بين الماضي والحاضر.. جداريات القرنة تعيد رسم ذاكرة الحياة على ضفاف النيل

بين الماضي والحاضر.. جداريات القرنة تعيد رسم ذاكرة الحياة على ضفاف النيل

بين الماضي والحاضر.. جداريات القرنة تعيد رسم ذاكرة الحياة على ضفاف النيل


19/04/2026

رانيا عبد العاطي

النهر والجبل، وما بينهما الزرع، ومن فوقهما ضوء الشمس، وخلالهما تسير أشعتها، تنير الطرق وتمنح الدفء، تمازج في الألوان بين الأزرق والأصفر والأخضر بدرجاتها المختلفة، على مدار آلاف وربما ملايين السنين. كانت تلك ملامح هذه البقعة من الأرض التي كانت وما تزال على مدار عقود تكشف الكثير من أسرارها، ومن أسرار أقدم حضارة عرفها التاريخ، الحضارة المصرية القديمة. إنها أرض القرنة، مخزن أسرار مقابر الملوك والملكات والأمراء في الحضارة المصرية القديمة.

فما بين وادي الملوك ووادي الملكات، ومعابد الرامسيوم وهابو وحتشبسوت، عاش المصري القديم وقام بتسجيل تفاصيل حياته اليومية، ومن تلك التسجيلات عرفنا عنه وتعلمنا منه.

واليوم، في منطقة الملقطة جنوب غرب معبد هابو، تتجدد الحكاية بشكل مختلف. فقد تحوّل السور الفاصل بين المنطقة الأثرية والسكنية إلى مساحة فنية مفتوحة، يقودها الفنان المصري وأستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة الدكتور علاء عوض، لتوثيق ملامح الحياة اليومية للمصري المعاصر، في نفس البقعة التي عاش عليها أجداده قبل آلاف السنين.

ويقول الدكتور علاء عوض إن مشروع الجداريات يأتي في إطار تعاون مصري – فرنسي – سويسري، بالشراكة مع وزارة السياحة والآثار ومحافظة الأقصر، وتحت إشراف ماري كريستين الفرنسية التي أحبت الأقصر منذ عدة سنوات، واتخذت مقرًا لحياتها، وهي إلى جانب عملها قنصلًا فرنسيًا في الأقصر تدير مؤسسة سويسرية تقوم بدعم المشروع الذي يمتد العمل به على مدار ثلاث سنوات، ليغطي سورًا بطول يزيد على كيلومتر ونصف الكيلومتر، عبر مجموعة من الجداريات التي تعكس حياة أهالي القرنة وصعيد مصر.

وتتنوع موضوعات الجداريات؛ فهناك لوحات تجسد “سوق الجمال” في مشهد يبدو وكأن القوافل تتحرك نحو الصحراء، بينما توثق لوحات أخرى دور “علماء الآثار المحليين” من أبناء القرنة، ومن بينهم الحاج عبدالرسول، أحد أبرز رموز القرنة، الذي ساهمت عائلته على مدار عقود في إرشاد البعثات الأثرية واكتشاف المقابر الفرعونية، ولولاهم لما تمكن أحد من العثور على أي شيء.

كما تحضر المرأة الصعيدية بقوة في عدد من الجداريات، من خلال تصوير السيدات والفتيات بملابسهن التقليدية وحليّهن المميزة، مثل الكردان والأقراط كبيرة الحجم، في مشاهد تحتفي بالهوية والتراث.

من جانبها، صرحت ماري كريستين بأن المشروع انطلق عام 2025، ومن المقرر الانتهاء منه في عام 2027، ويتم تنفيذه على مراحل لطول السور.

وأضافت أنه تم الحرص على استخدام مواد فنية وألوان تستطيع أن تحافظ على جودتها أكثر من 15 عامًا دون أن تتأثر بحرارة الشمس التي تتميز بها المنطقة، وخاصة في فصل الصيف. وأكدت أن الهدف لا يقتصر على تجميل السور، بل يتجاوز ذلك إلى خلق حالة من التواصل بين الفن المصري القديم والحياة اليومية المعاصرة.

وأضافت أن المشروع شمل أيضًا أعمال تطوير بيئي، من تنظيف القنوات المائية المحيطة، وتحسين المشهد العام، ما جعل المنطقة أكثر جذبًا للسياح والمقيمين الأجانب، فضلًا عن سكانها.

ولم يقتصر الأثر على المشهد البصري فقط، بل امتد إلى المجتمع المحلي، حيث أصبح الأطفال جزءًا من التجربة، يتجمعون يوميًا لتعلم الرسم والمشاركة في تنفيذ الجداريات، حاملين ألوانهم وكراساتهم، في مشهد يعكس امتداد الفن عبر الأجيال.

هكذا، لم يعد السور مجرد حدٍّ فاصل بين منطقتين، بل تحول إلى مساحة حية تروي قصة مكان، وتجمع بين تاريخ عريق وحاضر نابض بالحياة، في لوحة مفتوحة على المستقبل.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية