"تحرير الإسلام".. هل تستطيع الأدوات التقليدية مواجهة تحديات الحداثة؟

"تحرير الإسلام".. هل تستطيع الأدوات التقليدية مواجهة تحديات الحداثة؟


18/07/2022

يوحي عنوان كتاب المفكر الأردني فهمي جدعان "تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات"، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت العام 2014، بنفحة نضالية أو نزوع أيديولوجي معين، نظراً لارتباط مفردة التحرير في الفكر العربي والفكر السياسي العربي بشكل خاص بالأيديولوجيات النضالية على اختلاف أطيافها من جهة، ونظراً لأنّ الكتاب صدر في زمن التحولات الكبرى؛ عالمياً ومحلياً، وفي خضم الثورات العربية واستجابة لأسئلتها الحارقة وملابسات دور الإسلام السياسي وحركة الإخوان المسلمين في هذه التحولات من جهة ثانية.

لكن فهمي جدعان ينفي عن نفسه أي صفة أيديولوجية من تلك الأيديولوجيات، ويقدم نفسه في مقاربته "للمسألة الإسلامية" التي ينهض لها، بكونه مفكرَ بحث، وفق تصنيف إدوارد سعيد "للمثقف المفكر"، (يلتزم منهجاً عقلياً تكاملياً، واقعياً، حراً، نقدياً) وليس "داعية" أو "واعظاً" من "وعاظ السلاطين" ولا "إسلامياً سياسياً" أو غير سياسي.

غلاف الكتاب
إنّ المهمة التي يقوم بها جدعان، في هذا الكتاب، هي، كما يقول، "اجتهاد إنساني نقدي في مسائل الوجود والمجتمع وحياة دين الإسلام وأهله، وبذل الوسع من أجل حماية هذا الدين من أهله أولاً، ومن مبغضيه وأعدائه ثانياً"؛  فالتحدي الذي يتعرض له الإسلام اليوم، كما يرى الباحث، لا يقتصر على تحدي الحضارة الغربية الظافرة والعولمة بلكنتها الليبرالية الجديدة ووجهها الأمريكي البشع وحسب؛ بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير البائس الذي آل إليه الإسلام "بما أحدثوه في أعطاف هذا الدين من فهوم ورؤى ومسالك وخيارات ومظاهر ذهنية وميثية وعملية أعادت تشكيل تصورات المسلمين لدينهم ولمستقبل هذا الدين في العالم". 

ويبين أنّ تحرير الإسلام اليوم: هو تحريره من تلك الرؤى والفهوم والتصورات والمظاهر والخيارات الجالبة للإساءة، والمشوهة لحقيقة الدين، والمضرّة بمصالح أهله؛ أي تحرير الدين من السياسة، وتحرير الإسلام كدين من الإسلام السياسي؛ فالإسلام السياسي في رأي الباحث، "بدعة" أيديولوجية حديثة، ونَسجٌ على منوال الأحزاب السياسية الحديثة، وهو انحراف صريح عن غائية الإسلام الحقيقية التي هي غائية أخلاقية حضارية، لا حركة سياسية مكيافيلية تطلب السلطة والغلبة والإقصاء للمختلف.

الإسلام السياسي في رأي جدعان بدعة أيديولوجية حديثة وانحراف صريح عن غاية الإسلام الحقيقية

وإذا كان ثمة من يجادل بأنّ الإسلام "دين ودولة" منذ نشأته الأولى فإنّ المسلمين ليسوا في حاجة إلى أن يخططوا لوجودهم في هذا العالم وفقاً لمبادئ السياسة في الصراع والاقتتال والحرب الدائمة فحسب، إنّما في حاجة إلى إصلاح الإنسان والمجتمع بالمعنى، والقيمة، والمبادئ الأخلاقية والإنسانية الرحيمة؛ فالإيمان التقي الرحيم، التواصلي العادل، هو طريق الخلاص، لا "الإيمان المستعلي" المسكون بإغراءات التفرد والسلطة والاستبداد والانفصال، وإنّ "المطلوبات  العظمى" المتمثلة في الشعارات التي رفعها شباب الثورات العربية تعبيراً عن حاجتهم وحاجة مجتمعاتهم للحرية والكرامة الإنسانية والعدل والخير العام والديمقراطية والدولة العادلة والنظام السياسي السديد... واحترقت لأجلها النفوس والأبدان والمجتمعات والأوطان تفرض راهنيتها وضرورتها وأسبقيتها، وتفرض على الفكر والسياسة استئناف النقاش العقلاني البنّاء حولها لا الوعود المبدَّلة والنفاق الأيديولوجي.

ولا تقابل هذه المطالب باستدعاء التاريخ المتخيّل أو التراث المكيف حسب الرغبة والأيديولوجيا الصلبة والدوغمائية التي لا تقيم غير التحاجز والتنابذ والترافع والعنف وفق منظور سياسي مسرف للدين يحتقر العقل والقيم الإنسانية، وينكص إلى روح القبيلة والعصبية، ويطلق فتاوى التكفير بحق المخالفين ويحلل قتلهم دون أدنى اعتبار لمبادئ أو أخلاق أو أصول دين، ويجعل من الإسلام ديناً مثيراً للخوف والكراهية والنفور، ليس في العالم غير الإسلامي فحسب؛ بل في بيئته وعوالم أهله أيضاً، وهو ما يوجب حسب رأي الباحث "تحرير الإسلام".

 

ما بين الخوف على الإسلام والخوف منه
يفتتح الدكتور فهمي جدعان الجزء الثاني من كتابه بالتأمل في حال الإسلام اليوم وبسؤال إشكالي حول مصيره ومستقبله، يسوقه معاكساً للمطالعات الفكرية والسياسية التي تتحدث عن عودة الديني والمد الأصولي وقوة الدين في المجال العام مقابل إحباطات الحداثة والعقل الأداتي.. بقوله: "هل نشهد حقاً زمن ارتداد الإسلام إلى حدوده الدنيا، وأنّنا في قبالة أمارات تنبئ بحدث كوني عظيم يتجه فيه الإسلام في طريق التشظي والعجز والأفول وغيض الملامح؟ أم نشهد عودة الإسلام واستيقاظه من سباته الطويل ليحل بديلاً عن النظم الليبرالية والعلمانية والديمقراطية المخفقة"؟

تحديات الإسلام اليوم لا تقتصر على الخارج بل يشارك المسلمون أنفسهم في صنع هذا المصير

لا يتعجل فهمي جدعان، الذي لا يخفي غيرته على دين الإسلام، توجّسه وخوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود، والمهددة لكل الهويات والخصوصيات في تقديم جواب أيديولوجي أو عقائدي على السؤال الذي انطلق منه، كما يفعل الكثير من منظري الإسلام السياسي الحركي وتيارات الأيديولوجيا السياسية الواثقة والمتفائلة، أو من خلال براغماتية سياسية تلتمس تفسيراً ذرائعياً كنوع من الانحناء أمام العاصفة، بل يمكن القول: إنّ جملة فصول الكتاب اللاحقة التي ساقها تحت عناوين مختلفة هي محاولة لتقديم إجابة على سؤاله الإشكالي الأول، في زمن يعتبره من أكثر الأزمنة العربية حيوية وتوتراً وانشغالاً بهواجس التحليل والبناء والتقدم، ويشهد تقابل وتضافر وتدافع شتى النظم المعرفية والأيديولوجية، ومختلف أدوات المعرفة والتحليل والنقد التي تعمل على فتح طرق جديدة جديرة بالمستقبل. 

ومن هذا المنطلق وعلى هذه الأرضية الجديدة يستأنف النظر حول جملة من القضايا الحيوية والمفصلية في الفكر العربي والإسلامي كقضية: الحرية والعدالة والحداثة والعلمانية والديمقراطية والعلاقة مع الآخر المختلف وقضية المرأة والمساواة بين الجنسين...، التي بات يتوقف مستقبل الإسلام ووجوده الحي، في بلدانه أو في المساحة الكونية، على حسم تلك الأسئلة وتقديم إجابات شافية حولها من خلال قراءة إنسانية تأويلية للنصوص الدينية تليق بمتطلبات الإنسان والمجتمع الحديث ومعارف وعلوم وثقافة العصر. 

فالإسلام السياسي الذي بات اليوم يحتكر تمثيل الإسلام ويقدمه في صورة ترعيبية طاردة منفرة وشعارات انتحارية لا يرى فيها الآخر المختلف غير العنف والإرهاب واضطهاد النساء، والتجربة التاريخية للإسلام الذي انحدر سريعاً نحو الملك العضوض، والتي لم تحفل بقضايا الحرية والعدالة والمساواة أو بمفهوم الدولة فكريا وسياسياً، و"الدولة الوطنية" التي تأسست بعد الاستقلال وانحدرت نحو التسلط والاستبداد والقهر وجعلت من لوحة الحاضر العربي والإسلامي لوحة قاتمة، كلها أمور تدفع لاعتبار الإيمان بالحرية مدخلاً لا بد منه لإدراك النهضة، وتقدم قضية الحقوق والحريات الأساسية وانحسار الاستبداد والقمع والقهر وتحقيق دولة العدل والمواطنة مقدمة لا بد منها لمواجهة مخاطر العولمة.

فالأزمنة الحديثة كما يرى الباحث "قد أفرزت أوضاعاً ومسائل وشروطاً وجودية لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بنجوع بأدواتها وطرائقها التقليدية"؛ لذا يدعو إلى المصالحة بين "القيم الدينية" و"القيم الإنسانية" وتجاوز القراءة الظاهرية "الذرية" للنصوص نحو قراءة شمولية تأويلية واعتماد مناهج جديدة تقوم على التأويل العقلي والمقاصدي للنصوص وتغليب المصلحة كما فعل مفكرو الإسلام من قبل أو "اعتماد مناهج حديثة يمكن أن تعزز مبادئ المساواة والعدالة والخير العام والكرامة الإنسانية من منظور قرآني على غرار ما أجرته "النسويات التأويليات" في المسألة النسوية".

لا يخفي جدعان خوفه على مستقبل الإسلام أمام التحديات الحضارية الماثلة في زمن العولمة المتخطية لكل الحدود

تحتل قضية الحرية والعدل ودولة العدل والمساواة وقضية المرأة، مساحة مهمة من "رسائل زمن التحولات" التي أرسل الكاتب القول بها باعتبارها قضايا ذات أولوية فرضها زمن التحولات ذاته من جهة، وبكونها قضايا إشكالية لم تستوفِ حقها من النظر في التجربة التاريخية الإسلامية من جهة ثانية، وفي كون أحزاب الإسلام السياسي التي اتخذ معظمها من لفظ "العدالة" اسماً وعلامة له، كالعدالة والتنمية أو الحرية والعدالة أو العدالة والإحسان... والتي أصبحت تعتبر نفسها صاحبة الإسلام الحق والناطق الحصري باسمه، ترى أنّ العدالة هي تحقيق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية كفيل بتحقيق العدل والرفاهية حتى دون النظر في مبادئ الشريعة ومقاصدها النهائية من جهة ثالثة. فعمد الباحث إلى إعادة طرح تلك القضايا ومعالجتها باعتماد المنهج التأويلي الكلي ونظرية "المصلحة" التي تتوخى الخير العام ومضاهاتها بجملة النظريات الغربية في العدالة.

الأزمنة الحديثة أفرزت أوضاعاً لا تستطيع التجربة العربية والإسلامية أن تتصدى لها بأدواتها وطرائقها التقليدية

اللافت أنّ الكاتب يلجأ إلى محاولة التوفيق "النفعي" في مقارباته لجملة القضايا التي يتعرض لها بين منتجات الفكر الحديث بميسمه الغربي، وبين الفكر الإسلامي عبر عرض جملة من التقابلات الضدية أحياناً بين المنتجين بغية استخلاص ما يراه الأنسب أو الأقرب لمقتضيات الواقع وتحقيق النفع العام، فيعرض مثلاً جملة النظريات الغربية حول العدالة: كالنفعية و الليبرالية والليبرتارية والجماعتية والماركسية والنسوية ويقابلها بنظرية "المصلحة" أو المقاصدية الإسلامية ليخلص إلى "الليبرالية التكافلية التي تحقق النفع العام وتحفظ الحريات الأساسية والمساواة في الفرص في توزيع الخيرات الاجتماعية مع الإقرار بالتفاوت وإنصاف الأفراد الأقل حظاً...".

 


أو كما يعرض للديمقراطية وأنواعها وتاريخ المفهوم وتطوراته الغربية وملابساته العملية والتمثيلية، مقابل بذوره التي يراها في الشورى رغم ملابساتها العملية هي الأخرى، ليخلص إلى "الديمقراطية الاجتماعية" التي تحقق الإرادة التمثيلية العامة وإنفاذ مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والخير العام، أو في استخلاصه لـ"علمانية إسلامية" حيادية من تقابل العلمانية الغربية في صيغتها اللائكية الفرنسية أو الإقصائية الأتاتوركية  المتصلبة التي تستعصي على المصالحة مع الدين، مع المقابل الإسلامي المتشدد هو الآخر في فرض القواعد الدينية كفكر المودودي أو سيد قطب وغيرهما، أو المقابلة في موضوع "النسوية الإسلامية" التي سبق للمفكر فهمي جدعان أن خصها بكتاب سابق بعنوان "خارج السرب: بحث في النسوية الرافضة وإغراءات الحرية"، فيجري التقابل بين "النسوية الراديكالية" "الرافضة"، حسب تعبير الكاتب، والمستغرقة بقيم الحداثة والحرية  التي ترى أنّ أسباب اضطهاد المرأة والتمييز بينها وبين الرجل والافتئات على شخصها وحقوقها الإنسانية مرده إلى فهم الدين نفسه الذي يسوّغ الأوضاع غير العادلة بين الجنسين، والتي يعتبرها الباحث نتيجة قراءة حرفية ظاهرية للنصوص التراثية ورؤية أحادية للدين تجد تحققها الواقعي في الوهابية والسلفيات المعاصرة.

 

 


وبناء عليه يجد أنّ المركّب الأوفق يتمثل في "النسوية الإسلامية" أو "النسوية التأويلية" التي يثني على كفاءة صاحباتها الأبتسمولوجية ورصانتهن العلمية وتمكنهن من مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة والعلوم الدينية في آنٍ، وعدم وقوعهن في براثن القراءة السلفية للنصوص الدينية، فهؤلاء اعتبرن أنّ المساواة الأنطولوجية ثابتة ومتحققة في النصوص لكن التمييز الحاصل بين الرجال والنساء والاضطهاد الواقع على المرأة مردّه إلى واقع المجتمعات الإسلامية والثقافة البطريريكية التي يسود فيها تفسير ذكوري للدين يجسد مصالح وأهواء وأذواق هؤلاء المفسرين من الرجال. وهو ما يعيد الكاتب دوماً إلى التأكيد على "أنّ المنهج التأويلي في فهم النصوص، هو الجهاز المحرر للعقل الديني من "الصيغ الطاردة" السلبية للدين، والمحرر للمرأة من كل أشكال العسف واللامساواة".

أخيراً لا بد من التنويه أنّ كتاب المفكر فهمي جدعان كبير الحجم، كثيف المادة، متنوّع الموضوعات، جميل البيان وغزير العبارة، يصعب تقديم إحاطة شاملة حوله في هذه المساحة الصغيرة، لكنه مرجع مهم للبحث ودعوة إصلاحية ومحاولة تنويرية إسلامية تستحق التأمل والنقد سواء اتفق القارئ مع صاحبها أو اختلف معه.

مواضيع ذات صلة:

هل يصبّ لاهوت التحرير الإسلامي في صالح الإسلام السياسي؟

كيف يمكن تفسير براغماتية الإسلام السياسي؟

بداية نهاية الإسلام السياسي في المنطقة

سوداوية الإسلام السياسي



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية