بطريرك الكنيسة الكلدانية لـ "حفريات": دور المسيحيين في العمل السياسي العراقي مختطَف

بطريرك الكنيسة الكلدانية لـ "حفريات": دور المسيحيين في العمل السياسي العراقي مختطَف

مشاهدة

14/03/2022

أجرى الحوار: محمود أمين

عامٌ مرّ على زيارةِ بابا الفاتيكان فرنسيس إلى العراق، الحدث التاريخي الأول من نوعه، والزيارة التي أدخلت المجتمع العراقي في طاقةٍ من الإيجاب النفسي، طيلة أيام إقامة الحبر الأعظم في البلاد، قبل أن تعودَ السياسة ومناكفاتها إلى الواجهة، وقبل بثّ الطاقة السلبية التي باتت لا تنفك
ّ عن العراقيين، منذ قيام النظام الطائفي الجديد، بُعيد نيسان (أبريل) 2003.

تكهناتٌ مريبة، واتهاماتٌ عشوائية، طالتْ الحضور البابوي في العراق، في الخامس من آذار (مارس) العام الماضي، لا سيما أنّ الاتهامات صدرتْ عن جهاتٍ دينيةٍ متطرّفة، لا تريدُ حضوراً للسلام الديني في بلاد التعدّد الديني والطائفي والقومي.

عن تلك الزيارة التاريخية ومآلاتها، وواقع المكوّن المسيحيّ في العراق، أجرت صحيفة "حفريات" حواراً مع بطريرك الكنيسة الكلدانية، الكاردينال لويس ساكو، عضو المجمع البابوي في روما، الذي أكد أنّ دور المسيحيين في العمل السياسي العراقي مختطف.
هنا نصّ الحوار:

كيف تقيّمون الواقع الاجتماعي المسيحي في عراق ما بعد داعش؟
من المؤسف أنّ الواقع العراقي متشظٍّ، بعد سقوط النظام السابق، وما نزال نعيشُ بشكل أو آخر بـ لا دولة؛ حيث النزاعات الطائفية والحزبية والشخصية، من أجل النفوذِ والمال، مما خلقَ حالةً من الفساد طالتْ سائر مفاصل الدولة.

العراق، في تكوينهِ وتاريخهِ، متنوّع ومتعدد، قومياً ولغوياً ودينياً ومذهبياً، لكن بعد سقوط النظام في 2003، كلّ طرف رفع حواجز كونكريتية أمام الآخر بدلاً من أن يمدّ الجسور، وتبنى دولة ديمقراطية مدنية تحترم الكلّ ويشعر الكلّ أنّ العراق بيته، وهو محترم. أما الواقع المسيحي، وهو جزء من الواقع العراقي، طالهُ ما طالَ العراقيين. وقد ترك تنظيم داعش الإرهابي جرحاً بليغاً في العلاقات الاجتماعية، وخرّبَ العيش المشترك، وتم تهديد المسيحيين والإيزيديين وخطفهم وتهجيرهم، وتفجير عدة كنائس والاستحواذ على ممتلكاتها. وما بعد تحرير مناطقهم عاد 6% من المسيحيين المهجرين إلى بيوتهم، التي رممتها الكنيسة، لا الحكومة العراقية، لكنهم غير مرتاحين؛ لعدم وجود الاستقرار، ولأنّ الفكر المتطرف ما يزالُ متجذراً في بعض الأوساط، وكذلك وجود ميليشيات  في مناطقهم وتضايقهم. الحكومات المتعاقبة لم تبذل جهداً في معالجة هذه القضايا  التي هي الضامن لمستقبل العيش المشترك المتناغم.

هل لديكم إحصائية رسمية بعدد المسيحيين في العراق، لا سيما أنّ السنوات التي تلت نيسان 2003 شهدت موجةً من الهجرة شبهِ الجماعية للمكونات غير الإسلامية؟

هاجرَ نحو مليون مسيحي عراقي، وبقيَّ ما يقارب الخمسمائة ألف مسيحي، وكذلك مكوّن الصابئة المندائيين بقي منهم بضعة آلاف، فيما تم قتل الكثير من الإيزيديين، وبيعت بناتهم ونساؤهم في سوق النخاسة، كما كان في زمن الجاهلية، ونحن في القرن الحادي والعشرين؛ هذه وصمة لن تمسح بسهولة.

بعد عام على زيارتهِ التاريخية.. يقول الآخرون من الطوائف المسلمة إنّ زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، أثّرت إيجاباً، في العراقيين عامة والمسيحيين خاصة؛ هل لمستم ذلك واقعاً من قبل المتعايشين معكم، أم إنّ تصريحاتهم مجرد مجاملات؟

على صعيد الشارع العراقي الذهنية تغيّرت، فهناك عملياً اعتراف بالمسيحيين وقبولهم، وقد أثّرتْ فيهم خطابات البابا فرنسيس وبساطتهِ وتواضعهِ ومصداقيته، وكان للكنيسة الكلدانية دورٌ مهم في إعداد الزيارة، ودفع الحوار المسيحي- الإسلامي مع الديانات الأخرى. وصدر كتاب جديد  للتعريف بالديانات في العراق، وقدمت كلُّ مرجعيةٍ دينية ديانتها. 

أعتقدُ أنّ العالم العربي في حاجة إلى الاهتمام الكبير بإشاعة ثقافة الاعتراف بالآخر، وقبولهِ واحترامهِ كإنسان و كمواطن على قدم المساواة، وأرى أنّ هذا الأمر صعب في العقلية العربية والمسلمة، وهنا أشدّد على أهمية التربية البيتية والمدرسية، والخطاب الديني الذي ينبغي أن ينطلقَ من القيم الإنسانية والأخلاق العامة والوطنية المشتركة، ورسالة الأديان في التسامح والاحترام والمحبة والتعاون، والالتزام التربوي يمكن أن يدفعَ الشباب إلى الرغبة في الخير والمحبة والاحترام والعدل والحرية.

الكادرينال لويس ساكو لـ "حفريات": العالم العربي في حاجة إلى الاهتمام الكبير بإشاعة ثقافة الاعتراف بالآخر، وقبولهِ واحترامهِ كإنسان وكمواطن على قدم المساواة

كما نحتاج إلى تطوير المزيد من فرص الحوار واللقاءات بين مختلف التقاليد الثقافية والدينية، من أجل تقوية أواصر الأخوّة، وتغليب منطق السلام، واعتماد لغة الحوار، لإيجاد حلول متكاملة وتلافي المشاكل الكارثية.

في رأيكم.. كيف يمكن أو يتم ذلك؛ هل من خلال الدولة مثلاً؟

لدينا نموذج ممكن أن نستثمره، مثل إنشاء مركز للتسامح والمصالحة والسلام، أو كما فعلت دولة الإمارات العربية بإنشاء وزارة التسامح، من أجل التغلب على كلّ عداء وتعزيز الشراكة وإعداد قادة محليين، من أجلِ حلّ النزاعات المحلية والعنف الأسري، والتواصل مع هكذا حالات.

أنتم جلستم في لقاء الحبر الأعظم والمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني؛ كيف كانت الأجواء؟ وماذا دار بينهما من حديث؟

كان لقاءً ودياً صادقاً، عبارة البابا فرنسيس، "جميعنا أخوة"، ووثيقة أبوظبي "الأخوة الإنسانية" عام 2019، وعبارة السيد علي السيستاني: "نحنُ جزء منكم، وأنتم جزء منا"، هي القاعدة المتينة للعيش المشترك. ذكرَ سماحتهُ أنّهُ يدافعُ عن حقوقِ الإنسان، ومدح مواقف البابا فرنسيس، وأردفَ أنهُ منذ عام 2010 لا يستقبل السياسيينَ لفسادهم.

ما مفهوم مشروع الأديان الإبراهيمية الجديد؟ هناك من صرّح بأنّ هذا المشروع يأتي على حساب الخصوصية الدينية للإسلام؛ هل صحيح ذلك؟

أبداً، البابا جاء إلى العراق من أجل جميع العراقيين، وليس المسيحيين وحدهم. جاء ليعبّر عن قربهِ منهم وتضامنهِ معهم، وصلاتهِ من أجلِ مستقبلٍ أفضل لهم وللبشرية، والذي شدّدَ على الأخوة والمحبة والاحترام والتسامح. إنّهُ لم يأتِ لتبشير المسلمينَ بالمسيحية، كما غرّدَ بعض المتشددين، ولا أن تذوبَ الديانات في ديانةٍ واحدة إبراهيمية.

وقد زار البابا فرنسيس مدينة أور في جنوب البلاد؛ لأنّها موطن النبي إبراهيم الخليل، وهي مدينة يمكن أن تكون مركزاً عالمياً لترسيخ قيم الحـوار بيــن الأديان، من أجل السلام والاستقرار والعيش السلمي، وتفادي الصراعات والحروب الكارثية؛ لأنّ شخصية النبي إبراهيم تُعد واحدةً من أهم الشخصيات في التاريخ الديني، إذ أنه بلغَ في الكتب المقدسة مكانةً خاصة؛ فهو أبو الأنبياء وخليل الله، والذي نسبَتْ إليه الأديانُ التَّوحيديةُ الثلاثَةُ فسُمِّيتْ ﺑ "الإبراهيمية". إنّ الالتفافَ حول إبراهيم، كأخوة وأخوات، هو القاعدة المتينة للعيش معاً والتضامن، لنبني السلام، وعالماً يعيشُ فيهِ كلّ إنسان بكرامة وحرية. فإنّ إصغاء إبراهيم لصوت الله بثقةٍ مطلقة، وتلبيتهِ النداء بأمانة دائمة، يعلمنا الحجّ إلى الذات، إلى كياننا العميق؛ لنولد من جديد، ونصبح جاهزين للتخلي عن كلّ ما يقيّدنا، خاصة الأنانية، ومتى عدنا إلى بيتنا الداخلي المقدس، نكون قادرين على إزالة العنف من ذاتنا، لنزيل الأسوار (الحواجز الكونكريتية) التي بنيناها خوفاً من الآخر، ونمدّ الجسور لنتمكن من العيشِ معاً في واحةِ حُسن الجِوار.

كيف تقيّم الفاعل السياسي المسيحي في العمل السياسي العام، والنيابي والحكومي الخاص، في عهد العراق الديمقراطي؟

دور المسيحيين في العمل السياسي مختطف لجهات قوية، والديمقراطية مجرد شعار. على أرض الواقع يوجدُ المسلم الشيعي والسني والمسيحي، وأقليات وقوميات من عرب وأكراد وتركمان وكلدان وآشوريين وأرمن. الهوية الوطنية أضعفتها الهويات الفرعية؛ المسيحيون النواب والوزير لم يقدموا شيئاً للمكون المسيحي، كلٌّ خدمَ نفسهُ، وخدمَ الجهة غير المسيحية التي  جعلتهُ يفوز لصالحها.

البعض يرى أنّكم ممثلون في الحكومة والبرلمان وفق النسبة الخاصة بالمكوّن المسيحي؛ فلماذا يتحدث المسيحيون عن تهميش مكوناته؟

إننا عراقيون في الصميم، ونحنُ أهل البلد؛ فلا معنى للكوتا المسيحية، كلُّ نائبٍ ينبغي أن يمثّلَ كلّ العراقيين، وللأسف هذا غير موجود.

في السنوات الأخيرة، شهدنا لكم حراكاً اجتماعياً واسعاً مع المؤسسات الإسلامية، كالمجمع الفقهي السنّي وحوزة النجف الشيعية؛ كيف كانت الاستجابة العملية من قبل الآخرين للتعاملِ والتعاونِ معكم من أجل مشروع السلام المجتمعي في العراق؟ وهل كانوا جادين في ذلك؟

كان التجاوبُ إيجابياً جداً، استطعنا مع بعضنا أن نفكّك الخطاب التحريضي، وعملنا بعض نشاطات.

كلمة أخيرة تودّ أن توجهها إلى المسيحيين العراقيين المغتربين في دول المهجر..

المسيحيون المغتربون لن يعودوا إلى العراق ما لم تخلق ظروف أمنية وخدمية لهم، المسيحي يبحثُ عن الأمان والاستقرار والحرية؛ هذه العناوين غير متوافرة.

 أتمنى أن يحافظوا على تقاليدهم ولغتهم وانتمائهم إلى العراق؛ فهو هويتهم، وأن يدعموا من تبقّوا من إخوتهم لمواصلة تاريخهم مع شركائهم في الوطن.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية