بين الحب وحاجة التملّك

بين الحب وحاجة التملّك

مشاهدة

14/02/2021

لطالما عبّرنا عن الحب للكثير من الذين هم من حولنا، ونقول كلمة "أحبك"، ونعتقد أننا نعنيها بالفعل، لكنّها في الغالب تعني الكثير من الأمور الأخرى؛ إذ ثمّة أبعاد تتجلى من خلال هذه العاطفة؛ أولها التبعية والاعتمادية، وهذا ما يحدث في جلّ العلاقات، فيعتمد الحبيب على الحبيبة، والزوجة على الزوج، والعكس، ويحاول كلّ واحد منهما تملّك الآخر، والسيطرة عليه، ويحوّل أحدهما الآخر إلى سلعة وصورة ترضي رغبته في الإشباع، فهنا تكون الروح فارغة، تبحث عن امتلاء يتعذر وجوده، وهكذا ينتقل الإنسان من علاقة إلى أخرى.

اقرأ أيضاً: كل عام وأنتم تحرسون وردة الحب والفرح

نجد في كثير من حياتنا شعراء وفنانين ومبدعين وفلاسفة، يقضون حياتهم بلا حبّ أو زواج، وذلك لتقديمهم الشعور بالاستقلالية والحرية، على الدخول في علاقة، وفي الوقت ذاته يعطون الآخرين استقلاليتهم وحرّيتهم، وهنا يعتقد الآخر خطأً أنّ هذا أحد أنواع اللامبالاة وعدم الاكتراث.

أنا أحبّك أم أنا أحتاجك؟

نخلط كثيراً بين مفردتي الحبّ/ الحاجة، ونرادف بصورة لا واعية بينهما؛ فالحبّ الذي نعتقد أنه حاجة، ليس حباً حقيقياً؛ إذ كلّ طرف في العلاقة يحاول السيطرة على الآخر واستغلاله، من أجل تلبية حاجاته، ويدمّر كلّ طرف الآخر في النهاية؛ باستنزافه عقلياً وروحياً ومادياً.

يولّد حبّ الحاجة السيطرة والتملك، القتال المستمرّ بين الحبيب والحبيبة والزوجة والزوج، فهم أعداء بصورة أو بأخرى

إنّ الحبّ، في هذه الحالة، أشبه بحبّ الطفل وتعلّقه بأمّه؛ فهو حبّ حاجة، فالطفل لايمكنه أن يعيش حياة ممتلئة وهانئة بلا أمّه؛ فهو سوف يقع في حبّ كلّ امرأة تقدّم له كلّ ما تقدّمه له أمه، وذلك واضح من خلال الأشخاص الذين فقدوا أمهاتهم في حياة مبكرة، وتربّوا على أيدي خالاتهم مثلاً؛ فتكون الخالة هنا بمثابة الأم؛ فهي تعطيه كلّ ما تعطيه إياه أمه، ربما وأكثر، لاستشعارها بكبر المسؤولية وحجم التعاطف الذي تحمله إليه، وبهذا ثمة الكثير من الأشخاص يقعون في الحبّ بالطريقة الطفولية ذاتها، ويبقون على ذلك مدى الحياة؛ فالحبّ بالنسبة إليهم حاجة مستمرة وبحث دائم عمّن يعاملهم كأمهاتهم، وهذا غير الحبّ النّاضج، وهو "أنا ناضج، أنا أحبك"؛ فالنضج فيه حالة من الوفرة والترف، والشعور بالغنى، الذي يعطي شعوراً بالعطاء؛ إذ يضمّ قلبك الكثير من الأغنيات والأشعار والرقص والرحمة، وهي أشياء تودّ أن نتشاركها مع الآخرين، دون انتظار المقابل.

اقرأ أيضاً: 10 أفلام أشعلت حرائق الحب في قلوب العشاق

وهنا نتذكر تلك العبرة التي تحوم حول مجتمعات التبت، التي ورثوها عن بوذا، وهي عبرة الزهرة التي تزهر في مكان بعيد وسط كمّ هائل من الأشجار الضخمة؛ حيث لا يستطيع أحد أن يلاحظها؛ فهي تزهر، لا لأنّ أحداً سوف يتنسم عبيرها أو يقطفها، أو يلقي لها بالاً؛ فهي تزهر لأنها كذلك، ولا تنتظر ردة فعل من الآخر، فحين تحبّ بهذه الطريقة الاستقلالية تجد الشخص المناسب، الذي يشبهك تماماً في هذه الاستقلالية، فيحدث الانسجام والتوافق في آن واحد مع الفرادة والاستقلالية، وحينها يفيض حولك الحبّ، وتصبّ الأنهار الماء الرغد عليك.

حلّ مشكلة الحبّ في المجتمعات يبدأ من الذات لا الآخر الذي نعلق عليه دوماً سبب تعاستنا ومعاناتنا

يولّد حبّ الحاجة السيطرة والتملك، القتال المستمرّ بين الحبيب والحبيبة والزوجة والزوج، فهم أعداء بصورة أو بأخرى، بطريقة لا واعية، وتتعاظم حينها المعاناة، ليتحوّل الحبّ من نسيم بارد يطفئ النار المضرمة في العالم، إلى حطب لها يزيدها استعاراً.

إنّ حلّ مشكلة الحبّ في المجتمعات يبدأ من الذات، لا الآخر، الذي نعلق عليه دوماً سبب تعاستنا ومعاناتنا؛ فحين نبدأ بالاستقلال والامتلاء الذاتي والاكتفاء الوجداني، وبدلاً من الوقوع في الحبّ بعد ذلك، يمكننا القيام به والارتفاع من خلاله، فغير الناضجين والمستقلين لا يمكنهم القيام؛ لذلك يقعون في الحبّ، بحثاً عن أقدام يقومون عليها، ولأنّ غير المستقل يرمي مشكلاته دوماً على الآخر؛ فهو يبحث عن مبرّر لإخفاقاته في الحياة، وعدم قيامه بنفسه، فالحلّ يتمثل، أولاً، في النضج، وفي أن نحبّ بصورة الواعي الناضج، لا الطفل الصغير.

اقرأ أيضاً: أحلام غزة: عندما يصبح الحب والأمان والأمل حلماً

إنّ الشخص الناضج يقف منفرداً، ليعطي بسخاء دون انتظار المقابل، وحين يعطي الحبّ يشعر بالامتنان؛ لأنّك قبلت حبّه، وحين يجمع الحبّ بين ناضجين، يزهر وينمو؛ إذ يكونان معاً، ومنفردين في وقت واحد، يعطي كلّ واحد منهما الحبّ، ويساعد كلّ منهما الآخر، ليغدو أكثر تحرراً واستقلالية، يجتمعان كوردتين أزهرتا، وتتبادلان الرحيق، دون كلل أو ملل أو عناء، فهذا هو الحبّ الذي يجب أن نسير في الطريق إليه معاً، وهذا ما اكتشفناه معاً، من خلال المعاناة التي عانيناها بلا وعي وبلا نضج؛ فهذا هو الحبّ يا حبيبي، وهذه هي الإجابة التي تلعثمت كثيراً وأنت تسألني عنها، لنمضي إلى النيرفانا معاً..

الصفحة الرئيسية