بعد خسارته الأغلبية البرلمانية: هل أفلس ماكرون جماهيرياً؟

بعد خسارته الأغلبية البرلمانية: هل أفلس ماكرون جماهيرياً؟


03/07/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

بعد الحدث الانتخابيّ المُزلزل الذي نزع السّلطة التّشريعيّة عن الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، كان لزعيمة أقصى اليمين، مارين لوبان، كلّ الحقّ في الظّهور أمام مؤيّديها العاشقين، وهي تشرق بهجة وفخراً.

زاد حزب "التّجمّع الوطنيّ"، الذي تتزعّمه لوبان، بشكل كبير، حصّته من المقاعد البرلمانيّة، من 8 مقاعد إلى 89 مقعداً.

كان هذا إنجازاً أكبر من توقّعاتها، وفكّك بشكل فعّال "الجبهة الجمهوريّة" التي كان يقوم فيها النّاخبون من ذوي القناعات السّياسيّة المعارضة تقليديّاً بدفن الخلافات لحرمان حزبها من السّلطة.

أكملت النّتيجة القياسيّة لـ "التّجمّع الوطنيّ"، أيضاً، تجديداً شاملاً رائعاً للصّورة.

"التّجمّع الوطنيّ"، الذي شارك والدها، جان ماري لوبان، في تشكيله، تماماً كما شارك في تشكيل "الجبهة الوطنيّة"، له ارتباط تاريخيّ بالعنصريّة، ورهاب الإسلام، ومعاداة السّامية، وأكثر من مجرّد تلميحٍ من التّعاطف مع المتعاونين الفرنسيّين مع النّازيّين في زمن الحرب وأولئك الذين قاوموا استقلال الجزائر بعنف.

حقّق تحالف اليسار والخُضر "الاتّحاد الشّعبيّ البيئيّ والاجتماعيّ الجديد"، بقيادة المجادل المخضرم جان لوك ميلانشون، من أقصى اليسار، تقدّماً كبيراً مستقلّاً في الجولة الثّانية الحاسمة من التّصويت، يوم الأحد.

جان لوك ميلينشون، زعيم حزب فرانس أونبويد، يتحدث إلى أنصاره بعد الجولة الأولى من التصويت في الانتخابات البرلمانية

أصبح "الاتّحاد الشعبيّ البيئيّ والاجتماعيّ الجديد" أكبر قوّة معارضة في "الجمعيّة الوطنيّة" بحصوله على 133 مقعداً، أي ما يقرب من ضعف القوّة المشتركة للأجزاء المكوّنة لها.

مع امتناع أكثر من نصف النّاخبين عن التّصويت، تركت النّتائج ماكرون، الذي أُعيد انتخابه رئيساً في نيسان (أبريل)، وحلفاءه، مع 245 مقعداً فقط من أصل 577 مقعداً في "الجمعيّة الوطنيّة"، أي أقل بـ 44 مقعداً من الأغلبيّة المطلقة.

يختزل هذا حركته، "الجمهوريّة إلى الأمام"، إلى حالة من الشّلل السّياسيّ.

في حين أنّ الدّستور يسمح له بسنّ قوانين محدودة من دون تصويت، يجب عليه، خلاف ذلك، السّعي للحصول على توافقات مع الآخرين، لا سيما اليمين التقليدي ويمين الوسط، "الجمهوريّون"، الذين هم في حالة من الفوضى والانقسام بشأن التّعاون معه.

كان ماكرون قد حثّ النّاخبين على تجديد إيمانهم بحكومته الوسطيّة ورفض التّطرف اليمينيّ واليساريّ، لكنّ هذا، إلى جانب حملةٍ انتخابيّةٍ باهتة، كان بمثابة سوء تقدير كبير للمزاج العام

كان ماكرون قد حثّ النّاخبين على تجديد إيمانهم بحكومته الوسطيّة ورفض التّطرف اليمينيّ واليساريّ، لكنّ هذا، إلى جانب حملةٍ انتخابيّةٍ باهتة، كان بمثابة سوء تقدير كبير للمزاج العام.

في بلد ترتبط فيه تسمية "متطرّف" بشكل روتينيّ بكلّ من لوبان وميلانشون، يمكن القول إنّ التّطرّف ظهر باعتباره الوضع الطبيعيّ الجديد. كان التّصويت المجمّع لكلّ من "التّجمع الوطنيّ" و"الاتّحاد الشّعبيّ البيئيّ والاجتماعيّ الجديد" أعلى بأكثر من مليوني صوت ممّا حصده التّحالف الماكرونيّ، "معاً".

كلا الزّعيمين الرّاديكاليّين، لوبان وميلانشون، له كاريزما؛ سياستهما الشّعبويّة، إلى جانب وعود متشابهة بشكل غريب لمنع رفع سنّ التّقاعد وتقديم مساعدة سخيّة لناخبي الطّبقة العاملة الذين يعانون بسبب ارتفاع الأسعار، تغلّبت على أيّ شكّ. حذّر الوسطيّون من أنّ السّياسات الاقتصاديّة الحمائيّة ذات الإنفاق الكبير غير متماسكة اقتصاديّاً، لكن من الواضح أنّ ناخبين كثيرين شعروا بأنّهم بالكاد يمكن أن يكونوا أفقر ممّا هم عليه في ظلّ حكومة ماكرون.

تدين لوبان بجزء من ازدهارها الانتخابيّ إلى حملة نَشِطة لتبييض سمعة حركتها، ممّا جعل قطاعات كبيرة من الجمهور تغفر أو تنسى ماضيها المشؤوم. إنّ وجود إريك زمور، وهو أكثر يمينيّة، في كلّ من الانتخابات الرّئاسيّة والتّشريعيّة، منحها ميزة نادرة تتمثّل في أرضيّة أخلاقيّة عالية.

عندما فاز ماكرون بولايته الثّانية في قصر الإليزيه، في 24 (نيسان) أبريل، بنسبة 58.5 في المئة من الأصوات، في جولة الإعادة ضدّ لوبان، كانت النّتيجة بمثابة إطراء قُصدَ منه الخداع.

على مستوى شخصيّ، كشفت الانتخابات التّشريعيّة عن مستوى مُقلِق من خيبة الأمل العامّة. إذا كان كثيرون في فرنسا معجبين به، بلا شكّ، فإنّ آخرين لا يرون فيه سوى نخبويّ بارد، ومتغطرس، وغير مطّلع على انشغالاتهم اليوميّة.

زعيمة اليمين المتطرف الفرنسية مارين لوبان مع مؤيديها بعد النتائج الأولى للانتخابات البرلمانية في هينين بومون يوم الأحد

إنّه مثير للإعجاب إلى حدّ كبير على السّاحة الدّوليّة، ومزيج الجزرة والعصا، من الدّبلوماسيّة والكلمات القاسية والعقوبات بعد الغزو الروسيّ لأوكرانيا، يضرب على وتر حسّاس لدى كثيرين في فرنسا.

لكن ثبت أنّ صفات رجل الدّولة غير كافية لحمايته من ويلات التّضخّم، وعدم الثّقة في سياساته بشأن الجريمة والهجرة، وشعور بأنّه يتحدّث بتكبّر إلى الناس العاديّين.

قال أحد النّاخبين المعتدلين، من منطقة لا سارث في غرب فرنسا، ردّاً على نتائج انتخابات الأحد: "يضرّه تفاخره".

كان ميلانشون ولوبان أكثر قسوة.

ميلانشون، الذي اختار عدم الدّفاع عن مقعده، لكن كان يأمل في الحصول على نتائج أقوى من شأنها أن تجعله رئيس وزراء معادياً، ممّا يضع البرلمان في مواجهة الإليزيه، قال: "اكتملت هزيمة الحزب الرّئاسيّ".

مع امتناع أكثر من نصف النّاخبين عن التّصويت، تركت النّتائج ماكرون، الذي أُعيد انتخابه رئيساً، وحلفاءه، مع 245 مقعداً فقط من أصل 577 مقعداً في "الجمعيّة الوطنيّة"

قالت لوبان: "تحدث النّاس"، مشيدة بنهاية "مغامرة ماكرون" وإحالة حكومته إلى مرتبة الأقلّيّة. وها هي تتنحّى عن رئاسة "التّجمّع الوطنيّ" للتّركيز على قيادة قوّاتها البرلمانيّة، التي أصبحت الآن، وبسهولة، كبيرة بما يكفي للتّأهّل كمجموعة رسميّة ممّولة من الدّولة.

ما يعنيه هذا بالنّسبة إلى حركة ماكرون، التي جمعت عناصر من اليسار والوسط واليمين لتغيير المشهد السّياسيّ الفرنسيّ قبل انتخابه السّاحق رئيساً في عام 2017، ليس واضحاً.

اعترفت رئيسة الوزراء، إليزابيث بورن، بأنّ "الوضع غير مسبوق". وأضافت: "لم تشهد "الجمعيّة الوطنيّة" مثل هذا التّكوين في ظلّ الجمهوريّة الخامسة. وكقوّة مركزيّة في الجمعيّة، يجب أن نتحمّل مسؤوليّة خاصّة. سنعمل (على الفور) لبناء أغلبيّة عمل".

قد يكون أحد الأمثلة المفيدة لمثل هذا الإجراء هو محاولة تشجيع المزيد من النّاس على استخدام اللقب الجديد لحزب ماكرون "النّهضة". وبالنّظر إلى حجم إعادة البناء المطلوب بعد رفض سياسيّ مُخجِل، يبدو الاسم الجديد أكثر ملاءمة من "الجمهوريّة إلى الأمام".

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

كولن راندال، ذي ناشونال، 20 حزيران (يونيو) 2022

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2022/06/20/is-the-macron-adventure-truly-over/

مواضيع ذات صلة:

ما أبرز ملامح المشهد السياسي الفرنسي قبيل الانتخابات التشريعية؟

إخوان فرنسا: عقود من الانتشار والتغلغل والازدواجية

ما سر غياب "خطر الإسلاموية" عن الانتخابات الفرنسية؟




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية