى وتخبط ومحاولات لاستعادة التوازن

كما توجد السلفية التي تُقدم الإرهاب الاجتماعي على الإرهاب السياسي؛ بمعنى أنّها تقبل بأية سلطة طالما سمحت لها بفرض رؤيتها الفقهية على المجتمع.

هذه التيارات هي ردّة فعل على صدمة الحداثة، وتقع على السلطة مسؤولية حول ظهور هذه الجماعات، نتيجة إخفاقها في إقرار القانون بشكل محايد، دون استغلاله لصالحها.

ويحلل الباحث في الدراسات الدينية، عبد السميع جميل، صدمة الحداثة بقوله: "بناء الدولة الحديثة تمّ بشكل فوقي، من قبل السلطة التي فرضته بالقوة على الشعب، الذي عارض أيضاً الدولة الحديثة، فعندما سنّ محمد علي باشا القانون الحديث وفرضه بالقوة عارضه الشعب، ووصمه بأنّه غزو غربي، لكنّ مشكلة عدم القبول الشعبي، إلى اليوم، بالقانون، تقع على عاتق السلطة، التي ميزت في تطبيقه، ولم تفهم جوهر القانون، وهو المساواة والحياد، فترسّخ لدى الناس أنّ القانون وُجد لمصلحة فئة بعينها".

اقرأ أيضاً: صناعة الفوضى.. أردوغان وداعش

ويتابع جميل لـ "حفريات": "الواقع أنّنا مجتمع لا يؤمن بالقانون، ومن رحم هذا المجتمع وُلدت السلطة، فنجد عدم التزام بالقانون من قبل مَن في السلطة، إلى جانب أنّ تطبيق القانون فيه عوار كبير، وعجز كبير، فأصبحنا حين نريد حلّ مشكلاتنا نلجأ للعرف، وحين نريد تعقيدها نرفعها للقانون".

فجوهر المشكلة؛ أنّ هناك فشلاً في توطين القانون الحديث في مصر. يقول جميل: "هناك افتقاد للمنطق والفكر في إدارة العلاقة بين الفرد والسلطة في مصر، واستمرار سلطوي في دور الوصاية الأبوية، وهو أمر يتعارض مع روح القانون".

ومن الملاحظات اليومية يمكن تشخيص هذه المشكلة؛ فالمواطن يتحايل على القانون أينما وجد سبيلاً، والسلطة كذلك، تضرب بالقانون عرض الحائط إذا خالف هواها، ويمكن القول إنّ القانون غريب عن الطرفين.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: تبعية لأردوغان وإثارة للفوضى في تونس ومزايدة على السودان

وبذلك تكون الأزمة هي أنّنا نعيش بعقلية ما قبل الحداثة، في عصر لا يستقيم من دون القانون الحديث، بما يشترطه من تداول السلطة، وتحييد القوة، والحريات والحقوق؛ أي أننا أدخلنا شكل القانون دون روحه وجوهره.

المظاهرات والفوضى

كانت أحداث الربيع العربي، في 2011، اختباراً لكلٍّ من السلطة والفرد حول رؤية كلّ منهما لمفهوم الدولة الحديثة.

ومن المهم التأكيد على أنّ حقوق الإنسان كاملةً، كما جاءت في الإعلان العالمي وملحقاته، هي أرقى ما وصلت إليه البشرية من حقّ للفرد، وأنّ تذرع السلطة باسم الدين والعرف والخصوصية الثقافية لعرقلة هذه الحقوق أمر لا يوجد له أساس منطقي، فحقوق الإنسان هي أفضل ضمان لعلاقة سوية بين الفرد والسلطة.

اقرأ أيضاً: هل جلب المحور التركي القطري السلام أم الفوضى إلى الشرق الأوسط؟

وحين حدثت مظاهرات 25 يناير في مصر؛ بادرت السلطة إلى القمع، لكن ما يعنينا هو ردّ فعل الفرد؛ فنجد أنّ أغلب الأفراد رأوا في الحرية الفوضى فقط.

وأول مظاهر الفوضى كانت التعدي على مؤسسات الدولة، وانتشار الجريمة، وقيام الجماعات الإرهابية بتخزين السلاح استعداداً للمواجهة مع السلطة، والإرهاب الاجتماعي من الجماعات الدينية كافةً.

ورغم أنّ ما سبق هو الأشدّ فتكاً واعتداء على حقّ الدولة في احتكار القوة، إلا أنّ هناك ممارسات على مستوى الفرد، المؤمن بحقّ الدولة في احتكار القوة، لا تقلّ ضرراً عما سبق، فمثلاً: انتشار البناء العشوائي على الأراضي الزراعية، وسرقة أراضي الدولة، والانفجار في مستوى العنف بين الأفراد، وضدّ المرأة، واستغلال التظاهر لنيل مطالب غير مشروعة.

اقرأ أيضاً: الإخوان يحشدون لإعادة السودان إلى مربع الفوضى.. ما علاقة قطر؟

وذلك لا يعني التعميم؛ ففي أثناء التظاهرات، خاصة في مراحلها الأولى، كان التيار السائد هو احترام مؤسسات الدولة، وحصر الخلاف حول السلطة.

ويوضح ذلك الأنثروبولوجي، خليل منون: "التيارات المدنية غير قادرة على التنافس على السلطة بشكل جيد، لأنّ معظمهم (عندهم رخص)، وغير مشغولين إلا بمصالحهم الشخصية، وكلما مُنحوا فرصة للتجريب أثبتوا فشلهم الذريع، بسبب صراعهم الضيق على المصالح الفردية".

ويتساءل منون؛ كيف تثق السلطة المصرية بأمثال هؤلاء في إدارة الدولة، إذا كانوا يفشلون في إدارة هيئة عليا لحزب تتكون من 40 فرداً، فكيف يتعاملون مع تحديات كبرى تواجه الدولة.

اقرأ أيضاً: تحولات مفكري المنطقة بعد أحداث "الفوضى الخلاقة"

ومع ثورة 30 يونيو الشعبية، استعادت السلطة احتكار القوة، وبدأت في محاربة مظاهر الخروج عن القانون، لكنّها وقعت في مأزق التوحيد بين التنافس على السلطة المشروع، والتنافس على القوة غير المشروع، فباتت ترى أنّ أيّ حراك سياسي هو حراك ضدّ الدولة.

وربما نلتمس العذر نسبياً للسلطة، لكنّ الواقع أنّها تمادت في ذلك؛ فحين يدعو الإخوان إلى مظاهرات، تضطرب السلطة، وتضرب بالقانون عرض الحائط باسم محاربة الفوضى، رغم أنّ القانون يكفي للتصدي لتخريب الإخوان، مع حماية حقوق الأشخاص.

وبشكل براغماتي؛ كيف يخدم تفتيش هواتف المواطنين دون إذن من النيابة العامة، أو القبض الاحترازي على مئات الأشخاص، أو استمرار حبس معارضين دون توجيه تهم إليهم، في حماية الدولة من الانهيار، أو قطع الطريق على التخريب والإرهاب الإخواني.

الواقع؛ أنّ السلطة تعيش هاجس 25 يناير، وتخشى ترك أية مساحات للحرية، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، كي لا ينفلت الوضع من يديها، وهي معالجة خاطئة، لكن ذلك لا يعني أنّ فتح المجال العام دون ضوابط هو الحلّ، فقد أثبتت التيارات المدنية، والحراكات الشعبية المدنية والعلمانية فشلها مراراً، وانجرّت إلى الفوضى، بل واستغلتها جماعة الإخوان المسلمين مراراً، مما يجعل الدولة مُحقة بعض الشيء في عدم الاطمئنان لها.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية عزّزت الفوضى وشجعت التطرف في المجتمعات

لكنّ الإغلاق التامّ باسم محاربة الفوضى يؤدّي إلى احتقان شعبي، وسوء استغلال للسلطة، على المستويات الدنيا والوسطى، وهو مُلاحظ في التناقض بين توجهات القيادة السياسية نحو القانون ومكافحة الفساد واحترام الحرية الدينية والمرأة، وبين ممارسات المستويات الأدنى من السلطة، ولا حلّ إلا بإدارة مرحلية لإشراك الفئات الوطنية التي لا تتنافس على القوة؛ بل على السلطة، وبتوجه حقيقي من السلطة نحو خلق جيل قادر على إدارة البلاد، مع احترام حقوق الإنسان، والتأقلم مع التغيرات الاجتماعية، ومعالجة المشكلات التي تنتج عن ذلك، بدلاً من الإغلاق التامّ؛ الذي يؤجّل الانفجار الاجتماعي، ولا يعالج المشكلة من جذورها.

الصفحة الرئيسية