بقايا الغموض: كيف دمّرت السرية الثقة بالإخوان المسلمين؟

الإخوان المسلمون

بقايا الغموض: كيف دمّرت السرية الثقة بالإخوان المسلمين؟

مشاهدة

18/01/2020

كثيراً ما وثّق التاريخ جماعات وحركات تؤمن أنّها وحدها تمثّل الحق، وأنّ تحقيقه لا يتم إلا بعد صراع حتمي، وأنّ التمهيد لهذه المعركة لا بد أن يُحاط بالسرية، ولعل الإخوان المسلمين تعد واحدة من أشهر الجماعات التي أحاطها الكثير من هذه السرية "المتعمّدة"، مما ألحق الضرر بها وعزّز العنف لديها، بل وكانت سبباً لعدم تطور الجماعة أو تغيرها وثقة الآخرين بها، فما هو تاريخ السرية لدى الجماعة؟ وكيف انغلقت على ذاتها من الداخل؟

السرية مجرد مصلحة
إنّ نشأة السرية في صلب جماعة الإخوان المسلمين منذ عهد مؤسسها ومرشدها الأول، حسن البنا، تتسم بنوع من التناقض، أو تستند إلى روايتين لا تتفق إحداهما مع الأخرى، ففي ذلك الوقت، كانت بنية الأحزاب المصرية عموماً، تتسم بنوع من السرية، وذلك في صراعها السياسي مع بعضها البعض للوصول إلى السلطة. وهو ما جعل البنا يتخذ السرية جزءاً من عمل التنظيم والجماعة آنذاك، بوصف الجماعة حزباً يسعى إلى السلطة، بل إنّ أهدافه العامة المعلنة في حينه، تحتاج مركزاً في السلطة حتى تتحقق.

نشأت السرية في صلب جماعة الإخوان منذ عهد مؤسِّسها ومرشدها الأول حسن البنا

وهذه الرواية الأولى، ليست أساسية، أو معلنة، بل تنوب عنها الرواية الثانية التي يتبناها الإخوان في التأريخ لجماعتهم، وهي "مقاومة الاحتلال الإنجليزي في أرض مصر وفي فلسطين، ومقاومة العصابات الصهيونية في فلسطين،  وهو عملٌ يحتاج حتى ينجح إلى السرية"، وفق كتاب "التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين" لمؤلفه علي عشماوي.
لكن الرواية الأخيرة، إن صحت بعض تفاصيلها، فإنّها بالكاد استمرت حتى العام 1948 أو بعده بقليل؛ حيث سيطر الاحتلال على فلسطين. وانحسر نشاط الجماعة في مصر. مما يعني أنّ السرية اقتصرت على عمل الجماعة من أجل تحقيق أهدافٍ داخلية على صعيد السلطة بالتحديد، ويبدو أنّ تلك السرية لم تعجب واحداً من أهم الشخصيات التي انضمت، إلى الإخوان المسلمين فيما بعد، وهو سيد قطب، الذي انتقدها في نهاية الثلاثينيات، وبداية الأربعينيات بقوله "إنّ زعيمها حسن البنا مغلّف بالسرية ويشبه زعيم حركة الحشاشين حسن الصباح، التي تعد من أكثر الحركات السرية تطرفاً في التاريخ. وهي تتطلب طاعةً عمياء لقائدها، وهو ما ينسحب على الإخوان أيضاً" بحسب تقريرٍ نشره موقع "المرجع" للدراسات حول الإسلام الحركي في 2018.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت البرجوازية الصغيرة حاضنة لجماعة الإخوان؟
وإذا كانت السرية، أحد تكتيكات الجماعة منذ بداياتها تقريباً، فكيف صارت جزءاً من تركيبتها؟ ولماذا؟
هذا السؤال، يجيب عليه الكاتب والباحث المصري، والعضو السابق في جماعة الإخوان طارق أبو السعد بقوله "لقد ظهرت السرية في مفاصل التنظيم منذ عهد حسن البنا نفسه، ربما لأسبابٍ عديدة، كإمكانية حفاظ البنا على سلطته في التنظيم، وحمايته هو وقادة الجماعة من حوله في حال اتخذوا قراراتٍ معينة".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في تركيا: جدوى الرهان وأمده
وتابع  أبو السعد، في تصريحه لـ"حفريات"، موضحاً "إنّ هذه السرية تثبت نجاعتها في جعل الولاء محصوراً بشخصية قائد المجموعة، أو المرشد، أو أمير جماعة من مجموعات الإخوان، فهي تُعوّد الفرد على الطاعة العمياء من جهة، وتبقيه جاهلاً بمن هم قادته، وما هي أهدافهم الحقيقية وأعمالهم الأساسية التي يمكن للأفراد تنفيذها، دون أن يعلموا عواقبها في بعض الأحيان، وبالتالي، أصبحت السرية أساساً من أسس التربية الإخوانية"، مما يعني أنّها شكلت مصلحةً لقادة التنظيم، ولم تكن مصلحة للتنظيم ككل، بل عزلت العديد من الأفراد من مراتب مختلفة عن بعضهم، وعزلتهم عن المجتمع أيضاً.

قادة معروفون للجماعة لكن أهدافهم ومصالحهم غير معلنة وكأنها خطيرة

عداوة وعزلة
خلقت السرية في صفوف جماعة الإخوان تاريخاً من الوقائع والخرافات على حد سواء، بشأن الجماعة وتفاصيل علاقاتها الخارجية، ومدى سطوتها وطموحاتها في مصر ودولٍ عربيةٍ أخرى، وحول العالم أيضاً، وقد شهدت أعوام الربيع العربي، خصوصاً بعد سقوط نظام محمد مرسي التابع للجماعة، الكشف عن ملفاتٍ ما تزال تخرج إلى اليوم على العلن، وكلها تتحدث عن أشياء سرية كان الإخوان يخفونها، كعلاقاتهم مع إيران، وأخرى مع تركيا، وبعضها قديم، شمل حتى علاقاتٍ لهم مع دول عربية، وأخرى غربية كبريطانيا.

سيد قطب قبل انضمامه للجماعة كان من أشد المنتقدين للسرية التي تتبناها وشبّهها بنهج الحشاشين

وكان آخر تلك الوثائق، جزء من أرشيف الاستخبارات الإيرانية السرية، حصل عليها موقع "The Intercept" الذي تشارك في نشرها مع صحيفة "نيويورك تايمز" في وقت واحد الشهر الماضي، وتتحدث عن "اجتماعٍ بين فيلق القدس الإيراني والإخوان في 2014 تم في تركيا، تخلل محاولاتٍ للنقاش حول دور إيران في سوريا والعراق" بحسب المصدر ذاته، وذلك ربما من أجل دورٍ يريد الإخوان لعبه في الدولتين، كنوعٍ من المصلحة، بعد إزاحتهم من الحكم في مصر.
ويعلق أبو السعد على مسألة السلطة والسطوة من خلال السرية لدى الإخوان بقوله "انطلاقاً من مسألة عزل الأفراد عن بعضهم البعض داخل التنظيم، فإنّ عملية توخّي السرية المفرطة هذه، تربي الفساد داخل أفراد الجماعة أياً كانت مناصبهم داخلها، فهم بطبيعة الحال، سوف يصبحون شكّاكين، ويشعرون بالريبة ممن حولهم، وربما يشكون في كل فردٍ أو جماعةٍ يختلفون عنهم في الأفكار داخل المجتمع، مما يولّد لديهم نوعاً من الحذر، ومن ثم الرفض، واعتبار الآخر غير صادق، أو أمين، وبالتالي التصلب والتشدد".

يلتزم أعضاء الجماعة بالسرية حتى يتم ضمان طاعتهم العمياء

وبسؤاله عن علاقة هذه بأوراق الجماعة السرية، وعلاقاتها في الخارج، أجاب الباحث في شؤون الجماعة: "إن ذلك ينسحب على علاقات الجماعة بتنظيماتٍ أخرى، وذبولٍ أخرى؛ فالسرية سوف تجعلها تعتاد الكذب، حتى لا تظهر نواياها وأهدافها الحقيقية، كما أنّها ستخلق لها تحالفات خاطئة أو فاشلة في معظم الأحيان؛ لأنّ الجماعة ترتاب في هؤلاء الحلفاء دائماً، وعادةً ما تشعر بالقلق، لعدم تحقق طموحاتها من خلالهم بصورة سريعة أو واضحة"، مما يجعلها تفشل في الاندماج الحقيقي داخل البيئتين؛ السياسية والاجتماعية من حولها، ويرى أبو السعد، أنّ "هذه السرية، طالما أسست للفساد، والعنف أحياناً، في صفوف الجماعة، وأنّه لا أصل دينياً أو دعوياً لهذه السرية، كما يدعي الإخوان في أدبياتهم".

أبو السعد: السرية ضرورة تنظيمية لدى جماعة الإخوان تخفي أهدافها الحقيقية وعلاقاتها الخارجية

من جهته، يرى الباحث وأستاذ العلوم السياسية اليمني محمد العذري، أنّ جماعة الإخوان "جماعة أيديولوجية، لا تندمج مع المفاهيم المدنية داخل المجتمع، وتحتاج إلى السرية، وإلى السيطرة على أفرادها، وجعلهم مختلفين عن الناس، بأن يتميزوا باتباعهم للمرشد، الذي يلعب دوراً سياسياً أكثر من كونه دينياً، وغالباً ما كان هنالك مرشد وهمي معلن عنه، وآخر غير معلن وسري، من أجل تحقيق اهداف الجماعة، والإبقاء على سرية وغموض علاقاتها، بكل تقلباتها ومصالحها". مما يثير الشبهات حول هذه السرية.

اقرأ أيضاً: الإخوان وإيران.. تحت عباءة الخميني
ويؤكد العذري، في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "السرية ضرورية في الجماعة من أجل حماية مصالح وأهداف قادتها ومرشديها"، وهو ما يتفق معه أبو السعد، مضيفاً أنّ السرية ضرورة تنظيمية طبعت الجماعة بكل مفاصلها، "مما جعلها تصبح عمليةً تلقائية يستفيد منها كل من هو في الجماعة، أو على علاقةٍ معها في الخارج. وفي جميع الأحوال، يكاد زمن السرية في الجماعة، التي أعيد تشكيلها عدة مراتٍ منذ سبعينيات القرن الماضي تحت إطار هذه السرية ينتهي، بعد فضائح عديدة كشفت سوء تقدير الجماعات لعلاقاتها الخارجية، ولأهدافها غير المعلنة، التي تتناقض وأهدافها المعلنة. مما أودى بالكثير من مصداقيتها، وصدقية طموحاتها السياسية والاجتماعية، خاصةً بعد العام 2012".

الصفحة الرئيسية