برعاية بريطانية: القصة المثيرة لصعود إخوان ليبيا إلى الحكم

برعاية بريطانية: القصة المثيرة لصعود إخوان ليبيا إلى الحكم

مشاهدة

01/07/2020

عندما عاد قادة الإخوان المسلمين، من بريطانيا وأوروبا وأمريكا، إلى ليبيا، أثناء الثورة على القذافي، لم يكن عددهم يزيد عن بضع مئات، ولم يكن لهم وجود عسكري قوي على الأرض، غير أنّهم صعدوا إلى المشهد الليبي بسرعة كبيرة، وتفوقوا على الميليشيات الإسلامية الأخرى.

في لندن أسس السفير البريطاني السابق لوبياً يعمل على الدفاع عن مصالح الإخوان، وتثبيط المعارضين للإخوان والمطالبين بالتحقيق في وضع الجماعة من البريطانيين

صعود الإخوان القادمين من الخارج لم يكن غريباً، إذ إنّ بريطانيا بشكل خاص، وتبعتها الإدارة الأمريكية في عهد أوباما، قامتا بتبني رؤية للشرق الأوسط ما بعد 2011، تقوم على تصعيد جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في الدول العربية، لتحقيق هدفين: الأول ظناً منهم أن وصولهم إلى السلطة كفيل بسحب البساط من تحت أقدام الجماعات الإرهابية مثل القاعدة وفروعها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، وإلى جانب ذلك لتحسين صورة الغرب أمام المسلمين، ونفي الاتهام عنه بمعاداة الإسلام، والغريب أنّه الاتهام الذي يروج له الإسلاميون الذين تربطهم علاقات وطيدة بدول الغرب.

والثاني تحقيق مصالح بريطانيا والولايات المتحدة الاقتصادية والسياسية؛ كون هذه القيادات تحمل الجنسية البريطانية أو الأمريكية، أو دول حليفة مثل كندا وأيرلندا وغيرها، فضلاً عن ولاء هذه القيادات لبريطانيا بشكل خاص، التي تحتضن في عاصمتها مقر التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

أخونة الليبيين في بريطانيا

تأسّس فرع الإخوان في ليبيا عام 1949، ولم يتطور بناؤها التنظيمي حتى 1968، ثم جمد القذافي نشاطها في العام التالي، وضيّق على أتباعها، فهرب أغلبهم إلى بريطانيا والولايات المتحدة، وتحديداً في فترة الثمانينيات.

في كتابها بعنوان "الإخوان المسلمون وحركة النهضة: الانكفاء إلى الظلّ" للباحثة البريطانية أليسون بارجيتر، استعرضت تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا منذ التأسيس، ثم الهروب من نظام القذافي، والعودة أثناء ثورة 17 فبراير، ثم تصدرهم للمشهد السياسي الليبي.

ذكرت بارجيتر؛ أنّه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين بلغت ليبيا أوج ازدهارها النفطي، بدأت في بعث الطلاب لمتابعة دراستهم في الخارج، وتحديداً بريطانيا والولايات المتحدة، وفي الخارج تماسّ الشباب الليبي مع الأفكار الإسلامية الرائجة بين الطلاب المسلمين والمعارضة الإسلامية التي فرت إلى بريطانيا، وكان أغلبهم من الإخوان، فحصلت عملية أخونة للطلاب الجدد، إلى جانب وجود ليبيين إخوان ممن فروا من القذافي.

تجمّع عدد من الطلاب الليبيين في بريطانيا والولايات المتحدة، وشكلوا جماعتهم الإخوانية الخاصة بهم، مُطلقين على أنفسهم اسم "الجماعة الاسلامية - ليبيا"، وشرعوا في التفكير في زرع الجماعة داخل ليبيا، ومن بريطانيا عادت الجماعة إلى ليبيا، وحاولت إنشاء تنظيم جديد، وتمكّن بحلول 1987 من تكوين مكتب شورى واحد، ولجنة تنفيذية واحدة، لكن بأنشطة محدودة على الأرض، في 1998 اعتقل القذافي 150 من قيادات الإخوان، ففرت الأغلبية إلى الخارج، وبشكل خاص بريطانيا، حيث تجمعهم صلات قوية بالإخوان هناك، وتجمعهم تنسيقات مع السلطات البريطانية، وفق كتاب بارجيتر، ولولا وجود مصلحة لبريطانيا في أخونة الطلاب الليبيين لما سمحت للإخوان بالانتشار بين الطلبة العرب الوافدين للدراسة.

يشرح الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، رضا شعبان، علاقة بريطانيا بالإخوان، بقوله إنّ ارتباط بريطانيا بالإخوان يشبه الارتباط العضوي، فالتنظيم الإرهابي الذي ولد في مصر خرج من رحم الاحتلال البريطاني، عام 1928، لاستخدامه ضدّ التطلعات الوطنية للشعوب العربية.

إلى جانب ذلك استخدمت بريطانيا الإخوان في إدارة علاقاتها مع الأنظمة العربية، وفي حالة ليبيا استخدمتهم كورقة ضغط على نظام العقيد القذافي، وحين عاد نظام العقيد إلى المجتمع الدولي، رعت بريطانيا المصالحة الإخوانية مع القذافي، والتي قادها نجله سيف الإسلام في 2005.

أمّا عن شقّ المصالح الاقتصادية، فيقول رضا شعبان لـ "حفريات": هناك شراكات اقتصادية واستثمارات سرية تجمع عدد من القيادات الليبية في تنظيم الإخوان مع جمعيات يهودية في بريطانيا، برعاية اليهود الليبيين، وأبرزهم روفائيل لوزان، رئيس اتحاد اليهود الليبيين في بريطانيا، وموشيه إميل كحلون، رئيس جمعية اليهود الليبيين الدولية.

صعود الإخوان إلى السلطة

تعاملت جماعة الإخوان بانتهازية شديدة مع ثورة الشعب الليبي؛ إذ عملت وفق مسارين: الأول إيجاد موطئ قدم لها على الأرض بين الثوار والميليشيات المسلحة، والثاني التفاوض سراً مع نظام القذافي للحصول على صفقة لصالحهم، غير أنّ الغضب الشعبي طغى على صوت التفاوض، فحسمت الجماعة قرارها بتبني خيار إسقاط القذافي.

رضا شعبان لـ "حفريات": الدعم البريطاني للإخوان كشف عن نفسه في أربعة مشاريع قرارات قدمتها بريطانيا إلى مجلس الأمن الدولي، مستهدفة استصدار قرار يفضي بتكبيل حركة الجيش الوطني الليبي

في حوار مع جريدة "الأهرام" المصرية، عام 2011، قال محمد عبد الملك، ممثل إخوان ليبيا في أوروبا: "كانت الجماعة في غاية الضعف، لدرجة أنّ أكبر آمالنا، قبل شباط (فبراير) 2011، كانت أن نتمكّن من دخول ليبيا على صورة شيء يشبه الجمعية المدنية، "كان ذلك أقصى غايتنا". 

فور حسم الإخوان قرارهم لصالح إسقاط القذافي، شرع إخوان الخارج في نقل السلاح إلى المتظاهرين والميليشيات، بدعم مالي وإعلامي من دولة خليجية وعبر فضائيتها"، التي لم تكن تقبل غير الفيديوهات التي تأتي عبر مكتب إخوان ليبيا في الدوحة، وفق كتاب "بارجيتر".

وفي 17 آذار (مارس)؛ كان القذافي أقرب للقضاء على المظاهرات، لكن بريطانيا وفرنسا وأمريكا تدخلوا، وصدر قرار مجلس الأمن بفرض حظر الطيران فوق الأجواء الليبية، وعارضت الجماعات الإسلامية المتشددة التدخل الغربي، لكنّ جماعة إخوان ليبيا باركت القرار؛ بل وأكّدت أنّه يصبّ في مصلحة حماية المدنيين.

عقب سقوط القذافي بدأت بريطانيا، ومن ورائها إدارة أوباما، في تمكين الإخوان من الوصول إلى السلطة، على حساب القوى الليبرالية، وبفضل هذا الدعم نجحت الجماعة، الأضعف والأقل عدداً بين التيارات الإسلامية كافةً، في الحصول على مقعدين في المجلس الوطني الانتقالي، ونالهما الأمين بلحاج، وعبد الرزاق العرادي، ثم حصلت على حقيبتين وزاريتين في المكتب التنفيذي للمجلس الانتقالي، فتولى عبد الله شامية وزارة الاقتصاد، وسالم الشيخي وزارة الاوقاف.

وفي حوار للأمين بلحاج، القيادي الإخواني، مع الباحثة البريطانية، أليسون بارجيتر، قال لها: "أرادت الدول الغربية أن تضع ثقتها في المجلس الوطني الانتقالي، وبغية الاعتراف به أرادت كياناً يمثل ليبيا، ومن بينهم الإسلاميين".

وفي حوار تلفزيوني، استشهدت به الكاتبة، قال محمود جبريل، عضو المجلس الانتقالي، ورئيس وزراء ليبيا الأسبق: "الغرب لديه فكرة عن أنّ وجود تيار إسلامي معتدل في الحكم في شمال إفريقيا هو الضامن الوحيد والسلاح الأكثر فعاليةً في مواجهة التطرف، هذه الصيغة تبدو مغرية، وبدا أنّها تبعد شبهة عداوة الإسلام عن الغرب".

علقت الكاتبة على المناصب الكبيرة التي نالتها جماعة إخوان ليبيا الضئيلة والضعيفة بقولها: "هكذا آل الأمر بالجماعة، بفضل ضغط القوى الخارجية (بريطانيا وأمريكا)، إلى ضمان حضور لها في البنى السياسية الجديدة في البلاد فاق بكثير نفوذها الفعلي على الأرض".

هكذا ضمنت الجماعة الضعيفة مكانة كبيرة لها في المشهد الليبي، ثم عملت بدعم قطري-تركي، ومن التنظيم الدولي للإخوان، على تعزيز نفوذها، بضمّ أعضاء نافذين محسوبين على التيارات الجهادية إليها، بعد أن طرحت نفسها كممثل عن تيار الإسلام السياسي أمام الغرب.

ويعود الفضل الأكبر في هذا للدور البريطاني، الذي عمل على تشويه القذافي أمام المجتمع الدولي والرأي العام البريطاني بغية التدخل العسكري، وكشف تقرير صادر عن لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم حول دور بريطانيا في تدخل الناتو في ليبيا، في 2011 (صادر في أيلول (سبتمبر) 2016) عن أنّ مقاربة بريطانيا للأزمة في ليبيا كانت متسرعة وغير مدروسة؛ لأنّها لم تستطع التحقق من التهديد الفعلي لنظام القذافي على المدنيين، كما فشلت في تحديد العنصر الإسلامي المتطرف المسلح في التمرد.

بريطانيا ورعاية الإخوان دبلوماسياً

عقب انقلاب الإخوان على حكومة عبد الله الثني الشرعية، في 2014، وطردها من العاصمة، دخلت البلاد في فوضى تامة، فقد رعت بريطانيا والولايات المتحدة مفاوضات الصخيرات التي خرجت باتفاق الصخيرات في 2015، والذي كان بمثابة شرعنة لانقلاب الإخوان على مجلس النواب الليبي، والحكومة الشرعية المنبثقة عنه، ولذلك تحفظت فرنسا على الاتفاق.

قدمت بريطانيا الدعم السياسي لحكومة الوفاق في صراعها مع الجيش الوطني الليبي، ويضيف رضا شعبان لـ "حفريات"، قائلاً: إنّ الدعم البريطاني للإخوان كشف عن نفسه في أربعة مشاريع قرارات قدمتها بريطانيا إلى مجلس الأمن الدولي، خلال الفترة من 4 نيسان (أبريل) 2019 وحتى كانون الثاني (يناير) 2020، مستهدفة استصدار قرار يفضي بتكبيل حركة الجيش الوطني الليبي، لكنّ فرنسا والصين وروسيا رفضت ذلك كلّ مرة.

تتمتع بريطانيا بعلاقات وطيدة مع حكومة الوفاق، التي تهيمن عليها جماعة الإخوان المسلمين، وشهدت العلاقات أوج قوتها أثناء تولي بيتر ميليت منصب السفير البريطاني في طرابلس، وبعد تركه للمنصب لم يتخلَّ الإخوان وميليت عن تحالفهما، فعينته حكومة الوفاق في منصب مستشار لمؤسسة النفط الليبية، التي يترأسها الإخواني مصطفى صنع الله.

وفي لندن أسس ميليت لوبياً يعمل على الدفاع عن مصالح الإخوان، وتثبيط المعارضين للإخوان والمطالبين بالتحقيق في وضع الجماعة من البريطانيين، ورغم الأذى الذي نال بريطانيا جراء إيوائها للإرهابيين الإخوان والجهاديين، إلا أنّها ما تزال تتمسك بهم، رغم المعارضة الشديدة من قوى بريطانية عدة.


الصفحة الرئيسية