بعد تراجع الإسلام السياسي.. لماذا الاحتفاظ بغولن والإخوان

بعد تراجع الإسلام السياسي.. لماذا الاحتفاظ بغولن والإخوان

مشاهدة

22/02/2018

لا فائدة ترجى من ترويض الإسلام السياسي وجعله متآلفا ومنسجما ومنخرطا مع بقية المكونات تحت سقف القانون، إذ أثبتت كل التجارب استحالة استجابة الذهنية الإسلامية للعلمانية أو القبول باللعبة الديمقراطية، إلا فيما كان يخدم مصالحها التكتيكية، وهذا ما باتت تدركه قوى عظمى في المنطقة وتحاول تمثّله ضمن معادلات صعبة وغير محمودة العواقب.

العام 2012 شهد إعلانين الأول من حزب العدالة والتنمية، وتحديدا في شهر سبتمبر، مفاده أن الديمقراطية يمكن تطبيقها في بلد غالبيته من المسلمين. الإعلان الثاني في ذات العام خرج من جماعة الإخوان بسوريا تحت عنوان “وثيقة العهد” زعمت فيه قدرتها على تشكيل حكم مدني ديمقراطي يحترم التعددية والتداول والحريات.

وفي نفس العام مع حلول شهر أكتوبر اعترفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية وقتئذ بفشل المعارضة السورية وعجزها عن تمثيل الأقليات، وكان يقود هذه المعارضة المدعومة من واشنطن وأنقرة وآخرين المجلس الوطني السوري الذي ضم جماعة الإخوان وإسلاميين آخرين كونوا ميليشيا مسلحة متعددة الأسماء والشعارات.

وحتى لا نغرق في استحضار التاريخ الذي صار متاحا للجميع وموثّقا، نخرج من تلك الإشارة بخلاصة أنه كان هناك رهان على تركيا ذلك النموذج العصري الحضاري الذي أسكن الإسلاميين ووضعهم تحت سقف علماني، وعلى الإسلاميين لصلاح حالهم القيام بمصالحة تاريخية مع الغرب.

هذا النموذج يفسّر مجمل الأحداث الشائكة التي مرت بها تركيا والمنطقة الملتهبة المحيطة بها خلال الأعوام الأخيرة؛ على رأسها الإجابة عن إشكالية تبديل المحاور واقتراب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من موسكو، وقبلها الانقلاب الفاشل واحتفاظ واشنطن بفتح الله غولن، وصولا إلى توقع النهايات والمصائر.

المسألة ببساطة أن أميركا وهي اللاعب الرئيسي، حتى لو تمنى أردوغان اليوم غير ذلك، ظنت في البدايات أنها بدعم تيار الإسلام السياسي ستحظى بقبول لدى الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط، وتحصل على دعم لسياساتها في الشرق الأوسط وتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها.

تخلت واشنطن مؤخرا عن تبني دعم الإسلاميين لأنها ما كانت لتستبدل حالها وسمعتها التي تم تلطيخها مع أنظمة فاسدة، بدعم ما ثبت عمليا كونه الأسوأ على الإطلاق؛ فكيف ستحظى بقبول في الشرق وهي تواصل اصطفافها مع قوى خطابها متخلف، معادية للحرية ولا تؤمن بقيم العدالة والمساواة والتنوع والكرامة الإنسانية؟

تركيا رشّحت لقيادة المشروع الذي صاغه مكتب التخطيط السياسي في الخارجية الأميركية تحت عنوان “ترويض مضمار التطرف”، في سياق دمج الإسلاميين مع الليبراليين والعلمانيين سيخلق ديناميات جديدة تدفعهم صوب الاعتدال.

ما حدث بالتعاون مع أردوغان أنه لم يقدر كما كان مؤملا على امتصاص التطرف لدى جماعات الإسلام السياسي في الداخل العربي. إنما ساقت هي نموذجه إلى التشدد ناحية أقصى اليمين، وهو ما جعل النسخ الإسلامية غير المرغوب بها سواء حسب المعايير الغربية أو العربية هي المهيمنة مثل الإخوان وتنظيم القاعدة ومجمل طيف السلفية الجهادية ومخرجاته.

لم يفهم أردوغان إلى الآن أن الداخل العربي وفي سوريا كنموذج يتوافق فقط مع نظام ديمقراطي خاص به يناسب طبيعة مجتمعاته وتركيبة طوائفه. بينما من يسعى أردوغان لفرضهم سعوا حتى قبل وصولهم للسلطة والهيمنة على الحكم لتطبيق نموذج غريب ظنا منهم أن الدولة لكي تكون إسلامية لا بد أن تصبح لونا فكريا واحدا ونسقا عقائديا واحدا. وهذا هو سر هزائمه المتتالية في سوريا؛ كونه ربط نفسه بنموذج الإخوان وتيار الإسلام السياسي المرفوض شعبيا.

علاوة على أن الإدارة الأميركية التي تبحث عن سبل امتلاك أدوات التحكم في إدارة العالم بما يجعلها الأكثر جدية في حماية مصالحها وحضورها في بلدان الشرق الأوسط، لن تستمر في دعم تيار ينهار ويتراجع شعبيا وميدانيا باعتراف كبار منظري العلاقات الدولية، ولا مفر من امتلاك أدوات وأوراق أخرى.

أردوغان الذي عبر بوحدات من الجيش التركي الحدود مع سوريا لمناوءة وتحجيم هذه الأوراق الجديدة التي تلعب بها واشنطن كان يوما ما هو قائد المشروع الشرق أوسطي منذ سجل الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن إعجابه به، عقب تدشين أميركا حربها العالمية على الإرهاب بعد أحداث سبتمبر 2001.

لم يواصل أردوغان تطبيق النموذج ومن ثم اكتساب المقدرة على نشره لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولذا لا يصح هنا الحديث عن ضحايا لأميركا ومشروع الشرق الأوسط الكبير، بقدر ما يصح الحديث عن ضحايا لتيار الإسلام السياسي. الرئيس التركي هو التجسيد الأمثل كضحية لهذا التيار، سواء جماعة الإخوان التي ورطته في مغامرات الخارج وربطته بالنسخ المثيلة لها فكرا ومنهجا، كالقاعدة وجماعات السلفية الجهادية، لكن الأخيرة هي الأكثر وضوحا وإعلانا عن طبيعة قناعاتها.

وهو في الداخل التركي ضحية جماعة غولن، وهي النسخة الأكثر خطورة ضمن تيار الإسلام السياسي؛ لأنه إذا كانت جماعة الإخوان أكثر حرصا من القاعدة بما يجعلها تنوع في الأساليب وتناور في الخطاب وتلعب على محاور عدة، فإن جماعة غولن أشد تكتما وسرية وتخطيطا للمشروع الأكبر المرتقب بمدى مرحلي وتدريجي أرحب وأطول نفسا.

لماذا لا تزال أميركا تحتفظ بغولن ولا يزال أردوغان يحتفظ بالإخوان ويوظفهم في سوريا وغيرها، على الرغم من تيقن الجميع بأن المشروع انهار والإسلام السياسي تآكلت حظوظه ولم يعد له أي مستقبل في المنطقة؟

لأن أردوغان لا يزال يراهن على التلويح بنفوذه في الشرق الأوسط كعصا يسند بها مستقبل نظامه السياسي داخل تركيا.

وثانيا لأن هذه العلاقة وهذا التوظيف المتصل من قبله هما ما يمكناه فعليا من إقناع موسكو وإيران به كشريك يمتلك أوراقا ثبت نجاحه في اللعب بها عبر أساليب المناورة وعبر الأوهام التي يحقنها في جسد جماعات الإسلام السياسي، ومعظمها الآن مرتهن لقيادته ويدين له بالولاء، بينما يسهم في الوقت ذاته وفق مقتضيات التسويات مع الشريك الروسي في إدارة هزائمها الميدانية وتقويض نفوذها في مناطق، وأحيانا يسوق البعض كمرتزقة في حربه الخاصة ضد الأكراد.

لسنا بصدد البحث عمن وراء محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي، لكن لا أحد ينكر أن تصعيد النماذج الإسلامية الأشرس والأكثر دموية وتطرفا وعنفا برعاية جماعة الإخوان وأردوغان، لدغت منها واشنطن لدغات مميتة في ليبيا وسوريا، بعد كل ما قدمته لهذه الجماعات من دعم مادي وعسكري.

من الجائز تصور أن واشنطن تدير هزائم هذا التيار كمسار تدريجي للتخلص منه في مراحل لاحقة، كما يفعل أردوغان في بعض مناطق سوريا إرضاء لشريكه الروسي، لكن الوضع بالنسبة إلى أردوغان يختلف فخياراته محدودة وما قام به من تحولات حادة في اتجاهات متناقضة وضعته في طريق اللاعودة.

درست واشنطن مرحلة ما بعد داعش، وهي حريصة على ألا يتكرر سيناريو الفراغ الذي تركته بعد انسحابها من العراق، ومن جهة أخرى تحرص على ألا تلعب قوة إقليمية أو عربية بالجماعات المؤدلجة لزعزعة أمن محيطها واستقرار جيرانها.

تعود أميركا كونها اللاعب الرئيسي، من جديد بأوراق جديدة وحضور عسكري نوعي ومبررات حضور تمنحها المكوث طويلا لحماية مصالحها، واختيار واشنطن للأكراد ليس متعلقا بنزعات انفصالية وخطط تقسيم، وإلا لكانت تركت داعش الذي محا الحدود بين سوريا والعراق. لكنه اختيار متعلق بالنموذج الذي رعته منذ البداية وهو علمنة الإسلام السياسي ومصالحته على الغرب، وليس أسلمة العلمانية وتعميم التشدد.

هذا يجعلنا نلامس الإجابة على سؤال المغزى من الاحتفاظ بغولن؛ فأميركا التي تراجع مجمل تجربتها مع الإسلام السياسي على ضوء أحداث ووقائع السنوات الماضية ترغب في الإمساك بطرف المعادلة الآخر.

إذا وقع غولن في يد أردوغان فليس مستبعدا أن نكون بصدد صناعة سيد قطب جديد لتيار الإسلام السياسي، وهو ما يعجّل من انتقال الخدمة لمرحلة الفوران والاشتعال، مع تغييب زعيمها الذي يوجهها إلى الآن إلى رد الاضطهاد بالصبر.

أميركا لم تكن فقط تبحث عن حليف استراتيجي، إنما كانت تبحث عن نموذج صالح للتعميم، وأخطأته بعد دفع ثمن باهظ للشراكة مع الإسلام السياسي. وهي الآن تتدخل بنفسها لفرض نموذج تضمنه نصوص دستورية ملزمة.

عن"العرب" اللندنية




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية