بعد مرارة الإهمال والنسيان في رحلة المرض.. وفاة المفكر العراقي رسول محمد رسول

بعد مرارة الإهمال والنسيان في رحلة المرض.. وفاة المفكر العراقي رسول محمد رسول


04/07/2022

غيّب الموت أمس المُفكر والكاتب العراقي رسول محمد رسول عن عمر يناهز الـ 63 عاماً، بعد معاناة مع المرض، ليأتي رحيله بهدوءٍ وصمت استكمالاً لحالة من الإهمال والنسيان خلال رحلته مع المرض.

ووسط غياب شبه تام لنبأ وفاته عن المواقع والمدونات، نعاه عدد من العراقيين والكتاب العرب الذين عبروا عن غضبهم من إهمال الكاتب والفيلسوف الذي أثرى المكتبة العربية بعشرات الكتب في الفلسفة الألمانية ونقدها. ونعى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، صديقه رسول في منشور على موقع "فيسبوك" جاء فيه "تغمد الله صديقي المرحوم الدكتور رسول محمد رسول برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته. ولد رسول محمد رسول سنة 1959 وتوفي هذا اليوم".

ووفق منشور الرفاعي، ‏عاش رسول "سنوات طويلة خارج وطنه العراق. اضطر للعودة إلى بغداد في السنوات الأخيرة، تعرض إلى سكتة دماغية قبل ‏أكثر من سنة، زرته بعد السكتة في بيته بمنطقة الگريعات ببغداد. كان بحالة مأساوية، يشكو بمرارة من إهمال الكل ونسيانهم له".

...

كما نعاه الشاعر والكاتب هادي الحسيني في منشور على "فيسبوك" جاء فيه: "رحل عن عالمنا الصديق الكاتب والفيلسوف د. رسول محمد رسول بعد رحلة مريرة مع المرض الذي داهمه على فجأة قبل عام أو أكثر بعد أن كان أكثرنا نشاطاً في موقع الفيس بوك والصحف والمجلات العربية بدراساته النقدية الرصينة وكتاباته الممتعة في الشأن الفلسفي".

وأضاف: "د. رسول الذي عرفته في بغداد منذ سنوات طويلة بطيبته وروحه المعطرة بالمحبة، وبعد سنوات التقيته في عام 1995 في مقهى العاصمة داخل العاصمة عمّان ومنها غادرنا إلى الإمارات .. كان خبر رحيله يوم أمس صدمة مني بها الوسط الثقافي العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام".

وختم بالقول: "الرحمة لك صديقي وخسارتك كبيرة".

...

بدوره، نعى الراحل وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور حسن ناظم؛ حيث قال في بيان له: "أُعزّي المجتمع الأكاديمي بوفاة الصديق الباحث الدكتور رسول محمد رسول".

من هو رسول محمد رسول؟

ولد الكاتب والفيلسوف العراقي رسول محمد في مدينة الكوفة عام 1959، وفي عام 1964 انتقل للعيش في بغداد، وفيها بدأ حياته الدراسية طالباً في مدارسها، وهناك بدأ نشاطه الثقافي في الشعر والفن والمسرح والسينما، وكان في أثناء دراسته الأولية يشارك في فعاليات وأنشطة ثقافية في الفن المسرحي والشعري والثقافي.

ثم التحق في كلية الآداب جامعة بغداد مطلع ثمانينيات القرن العشرين لدراسة الفلسفة حتى تخرج منها عام 1987 كأحد الطلبة المتفوقين، ثم التحق بالدراسات العليا عام 1992 ليحصل على شهادة الماجستير في الفلسفة الألمانية الحديثة، ومن ثم يحصل على شهادة الدكتوراه في التخصص نفسه من كلية الآداب جامعة بغداد عام 1997.

 حول بداياته يقول رسول خلال مقابلة أجراها سلام جليل لصالح مجلة "الصباح الجديد": كانت بدايتي مع أبي، ثم مع مدينتي الكوفة، وبالتالي مع مدرستي، أما الفاعل الأكبر فهو جهدي الذاتي والشخصي

ثم عمل أستاذاً في عدد من الجامعات العربية وباحثاً في عدد من مراكز البحث العلمي العربية، وشغل منصب عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقي، وكذلك عضو جمعية العراق الفلسفية. وفي العام 1997 شارك في تأسيس "بيت الحكمة" العراقي عام 1997.

بعدها رحل إلى ليبيا ليعمل أستاذاً في عدد من الجامعات الليبية 1997 – 1999. كما عمل باحثاً في "منتدى الفكر العربي" عمّان – الأردن عام 1999.

ولد الكاتب والفيلسوف العراقي رسول محمد في مدينة الكوفة عام 1959

ويعمل مستشاراً في "مؤسسة بحر الثقافة" – أبوظبي منذ عام 2011. وعمل مستشاراً في "جائزة الشيخ زايد للكتاب" 2012 – 2013.

وكان الراحل يشغل منصب عضو الهيئة الاستشارية لمجلة "الكوفة" العالمية منذ تأسيسها عام 2013.

وكان عضواً في الفريق الاستشاري لـ "قسم الدراسات الفلسفية" في (بيت الحكمة) بغداد 2015، وحاز في عام 2015 لقب "سفير الفكر العراقي المعاصر".

 ومنذ 30 عاماً يكتب في صحف عربية وعراقية عدة، ويكتب أيضاً في أكثر من 30 مجلة، عربية أسبوعية وشهرية وفصلية، محكَّمة وغير محكمة.

وحول بداياته يقول رسول خلال مقابلة أجراها سلام جليل لصالح مجلة "الصباح الجديد"، "كانت بدايتي مع أبي، ثم مع مدينتي الكوفة، وبالتالي مع مدرستي، أما الفاعل الأكبر فهو جهدي الذاتي والشخصي؛ فلقد ولدت مفطوراً على حب العلم والعلماء والفقهاء، ثم الفنانين والأدباء والفلاسفة، عشتُ مع هؤلاء طيلة أربعة عقود ونصف من عمري ولم أزل إن لم يكن أكثر قليلاً ولا ندم فالعطاء مسؤولية إنسانية وتاريخية فما خُلقنا لنكون معطلين ساكنين إنما مثابرين مُنتجين في دروب العطاء".

رسول والتنوير العربي

أثرى رسول المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات النقدية التنويرية، وفي إجابته حول الكيفية التي ينظر فيها للأصول المفترضة للتنوير عند العرب، يقول "تبقى الأصول هي هي؛ الإنسان، والعقل، والتقدم، لكن العرب تلاعبوا بها بسبب الضغوط الاستعمالية وجحيم الفكر النيوليبرالي القاتل للشعوب، وما يجري في العراق كرّسه ساسة عراقيون هم أقرب إلى الصهيونية وبنات النيوليبرالية من غيرها".

كتابه "الإسلام السياسي في العراق الملكي" الصادر عام 2008


ويضيف: "الفلاسفة العرب في عصرنا هم أنفسهم أحدثوا أزمة التنوير في مجتمعاتنا كون هذه المجتمعات لا تتعاطى مع القفزات الكبيرة و التغيرات الجذرية".
ويرى المفكر أنّ الجمود سمة للعقل العربي، والفلاسفة عشّاق العقل والتقدم ولا شأن لهم بتكريس الخراب، "أقول بصراحة إنّ السياسة الاستعمارية هي المسؤولة عن تدمير التفكير التنويري في المجتمع العربي وكذلك أذيال الاستعمار من الحركات السفلية والحركات التدميرية سواء كانت إسلامية أم غيرها. ليس هناك تنوير؛ بل هناك تنويرات منها اجتماعي و سياسي… ألخ".
ويشير إلى أنه "بالفعل، توجد صور تنويرية ولكن مصيرها الخراب والهزيمة تحت رحمة الساطور الاستعماري وسواطير الفاسدين العرب أذيال الصهيونية التي تحكمنا اليوم في عالمنا العربي؛ بل العراقي، وكم نحتاج إلى فهرسة أسماء الصهاينة في العراق المعاصر من الذين حكمونا منذ 2003 وحتى الآن".

في مجال الرواية صدر للكاتب رواية "يحدث في بغداد"، عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014، و"أثنى غجرية" عن "دار مِداد" بدبي عام 2018، و"بنات الزعفران" وهي غير منشورة

ويصف نفسه بأنه من مدرسة العقلانية النقدية التنويرية في العراق، ومن المؤمنين بالعقل إذا ما تعاملنا مع العقل بحرية وجرأة، والعقل لديه قدرات هائلة حتى إنّ الإسلام حثنا على تأملها والعمل بها، والخلفاء الراشدون بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) حثونا عليها والعمل بها، لذلك لا بد أن نؤمن بالعقل لا أن نغيبه ونركنه جانباً ونطلب من أنفسنا التقدم والرفاه".

مؤلفاته

صدر عن رسول العشرات من المؤلفات منها؛ "العقلنة: السبيل المرجأ" عن مكتبة الديار في بغداد عام 1993، و"الغرب والإسلام: استدراج التعالي الغربي" عن دار أسامة للنشر في عمّان عام 2000، و"فلسفة العلامة: من جون سانت إلى جيل دولوز" عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 2015، و"التفلسُف النَّقدي: إيمانويل كانط والمعرفة البديلة" عن منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف عام 2016، و"الحضور والتمركز: قراءة في العقل الميتافيزيائي الحديث" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2000، و"نقد العقل التعارفي: جدل التواصل في عالم متغير" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2004، و"العلامة .. الجسد.. الاختلاف: تأمُّلات في فلسفة مارتن هيدغر" عن دار عدنان للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد عام 2015".

وفي مباحث الإسلام السياسي، أصدر "الإسلام السياسي في العراق الملكي" عن دار النايا للدراسات والنشر عام 2008، و"الإسلام السياسي في العراق العثماني" صدرت الطبعة الثانية عن دار النايا للدراسات والنشر عام 2008، وصدرت الطبعة الأولى منه بعنوان: "فُقهاء وأمة: جذور العمل الإسلامي في العراق".

كتابه "التفلسُف النَّقدي: إيمانويل كانط والمعرفة البديلة" عن منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف عام 2016

وله أيضاً، "نقد العقل التدميري" الصادر عن المركز الثقافي العربي السويسري في بغداد عام 2009، و"صورة الآخر في الرواية الإماراتية" عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في أبو ظبي عام 2009، و"تمثيلات المرأة في الرواية الإماراتية" عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في أبو ظبي عام 2009، والجسد في الرواية الإماراتية" عن هيئة أبوظبي للثقافة والتراث عام 2010، وصدر بعنوان آخر هو: "الجسد المتخيَّل في السَّرد الروائي" عام 2014، و"العلامة والتواصل: في سيميائيات السّرد القصصي الإماراتي" صدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 2011، و"الأنوثة السّاردة: قراءات سيميائية في الرواية الخليجية" صدر عن دار التنوير في بيروت عام 2013، و"شعريّة المؤدّى السردي: قراءات سيميائية في الرواية الإماراتية والخليجية والعربية" صدر عن ندوة الثقافة والعلوم في دبي عام 2014.

في مجال الرواية

وفي مجال الرواية، صدر للراحل رواية "يحدث في بغداد"، عن الدار المصرية اللبنانية عام 2014، و"أنثى غجرية" عن دار مِداد بدبي عام 2018، و"بنات الزعفران" وهي غير منشورة.

وحول توفيقه بين كونه روائياً وفيلسوفاً، قال رسول في المقابلة نفسها، إنّ ما يمكنه على الجمع بين كونه فيلسوفاً أو روائياً هو المشترك الإنساني بينهما؛ فالإنسان هو موضوع الفلسفة مثلما هو موضوع الأدب الروائي. ويقول: "نعم قد يكون المنطق والجمال والحقيقة والمعرفة والميتافيزيقا هي موضوعات الفلسفة لكن كلّها تجتمع عند الإنسان، وسواء كانت الرواية واقعية أو واقعية سحرية أو رومانسية أو عجائبية فلا شك كل هذه التصنيفات تجتمع عند الإنسان".

رواايته "أنثى غجرية" عن دار مِداد بدبي عام 2018

ويرى أنّ صنعة الرواية وصنعة الفلسفة تجتمع عند الفلاسفة الأدباء إذ "كان الفيلسوف جان بول سارتر فيلسوفاً وجودياً لكنّه كتب الرواية، وكان أندريه جيد فيلسوفاً لكننا نحسبه روائياً وغيرهما كان جمعَ بين الفن الروائي وعلوم أخرى"، مؤكداً أن رواياته لا تخلو من معطيات فلسفية.

جوائز وتكريمات

حاز رسول طوال حياته الكثير من الجوائز والشهادات التقديرية، منها شهادة شكر وتقدير، من منطقة أبوظبي التعليمية، وشهادة شكر وتقدير، شبكة أبوظبي الإذاعية، للمشاركة في إذاعة صوت مجلس التعاون الخليجي المصاحبة للقمة الخليجية في أبوظبي عام 2010، شهادة تقديرية، مركز سلطان بن زايد، أبوظبي، المشاركة في الموسم الثقافي لعام 2011، شهادة شكر وتقدير، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، المساهمة في إغناء المكتبة العربية بصدور كتابي (العلامة والتواصل- 2011)، الشارقة، 2011، وشهادة تقديرية، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، أبوظبي، المشاركة في (ملتقى الإمارات للإبداع الخليجي 2011)، الشارقة 2011، وغيرها الكثير.

مواضيع ذات صلة:

في ذكرى رحيله.. إسماعيل شموط: مسيرة فنان روى مأساة فلسطين بريشته

أبو القاسم حاج حمد.. مُداوي عِلل الفِكر الإسلاموي ومُعالج أعطابه

رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية