بعد قمة بغداد: هل يعود العراق لاعباً دولياً في المنطقة؟

بعد قمة بغداد: هل يعود العراق لاعباً دولياً في المنطقة؟

مشاهدة

29/08/2021

أكد العديد من الباحثين والمحللين السياسيين على الدور الإيجابي الذي لعبتهُ الدول المشاركة في قمة بغداد للتعاون والشراكة، وبخاصة فرنسا، ونجاحها في استقطاب قادة وزعماء دول متناكفة فعلياً تجاه الواقع العراقي القائم منذ نيسان (أبريل) 2003.

ويقول الدكتور باسم خريسان، وهو باحث في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بجامعة بغداد: "عند الحديث عن قمة بغداد، توجد حقيقة لابد من تأكيدها بأنّ عقد القمة لا يمثل مسعىً عراقياً صرفاً بقدرِ ما يعكسُ حاجة اقليمية ودولية لعقدِ القمة، لإعادة رسم المشهد السياسي الاقليمي والدولي، بالشكل الذي يسهم في ايجاد الحلول المطلوبة للكثير من نقاط التقاطع والصراع بين دول المنطقة، والتي تجعل من العراق ساحة لتصفية صراعاتها، خاصة مع توفر ارادة دولية وبالأخص أوربية والتي تمثلت بحضور الرئيس الفرنسي ودعم الاتحاد  الاوروبي". 

اقرأ أيضاً: العراق: السباق الانتخابي السني يبدأ.. والحلبوسي والخنجر يتبادلان الشتم والقذف

وأكد خريسان في تصريح لـ"حفريات"، أنّ "هدف القمة جعل العراق مركزاً للحوار والتعاون الاقليمي بدلاً من أن يكون ساحة للحروب والصراعات بالوكالة". 

أما الكاتب والمحلل السياسي ساطع راجي، فقد أشرّ بوضوح على الدور الفرنسي في إنجاح القمة، وقال لـ"حفريات": "من خلال كلمات القادة الحاضرين، نكتشف أنّ فرنسا أو رئيسها إيمانويل ماكرون شخصياً، كان صاحب الدور الأكبر في عملية التنسيق لعقد هذا اللقاء". 

غياب ملفات حقيقية
وانتقد راجي، "غياب ملفات حقيقية وساخنة سواء التي تخص علاقة العراق بجواره الاقليمي أو التي تخص المنطقة ضمن مناقشات قمة بغداد".
وكانت تسعُ دولٍ حلت ضيفةً على العراق، أمس السبت، للمشاركة في قمة بغداد للتعاون والشراكة، وهي القمة التي مثلت قفزةً نوعية في المسار الدولي الجديد للبلاد التي كانت مسرحاً للتجاذبات والصراعات الدولية، والإقليمية تحديداً. 

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى إلقاء كلمته في قمة بغداد للتعاون والشراكة

وشهدت القمة البغدادية، لقاءَ المحاور المتضادة بالمنطقة، وهي خطوة تؤشر على إمكانية العراق في أن يكون عنصر توازن إيجابياً وفعّالاً بين دول الإقليم المضطرب، وذلك ما أكدهُ المؤتمِرون الذين دعوا في بيانهم الختامي إلى "التعاون المشترك والمصالح المتبادلة وفقاً لمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام السيادة الوطنية". 

بانتهاء قمة بغداد للتعاون والشراكة، تطرحُ عدة أسئلة بشأن المستقبل العراقي، وإمكانية صناعة دولة قادرة على إثبات وجودها في الداخل المحلي والخارج الإقليمي والدولي

وتمثل الحضور النوعي بالقمة، في تواجد كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني ورئيس وزراء الإمارات محمد بن راشد آل مكتوم، ونظيره الكويتي صباح خالد الصباح، ووزراء خارجية إيران والسعودية وتركيا، إضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي.
وناقشت القمة كيفية التعاون الاقليمي في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، والإسهام في تخفيف حدة التوترات والأزمات التي تكتنف المنطقة ودعم مسار الحوار البناء.

 منعطفٌ كبير وحدث مفصلي 

"العراق يرفضُ استخدام أراضيهِ للصراعات الإقليمية والدولية، ونرفض أن يكون منطلقاً لتهديد أية جهة" هذه أبرز جملة قالها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في كلمتهِ الافتتاحية للقمة، وهي جملة تشدد على رفض استثمار العراق لصالحِ أيِّ محور دولي وتنازع طائفي مؤدلج. 

اقرأ أيضاً: "الانقلاب الأبيض" في الاتحاد الوطني الكردستاني العراقي: ما دور أردوغان؟

وترى الحكومة، بحسب ناطقها الدكتور حسن ناظم، أنّ "قمة بغداد للتعاون والشراكة، تمثلُ منعطفاً كبيراً، من خلال حضور فرنسا بأعلى مستوى وحضور عربي رفيع، فضلاً عن تركيا وإيران".
 وأكد ناظم لـ"حفريات" أنّ بلاده "تتطلع إلى عمل مثمر متمحور حول مشتركات جمّة بين شعوب المنطقة، وخصوصاً أنّ هذا الاجتماع الدولي في العراق، يمثل حدثاً مفصلياً". 

الكاظمي يستقبل الوفد الإماراتي برئاسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في مطار بغداد الدولي

وعلى ذات النسق، جاء البيان الختامي للقمة الذي أكدَ وقوف الدول المشاركة "إلى جانب العراق حكومةً وشعباً، وشددوا على ضرورة توحيد الجهود الاقليمية والدولية وبالشكل الذي ينعكس ايجاباً على استقرار المنطقة وأمنها".
 بدوره ثمن العراق "الدور التنسيقي الذي لعبتهُ الجمهورية الفرنسية لعقدِ وحضورِ هذا المؤتمر ومشاركتها الفاعلة فيه".

وعبّرَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن سرورهِ في المشاركة بقمة بغداد، وأشار إلى أنّ "الشعب العراقي عانى الكثير بسبب الحروب، والعراق يتوجهُ اليوم نحو الاستقرار والتنمية"، مؤكداً أنّ فرنسا "ستبقى ملتزمة بدعم العراق، ونحن هنا لتعزيز سيادته".

اقرأ أيضاً: الانسحاب الأمريكي من العراق.. هل يتركه لقمة سائغة لإيران؟

وتضمنت كلمتهُ الافتتاحية، أهمية الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظرهُ العراق في تشرين الأول (أكتوبر)، وقال إنّ "الانتخابات المقبلة ستكون مرحلة جديدة، والاتحاد الأوروبي سيرسل مراقبين لانتخابات تشرين". ولفت ماكرون، إلى أنّ "فرنسا لديها مشاريع مختلفة في العراق، ولا بد من دعم المنطقة في مختلف المجالات". 

العاهل الأردني: أمن العراق من أمننا
من جهته، أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، أنّ الاجتماع في قمة بغداد دليل على دور العراق المركزي. وقال في كلمته، إنّ "أمن واستقرار العراق من أمننا واستقرارنا جميعاً"، مشيراً إلى أنّ "اجتماع بغداد يعكسُ حرصنا على سيادة القانون ومساندة العراق في مسيرته"، مؤكداً أنّ الحكومة العراقية تعمل "بجد من أجل ترسيخ دولة القانون وسيادة الدستور وتحقيق آمال شعبه وتطلعاته".

الناطق باسم الحكومة العراقية لـ"حفريات": نتطلع إلى عمل مثمر متمحور حول مشتركات جمّة بين شعوب المنطقة، وخصوصاً أنّ هذا الاجتماع الدولي في العراق يمثل حدثاً مفصلياً


وثمّن أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الجهود المبذولة لإرساء الاستقرار في العراق. وقال في كلمته إنّ "العراق مؤهل لإرساء السلم في المنطقة ونؤكد على وحدته". وتابع: "سنواصل دعمنا للشعب العراقي وواثقون من استعادة قوة العراق"، داعياً "المجتمع الدولي لتقديم الدعم له".

الشيخ محمد بن راشد: بيت حكمة البشر
الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الامارات وحاكم دبي. أناطَ مهمة إلقاء كلمتهِ السياسية في قمة بغداد إلى أحدِ وزرائه، مفضلاً تبني كلمة أخرى، تؤكد شغفهُ بالإرث الحضاري للعراق، إذ كتبَ عبر حسابهِ في تويتر، لدى وصوله "وصلنا بحمدالله بغداد، عاصمة الرشيد والمأمون وعاصمة العالم، دار السلام، بيت حكمة البشر، بغداد الشعراء والأدباء والعلماء، بغداد دجلة والفرات". 

مصطفى الكاظمي يفتتح الجلسة بكلمة ترحيبية بالضيوف المشاركين في القمة

وأبدى آل مكتوم، تفاؤلاً بمستقبل بغداد التي قال عنها "رغم جراحها، متفائلين بعودتها ونهضتها ومجدها بإذن الله، حفظ الله بغداد، حفظ الله شعب العراق العظيم". 

وجاءت كلمة الإمارات في القمة على لسان وزير الطاقة والبنية التحتية، سهيل المزروعي، الذي اعتبر القمة "مبادرة شجاعة لتعزيز أسس التعاون والشراكة في المنطقة". وأكد "موقف الإمارات الثابت في دعم العراق والوقوف إلى جانبه في كل الخطوات لما فيه مصلحة شعبه".
ولفت إلى أنّ قيادات بلادهِ "ترى أنّ العراق المستقر والموحد يعزز أركان السلام الإقليمي"، مضيفاً "الإمارات تؤمن بأهمية التعاون والعلاقات الإيجابية والشراكات التنموية بين الدول".

منصات التواصل تتفاعل مع كلمة السيسي

ومن الأمور التي أفرزتها القمة، هو التفاعل الشعبي العراقي على منصات التواصل الاجتماعي، مع المقطع الأخير من كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وهي كلمة تضمنت حسّاً عاطفياً وتحفيزياً للعراقيين، نحو المستقبل. هو ما جعل السيسي يتصدر "الترند المحلي". 

الشيخ محمد بن راشد مغرّداً على "تويتر": بغداد، عاصمة الرشيد والمأمون وعاصمة العالم، دار السلام، بيت حكمة البشر، بغداد الشعراء والأدباء والعلماء، بغداد دجلة والفرات

وفي آخر كلمتهِ قال الرئيس المصري "أودُ أن أوجه رسالةً للشعب العراقي الشقيق، فأقول إنّ الشعب الذي يملك هذه الحضارة وهذا التاريخ المشرف يملكُ بلا شك مستقبلاً واعداً بفضلِ أبنائهِ وسواعدهم وما يحدوهم من أمل وحافز نحو تحقيق غد أفضل"، وأكد للعراقيين أنّ "لكم في مصر إخوة حريصين على نهضتكم، مرحبين بنقل تجربتهم وخبراتهم في مجالات مختلفة إيماناً بوحدة المصير والهدف، لنسير معاً على طريق المستقبل الذي تضيئهُ إرادتنا وثقتنا في قدرتنا الصلبة على اجتياز الصعاب أياً كانت".

وختم السيسي خطابهُ للشعب العراقي "أنتم أمة عريقة، ذات حضارة وتاريخ، ولديكم تعدد أعتبرهُ ثراءً كبيراً.. وأقول لكم: حافظوا على بلادكم.. ابنوا وعمروا وشاركوا".

وعلى إثر تلك الكلمة التي جابت منصات التواصل، أخذ الكثير من المدونين التفاعل معها، إذ قال علي الجابري، إنّ "هذه الكلمة من أحلى الكلمات التي دخلت قلوب العراقيين. تحية طيبة للرئيس عبدالفتاح السيسي، رجل دولة بمعنى الكلمة"، في حين كتبَ مدونٌ آخر "نعتز بهذه الشهادة سيادة الرئيس، عسى ان تتحرك ضمائر المسؤولين والشعب أيضاً هو صاحب القرار". 

خرق دبلوماسي إيراني 
وحدها المشاركة الإيرانية، سجّلَتْ خرقاً دبلوماسياً واضحاً، عرّضها للنقد العام والخاص من قبل العراقيين، لاسيما بعد رفض وزير الخارجية الإيراني أمير عبداللهيان، الالتزام بالبرتوكول الدبلوماسي، الذي نُبه عليهِ من قبل الطاقم العراقي المشرف على القمة، والذي دعاه إلى الوقوف في الصف الثاني الخاص بوزراء الخارجية، بدلاً من الصف الأول الخاص بالزعماء والقادة، لدى التقاط الصورة الجماعية للمشاركين. 

ويفسرُ الباحث السياسي خالد الغريباوي، هذا التصرف قائلاً إنّ "سلوك الوزير الإيراني غير مستغرب فهو يمثل سلوك بلاده تماماً ونظرتهم للعراق كدولة فاقدة للسيادة وبأنهم الأوصياء الشرعيون لهذهِ البلاد"، مبيناً أنّ "إيران لم تكن مقتنعة بالقمة منذ البداية، فهي تريد الحديث عن الشأنِ العراقي مع الولايات المتحدة فقط، أما الآخرون فلا يعنيهم الأمر من وجهة نظرها، وعبرت عن ذلك في عدة سلوكيات مهمة". 

 ومن هذه السلوكيات، بحسب الغريباوي "رفض إيران دعوة الحضور الاولى للقمة الموجهة من قبل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، حيث ذهب وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين وقدم دعوة جديدة، واستقر الموقف الإيراني على إرسال وزير الخارجية أمير عبداللهيان"، مضيفاً لـ"حفريات"، أنّ عبداللهيان "تعمد ضرب البروتوكول الدبلوماسي، ووقف في المكان غير المخصص له". 

وتابع قوله "في كلمتهِ أثناء القمة تدخل الوزير الإيراني في صميم السيادة العراقية، حيث انتقد عدم دعوة سوريا للقمة، وطالب بخروج القوات الأمريكية من العراق، كما تحدث عن تبادل تجاري غير موجود أصلاً".

العراق وحاجتهُ للتوافق والتفاعل
بانتهاء قمة بغداد للتعاون والشراكة، تطرحُ عدة أسئلة بشأن المستقبل العراقي، وإمكانية صناعة دولة قادرة على إثبات وجودها في الداخل المحلي والخارج الإقليمي والدولي، لاسيما أن البلادَ تعيشُ في دوامةٍ من الأزمات السياسية التي لا تنفك عنها قرابة العقدين. 

اقرأ أيضاً: هل تحدّد المواجهة بين واشنطن وطهران مستقبل الانتخابات العراقية؟

قدرةُ العراق على استثمار مخرجات القمة الأخيرة، يراها الباحث الإستراتيجي باسم خريسان، ممكنة "لو أجادت الحكومة التعاطي معها". وتكمن الإجادة في التوازن العلاقاتي مع جيران البلاد، وتفعيل طرق التعاون والتنسيق في قضايا المصالح المشتركة. ويعتقد أنّ "العراق يمكنهُ أن يلعبَ دور اقليمي مهم في المنطقة، وأن يكون دولة فاعلة وليس ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية". 

ويستدرك خريسان قائلاً "لكن ما يعيق العراق من تحقيق ذلك وجود الكثير من عوامل الضعف البنيوية التي  يمكن أن  تحد من قدرتهِ على  الانتقال من حالة الضعف والتبعية للآخر إلى حالة الفعل والتأثير عليه، فضلاً عن تعقد المشهد السياسي في المنطقة". ويضيف "بعد كل ذلك لا بد من الاعتراف بأنّ انعقاد القمة الاقليمية في بغداد مثلَ نجاحاً عراقياً ومحاولة أولى  للخروج  من حالة العزلة الدولية الطويلة، واعادة دمج العراق في المنظومة الدولية مرةً أخرى"، مؤكداً أنّ "عملية التفاعل الدولي، تتطلب جهداً عراقياً خارجياً أكبر، وتوافقاً سياسياً داخلياً أيضاً".

الصفحة الرئيسية