تحركات مفتي الإخوان تعزز الانقسام وتفتح الأبواب أمام عودة ليبيا إلى المربع صفر

تحركات مفتي الإخوان تعزز الانقسام وتفتح الأبواب أمام عودة ليبيا إلى المربع صفر

تحركات مفتي الإخوان تعزز الانقسام وتفتح الأبواب أمام عودة ليبيا إلى المربع صفر


20/11/2025

تشهد الساحة الليبية في الأشهر الأخيرة حراكًا واسعًا يستهدف إعادة إحياء مسار الحوار الوطني، في محاولة لتجاوز سنوات الانقسام والصراع. وبينما تعمل أطراف محلية ودولية على تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق مبادرات مصالحة أكثر شمولًا، برز من جديد الخطاب التصعيدي الذي يتبنّاه الصادق الغرياني، مفتي الإخوان الذي بات حضوره أحد العناصر المثيرة للجدل في المشهد السياسي والديني الليبي.

ورغم عزله رسميًا من منصبه كـ "مُفتٍ" للديار الليبية منذ عام 2014 بقرار صادر عن مجلس النواب، ما زال الغرياني يواصل إصدار مواقف وفتاوى عبر "دار الإفتاء" في طرابلس، مقدّمًا نفسه بوصفه المرجعية الدينية الأعلى، ومستخدمًا منصته لإطلاق خطاب يُنظر إليه بوصفه عنصر تعطيل لمسارات المصالحة، في وقت تسعى فيه مختلف القوى إلى خفض مستوى التوتر.

فتاوى تصعيدية في توقيت حساس

صعّد الغرياني من لهجته في الأيام الأخيرة، وأصدر سلسلة من الفتاوى التي تستهدف بشكل مباشر أيّ مسعى للحوار مع قيادة الجيش الوطني الليبي. وأفتى الغرياني بتحريم لقاء المشير خليفة حفتر، معتبرًا أنّ المشاركين في مباحثات أو لقاءات معه يقعون في المحظور الشرعي، وأنّ سلوكهم يستوجب النار. واستخدم خطابات تُحذّر من أيّ تقارب، وتصفه بأنّه "ركون إلى الظالمين".

وبحسب ما صدر عن "دار الإفتاء" في طرابلس، فإنّ أيّ لقاء يجمع شخصيات سياسية أو اجتماعية مع حفتر لا يدخل ضمن إطار المصالحة، بل هو وفق التصنيف الذي تبنّاه الغرياني صفقة مشبوهة تهدف إلى إضفاء شرعية على طرف عسكري يجب مقاطعته. وتوسعت هذه الفتاوى لتشمل تحذيرات من هرولة بعض الليبيين نحو مسارات التفاهم، مع التأكيد على أنّ هذه اللقاءات ليست محاولة للحلول السياسية، بل خطوة تفتح الباب لسيطرة الجيش على المنطقة الغربية.

توقيت هذه الفتاوى يحمل دلالات سياسية أكثر منها دينية، وأنّها تهدف إلى إغلاق المجال أمام أيّ محاولات لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين، ليعيد إنتاج حالة الاضطراب التي ميزت سنوات ما بعد 2011، عبر استخدام لغة التخوين واستدعاء مفردات التحريض. كما أنّ تحركات الغرياني تُسهم في تعميق الانقسامات، لا سيّما أنّه يُخاطب جمهورًا مُعينًا داخل المنطقة الغربية، حيث تمتلك الجماعات المحسوبة على الإخوان نفوذًا في بعض المؤسسات، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تعطيل أيّ مسار سياسي لا يتوافق مع مصالح التيار الذي يمثله الغرياني، عبر تقديم موقف ديني يُراد له أن يكتسب قوة معنوية تؤثر على السلوك السياسي.

كما أنّ بعض الأطراف تستخدم فتاوى الغرياني بوصفها غطاءً لرفض الحوار، ممّا يعرقل المبادرات التي طُرحت لإجراء لقاءات مباشرة بين قيادات عسكرية وسياسية بهدف التهدئة، الأمر الذي يُعمّق حالة الازدواجية في المشهد الديني الليبي، ويُضعف المؤسسات الشرعية الرسمية.

مفتي الخراب

يُعدّ الغرياني أحد أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بمراحل مبكرة من الصراع الليبي. وبعد عزله حافظ على دوره عبر منصات إعلامية ومؤسسات دينية موازية، مستفيدًا من دعم تيارات سياسية ترتبط بجماعة الإخوان أو تتوافق مع توجهاتها. وقد صعد اسمه بوصفه مرجعية دينية للتيار الإسلامي المسلح في ليبيا خلال الحرب على طرابلس، الأمر الذي خلق انقسامًا بين الليبيين حول دوره.

وفي حين ترى بعض القوى أنّ الغرياني يستخدم خطابًا دينيًا لتبرير خيارات سياسية، يرى أنصاره أنّه يُقدّم موقفًا شرعيًا ينسجم مع رؤيته للمشهد. لكنّ الأحداث خلال السنوات الماضية عززت النقد الموجّه إليه، إذ اكتسب لقب مفتي الخراب والدم في الخطاب الشعبي، نظرًا إلى ارتباط فتاواه المتكررة بدعوات تحريضية ضد خصوم سياسيين وعسكريين.

واستمرار الغرياني في العمل من منصبه السابق كـ "مُفتٍ"، رغم عزله، يُعدّ انعكاسًا لغياب القدرة على ضبط المؤسسات الدينية، وتوظيفها سياسيًا. كما أنّ هذا الوضع أسهم في خلق تعددية دينية غير رسمية، فقد ظهرت مرجعيات تسعى إلى فرض نفوذها على حساب المؤسسات الشرعية المعتمدة.

تبنّى الغرياني نمطًا من الخطاب يضع كل الأطراف الأخرى في خانة العداء، ويعتبر أيّ تقارب سياسي تهديدًا مباشرًا لتيارات تتبنّى مشروعًا مختلفًا. هذا التوجه ينسجم مع نهج الإخوان في ليبيا، الذين ما زالوا ينظرون إلى الحوار مع الجيش الوطني بوصفه خطًا أحمر، لما قد يترتب عليه من إعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسات.

كما أنّ اعتماد فتاوى دينية في سياق سياسي يعيد ليبيا إلى مربع الانقسام الأول، حيث كانت الفتاوى تُستخدم كأداة لحشد أنصار وضبط توجهات مجموعات مسلحة. ويخشى مراقبون من أن يعود هذا الأسلوب ليؤثر على الأمن المحلي، عبر توسيع الهوة بين الأطراف التي بدأت للتوّ في فتح قنوات تواصل.

تأتي فتاوى الغرياني في وقت تسعى فيه شخصيات اجتماعية وسياسية لإعادة بناء الثقة بين الشرق والغرب عبر لقاءات فردية وعشائرية، بالإضافة إلى مبادرات تقودها منظمات مدنية. وترى هذه الأطراف أنّ التصعيد الديني يعطل مناخ التهدئة الذي بدأ يتشكل، ويعيد التركيز على خطاب يقوم على تحديد عدو وطرف ظالم.

كما أنّ التيارات المسلحة المرتبطة بمرجعيات دينية تجد في هذا الخطاب مبررًا للاستمرار في الانغلاق السياسي، وهو ما قد يُطيل أمد الانقسام. ويشيرون إلى أنّ هذا النوع من الفتاوى قد يُستخدم لتبرير رفض أيّ تسوية سياسية لا تحقق مكاسب لجماعات معينة، وهو ما يجعل مسار المصالحة عرضة للفشل أو التأجيل.

التقاطعات الإقليمية والدولية

تزامن تصعيد الغرياني مع تحركات دولية لإعادة إعمار المسار السياسي الليبي، فالأمم المتحدة تعمل على تأسيس قاعدة مشتركة للحوار، ودول عدة بينها مصر تحاول الدفع نحو تهدئة محلية تمهّد لإجراء انتخابات مؤجلة منذ سنوات.

هذا الخطاب لا ينعكس فقط على الوضع المحلي، بل يثير مخاوف الدول المنخرطة في الملف الليبي، لأنّه يُعطي انطباعًا بأنّ بعض الأطراف ما تزال متمسكة بسياسة تعطيل الحلول الوسط. ويشير خبراء في الشأن الليبي إلى أنّ الجماعات المرتبطة بالإخوان تسعى إلى الحفاظ على نفوذها السياسي من خلال التشكيك في أيّ مبادرة قد تقلّص من قدرتها على التأثير.

تعكس حالة الغرياني معضلة أوسع تتعلق بتنظيم الفتاوى في ليبيا، فبعد سقوط النظام السابق شهدت الساحة الدينية انفلاتًا واضحًا، مع ‏عدم وجود مؤسسة موحدة قادرة على ضبط الخطاب الديني. وعندما أصدر مجلس النواب قرار عزل الغرياني، لم تكن هناك آلية فعّالة لتنفيذ القرار أو منع استخدام صفته السابقة.

إنّ استمرار الغرياني في إطلاق فتاوى تحريضية يُشكّل خطرًا على إمكانية نجاح أيّ مشروع للمصالحة، خاصة أنّ البلاد تقف أمام استحقاقات مهمة بعد سنوات من الانقسام. وفي الوقت الذي يحتاج فيه الليبيون إلى مواقف داعمة للتهدئة والاستقرار، يعيد هذا الخطاب إنتاج العوامل نفسها التي غذّت الأزمة منذ بدايتها.

ورغم أنّ تأثير الغرياني لا يعكس وزن مؤسسة رسمية، إلا أنّ الخطاب الذي يقدّمه ما زال يحظى بمتابعة داخل بعض التيارات، وهو ما يجعل التعامل معه ضرورة ضمن جهود ضبط الحقل الديني وضمان عدم توظيف الفتاوى في مسارات سياسية تزيد من حدة الانقسام.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية