"بنات حواء الثلاث" لأليف شافاق: صراع البحث عن الرّب والحب في عيون الآخرين

"بنات حواء الثلاث" لأليف شافاق: صراع البحث عن الرّب والحب في عيون الآخرين

مشاهدة

12/02/2018

ثمة نوعان من المدن، نوع يطمئن السكان فيه إلى أنّ الغد وبعد الغد أيام لن تكون مغايرة، وثمة نوع آخر يفعل ما هو خلاف ذلك مذكراً السكان بعدم استقرار الحياة.

تخبرنا أليف شافاق في روايتها "بنات حواء الثلاث" الصادرة عن دار الآداب بيروت عام 2017، وترجمة محمد درويش، أن اسطنبول هي من النوع الثاني؛ إذ لا مجال أمام الاستبطان أو التعمق في التفكير، وليس ثمة وقت لانتظار الساعات حتى تلاحق وقع الأحداث.

اسطنبول هي المدينة التي استنزفت روح بيري، ومن بعدها اوكسفورد، هي المدينة التي لم تجد فيها بيري طريقاً وسطاً في الحياة التي كانت تعيشها بين أب متحرر علماني وأم مسلمة متدينة، هي المدينة التي جعلت بيري ترى نفسها دائماً في منطقة وسطى تخشى جذب الأنظار الى نفسها ولا ترغب في الانحياز إلى أي جانب مركزة في عدم إزعاج أحد؛ حيث يبقى كل فرد خائب الأمل في نهاية المطاف.

بيري، الفتاة التركية المضطربة على الدوام، الحائرة، الصامتة التي لا تعرف الرب إلا في أعين من حولها وكلما سمعت آراء هؤلاء التي دوماً ما تكون متطرفة ومتناقضة بشكل صارخ مع بعضها البعض يزداد تشتتها وعزلتها، تسعى لأن تعرفه وتفهمه من خلالها وليس من خلال الآخرين. فتاة مشتتة في صراع بين هذا وذاك، تتبع هذا وتتبع ذاك.

أليف شافاق

شيرين ومنى، الفتاتان المتناقضتان صديقتا بيري، شيرين الفتاة الإيرانية الملحدة، فتاةٌ بلا وطن، تكره التشدد ومظاهر التدين، وتمقت التمييز على أساس الدين، لا تعيش حياة هامشية، حطمت كل شيء حولها حتى توصلت لمعرفة نفسها، هي الفتاة التي تطرح الأسئلة ولا تخشى متابعة الأجوبة، تقول لبيري: إما أن تجلسي في مقعد السائق وتضغطي على دواسة البنزين فيجن جنون الاكتئاب، وإما أن تتركي له القيادة فيثير هلعك بدلاً من ذلك.

أما منى الفتاة المصرية الملتزمة والمحجبة فكانت تتعرض للابتزاز والمضايقات بسبب حجابها، وهي المؤمنة بأن الرب هو المسؤول عن كل شيء بحياتنا، معتزة بأنها فتاة مسلمة، ولكنها محبطة من هول التعصب الذي تضطر إلى مواجهته يومياً، ودائماً عليها أن تثبت أنها ليست انتحارية.

تقدم لنا شافاق ثلاث شخصيات اختارتها وصورتها لنا في روايتها، أظهرت جميع الأفكار ومن مختلف الاتجاهات بمزيد من الوضوح في تعارضها وإظهار الفروق بينها وتقليب الرأي في شتى وجوهه، فلا تضع القارئ أمام حلول حاسمة أو قناعات قاطعة، لذلك عملت على مناقشة الأفكار دون أن تأتي بأي نتيجة مثل وجود الرب ووجود الشر، تطرح مشكلة العلاقات بين هؤلاء الفتيات بعضهن ببعض ومشكلة العلاقة بينهن وبين الرب.

توضح الفرق بين الدين والإيمان في تركيا، وكيف طغت الإسلام فوبيا في تركيا بهذه الفترة، كما تبين لنا الارتباط بين سياسة الدين والمجتمعات بكافة أشكالها.

اسطنبول هي المدينة التي استنزفت روح بيري والتي لم تجد فيها بيري طريقاً وسطاً في الحياة 

نبدأ بالرواية عام 2016، في اسطنبول وصورتها في الزمن الحاضر، وتأثرها بالصراعات الداخلية والخارجية، "اسطنبول التي توسعت على نحو لا سبيل الى السيطرة عليه، وظلت تتمدد وتتوسع مثل سمكة ذهبية منتفخة، غير مدركة أنها التهمت ما هو أكبر من طاقتها على الهضم، ولا تزال تبحث من حولها عن المزيد لتأكله، فيها الشيء الكثير من الوقت والجنون والوحوش، ساعة أكثر، ساعة أقل وحش أكثر، مجنون أقل. لا فرق في ذلك بعد أن يتجاوز العدد نقطة معينة، اسطنبول مدينة تفيض بالخداع وتحتشد به"، هذا ما وصفت به الكاتبة مدينة اسطنبول في الرواية.

لم تكن بيري تسمع شيئاً مما يدور حولها، على مائدة العشاء أثناء حضورها سهرة خاصة مع زوجها وسط مجتمع مخملي وطبقة أرستقراطية من "الأثرياء اللصوص" مثل ما وصفتهم، ونقاشهم عن الصراعات في الشرق الأوسط والظروف التي جعلت من اسطنبول هذه المدينة المظلمة، كانت تبدو في خلوة كاملة تسترجع الماضي من خلال صورة احتفظت بها، تمكنت ابنتها من رؤيتها بسبب حادث تعرضت له أثناء قدومها إلى السهرة، لا تفهم شيئاً مما يجري حولها أو لماذا هي في هذا المكان، محتفظة بمشاعر تجمعت في نفسها طوال حياتها على نحو لا تدركه ولا تشعر به، فهي لا تدري لماذا تفعل هذا، ولعل هذه المشاعر تراكمت في نفسها خلال سنوات طويلة.

اسطنبول مدينة تفيض بالخداع وتحتشد به.. هذا ما وصفت به الكاتبة مدينة اسطنبول في الرواية

لتأخذنا بعد ذلك إلى اوكسفورد في أواخر القرن العشرين، الفترة التي زاد فيها شعور بيري بالاضطراب والتشتت بالبحث عن الرب والحب والشر والعدالة تقول: العدالة! يا لها من كلمة وهمية من مبتكرات الخيال، العدالة على أي أساس أو في حكم من؟ إنّ أشد المتعصبين على طوال التاريخ ارتكبوا أشد المظالم فظاعة باسم العدالة، فالعدالة تخلو من الروح الإنسانية.

في اوكسفورد تعرفت بيري على شيرين ومنى، وعلى أستاذها أزور. اوكسفورد التي بحثت فيها عن لغة وحياة جديدة، ولكن لم تجد سوى إحساس مضاعف بالخواء وفوضى ضاربة أطنابها داخل عقلها وخارجه.

آزور الأستاذ الجامعي ذات الكاريزما الساحرة، كان يعتبر منهاجه من أكثر المناهج تعقيداً، بما يخص ماهية الرب والتعرف إليه بعيداً عن منطق الأديان.

آزور الذي جعل من طلابه حقل تجارب، كان يحاول أن يصل إلى مرحلة من التسامح وتقبل الآخر واحتواء الصراعات الناتجة عن الاختلاف عن طريق التعايش والحوار؛ أي أن تتقبل مظاهرك المتعددة وأن لا تضطر إلى أن تقمع أي مظهر من مظاهرك ولا أن تسيطر عليه وتخفيه، هذا ما عرفته بيري بعد أن انتقلت للعيش مع شيرين ومنى، وبإصرار من شيرين التي كانت تسعى إلى إبراز دورها الكبير وإلى انتهاز جميع المناسبات التي يتاح لها فيها أن يلمع نجمها.

بيري تشبه أي شخص منا مصاب بحالة التشتت والضياع بين الثنائيات الجامدة في الحياة التي نعيشها

يدخل آزور حياة بيري. هي التي وجدت فيه الطريق الوحيد الذي ستتمكن فيه من حل الصراعات القائمة في نفسها، وتدخل في حالة عشق له تصل بها إلى محاولة انتحار بعد أن تعرف بحبه لشيرين، إن الشعور الخفي الذي سيطر على بيري في ظرفها هذا، هو رد الاعتبار لنفسها والمضيّ حتى النهاية، هناك نوع من الكره الأهوج الطائش الذي لا يفصله عن الحب الجامح المجنون إلا شعرة هذا ما كانت تشعر به بيري.

بيري تشبه أي شخص منا مصاب بحالة التشتت والضياع بين الثنائيات الجامدة في الحياة التي نعيشها. أن نكون مشتتين هذا يعني أننا نراوح بين ثنائيات تحمل تناقضاتها وتحملنا إياها، ما لم نتخطَّ هذه الثنائيات لن نعثر على الطريق الثالث الذي يتعين في لحظة تصالح الذات مع العالم. ودائماً سنحيا كغرباء عنه وعنّا.

في النهاية لا تجد بيري سوى العزلة، عزلتها عن نفسها وعن العالم الخارجي التي تجعلها تحاول الانتحار

في النهاية لا تجد بيري سوى العزلة، عزلتها عن نفسها وعن العالم الخارجي التي تجعلها تحاول الانتحار وتعود إلى اسطنبول دون إتمام دراستها، لتعيش حياة عادية.. وهي ساكنة جامدة، مدفوعة بالمشاغل وبأحلام اليقظة. ليس فيها شيء ملتزماً بشيء، وليست متعلقة بفكرة ولا بعاطفة في هذا المكان الضيق القاسي، كانت تشعر باضطراب عميق، وأفكار تتلاحق وتتبعثر بغير تسلسل، كانت تشعر بقلقٍ يحاصرها ويستبد بها، فقد تركت خلفها في اوكسفورد مسألة أساسية كانت تسيطر على فكرها تاركة كل الهموم الأخرى: كيف ستحدث أستاذها أزور، كيف تعتذر منه بعد مرور سنوات على هروبها من اوكسفورد، وهو الشخص الذي خلقته لنفسها واحتاجت إليه لتفهم ماضيها المتشظي.

السرد الشيق والبساطة في اللغة ما تتسم به الرواية، وما يجعلها أكثر جاذبية أنك تتوق لأن تصل إلى أي جواب من الأسئلة الكثيرة التي كانت تطرحها الكاتبة على امتداد ستمائة صفحة، لتصل إلى النهاية التي لم تكن بالمستوى المنتظر، تجعلك تشعر أنها تشبه نهاية فلم آكشن، بالسرعة والنهاية غير المتوقعة.

الصفحة الرئيسية