باص السينما: أطفال غزة في صحبة الخيال المجنح

باص السينما: أطفال غزة في صحبة الخيال المجنح

مشاهدة

21/09/2021

يتجمّع عشرات الأطفال حول شاشة عرض كبيرة لمشاهدة فيلم كرتونيّ عالميّ، في مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، في مشهد يعيد للأذهان تواجدهم داخل إحدى دور السينما، إلا أنّ هذا المشهد هو الغائب تماماً عن القطاع المحاصر منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.

لكنّ أطفال غزة وأشبالها بات في إمكانهم مشاهدة أفلامهم المفضلة، بعد أن أضحت السينما بين متناول أيديهم، داخل باص متنقل يطلق عليه "باص السينما".

اقرأ أيضاً: صورة البطل "البلطجي" في السينما الأمريكية

ويعيش أطفال غزة يومياً تجربة هي الأولى من نوعها بالنسبة إليهم، بفضل مشروع ومبادرة "باص السينما"، الذي أطلقته "جمعية إنقاذ المستقبل الشبابي" المحلية ، للترفيه عن أطفال القطاع، والتخفيف من حدة الأزمات النفسية التي لازمتهم نتيجة استمرار الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، وذلك عبر أسلوب جديد لم يعهده صغار غزة، وهو بثّ ثقافة السينما فيما بينهم.

يتجوّل الباص يومياً في مناطق قطاع غزة كافة، للتخفيف من معاناة الأطفال، خاصة بعد العدوان الأخير على القطاع، والذي استمر أحد عشر يوماً متواصلاً.

أطفال غزة وأشبالها بات في إمكانهم مشاهدة أفلامهم المفضلة

ويتّسع الباص لحوالي 60 شخصاً، إضافة إلى تخصيص ثلاثة مقاعد لذوي الإعاقة الحركية، وفي داخله شاشة عرض كبيرة لعرض الأفلام الكرتونية والتوعوية بوضوح، وسماعات وأجهزة تكييف، ومزود بطاقة شمسية ليعمل الباص خلال ساعات النهار دون توقف، وكاميرات مراقبة وأجهزة إنذار، وبوابة خلفية لحالات الطوارئ.

وشارك الباص في العديد من المبادرات الثقافية، والرحلات الترفيهية التي تستهدف الأطفال داخل قطاع غزة، ومنذ انطلاق المبادرة تمكّن عدد كبير من الأطفال في مختلف المناطق في غزة من مشاهدة الأفلام المتنوعة، وتلك الفكرة لاقت إعجاب الأهالي، وطالبوا باستمرار تلك المبادرة، وعدم توقفها.

نداء تحقّق حلمها

وتمكّنت الطفلة نداء (11 عاماً) من تحقيق حلمها، ومشاهدة الرسوم المتحركة داخل سينما حقيقة، برفقة عدد من أقرانها  بالحيّ الذي تسكنه؛ فهذا الحدث يعدّ الأول من نوعه بالنسبة لها ولغيرها من الأطفال في غزة.

وحرصت نداء على الجلوس في المقاعد الأمامية للحافلة الجميلة ذات الشكل الفريد والجذاب،  ممسكة بيدها" الفشار" الذي تمّ توزيعه مجاناً من قبل القائمين على المبادرة، لتستمتع بمشاهدة الفيلم الكرتوني المفضّل لديها، وتعيش الأجواء الجميلة.

الطفلة نداء (11 عاماً) لـ"حفريات": تمكّنت من تحقيق حلمي بمعايشة أجواء السينما الجميلة، ومشاهدة الأفلام الكرتونية والتعليمية، فهذه الحافلة تشبه إلى حدّ كبير دور السينما الحقيقية

تقول نداء، لـ "حفريات": "مشاهدة أحد الأفلام داخل دور السينما كانت حلماً بالنسبة إليّ؛ فأنا أشاهد السينما فقط عبر شاشة التلفزيون، فنحن في غزة محرمون من تلك التجربة بسبب إغلاق دور عرض السينما منذ عدة عقود، إضافة إلى عدم تمكننا من السفر نتيجة الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ عدة سنوات".

تجربة فريدة

وبالنسبة لنداء، فإنّ باص السينما تجربة فريدة من نوعها في قطاع غزة؛ إذ "إنني تمكّنت من تحقيق حلمي بمعايشة أجواء السينما الجميلة، ومشاهدة الأفلام الكرتونية والتعليمية، فهذه الحافلة تشبه إلى حدّ كبير دور السينما الحقيقية التي حرمنا منها طوال السنوات الماضية، فنحن في غزة في حاجة إلى مثل تلك المبادرات الجميلة.

أما عبد الرحمن (12 عاماً) فكان يجلس برفقة عدد من زملائه في المكان ذاته، يشاهدون فيلم "الثور الضخم" بمنتهى الاندماج، فهو لم يسبق له زيارة أحد دور السينما، وتلك التجربة هي الأولى بالنسبة له.

باص السينما تجربة فريدة من نوعها في قطاع غزة

ومن جهته يقول منسق المبادرة، محمود الهرباوي، لـ "حفريات": "منذ حوالي ثلاثين عاماً أُغلقت دور السينما في قطاع غزة، ولم تنجح سائر المحاولات لإعادة إحيائها من جديد، والأجيال الجديدة في غزة، خاصة الأطفال، لم يعيشوا تجربة السينما ولو لمرة واحدة، ولا يعرفون عنها شيئاً، ويشاهدونها فقط عبر شاشة التلفزيون، وتعدّ تجربة السينما حلماً بالنسبة إليهم، وذلك نتيجة عدم تمكّنهم من الخروج من القطاع".

سينما بسيطة

وخلال السنوات الماضية نفّذ عدد من المتطوعين تجربة سينما بإمكانيات بسيطة عرضوا من خلالها أفلام الرسوم المتحركة في أحد مخيمات اللاجئين بالقطاع، ولاقت تلك الفكرة استحساناً من قبل الأهالي، الذين طالبوا بضرورة أن تتكرّر تلك العروض وبشكل أوسع، "لذلك جاءت الفكرة، وقرّرنا أن نعمل على تطوير تلك التجربة، وأن يعيش أطفال قطاع غزة أجواء السينما أسوة بأقرانهم في باقي دول العالم".

منسق المبادرة محمود الهرباوي لـ "حفريات": نذهب للأطفال بالقرب من بيوتهم لإدخال الفرح على قلوبهم، ورسم البسمة على وجوههم عبر قاعة سينمائية متنقلة تضمّ سبل الراحة والأمان

هناك عدد كبير من الأطفال في قطاع غزة يعيشون في مناطق فقيرة، ولا توجد لديهم متنزهات وأماكن ترفيهية، ولا يمارسون أية انشطة، سواء ثقافية أو رياضية، ويقضون أغلب أوقاتهم داخل البيوت، "ولهذه الأسباب قررنا أن تكون المبادرة عبارة عن باص متنقل، ونذهب للأطفال بالقرب من بيوتهم لإدخال الفرح على قلوبهم، ورسم البسمة على وجوههم".

و تمّ توفير باص متنقل وتصميمه من الداخل على شكل سينما، على أن تتوافر في داخله مختلف سبل الراحة للأطفال، ليستطيع الوصول  إلى جميع الأماكن في قطاع غزة، سواء إلى مخيمات اللجوء أو المدارس، والمناطق المهمّشة، حتى يتمكن أطفال القطاع من الاستفادة من تلك المبادرة، ويحققوا أحلامهم بمعايشة تجربة أجواء السينما.

وبحسب الهرباوي؛ فإنّهم اختاروا أفلام أنيميشن معينة تتناسب مع الفئات العمرية التي تستهدفها المبادرة، وذلك بهدف نبذ العنف، وتعزيز مفاهيم الحرية والسلام والتسامح داخل المجتمع الفلسطيني.

الراحة والأمان

وبيّن أنّه تمّ استيراد باص خاص لنقل الركاب من الخارج، وبعد وصوله إلى القطاع، وبدأ فريق مختص من المهندسين والخبراء بوضع التصاميم المناسبة، لتحويله إلى قاعة سينمائية متنقلة تضمّ سبل الراحة والأمان.

 اختاروا أفلام أنيميشن معينة تتناسب مع الفئات العمرية التي تستهدفها المبادرة

ويوضح منسّق المبادرة؛ أنّ باص السينما ليس مخصصاً للعرض الداخلي فقط، إنّما هناك عرض خارجي من خلال شاشة عرض كبيرة يتم وضعها خارج الحافلة؛ إذ تأخذ مستوى أكثر في العرض، وتمنح مساحة تكفي لأكثر من 500 شخص يستطيعون مشاهدة الأفلام.

وشهد قطاع غزة، منذ أربعينيات القرن الماضي، افتتاح عدد من دور السينما، منها؛ سينما السّامر، والنصر، وعامر، والجلاء، والسلام، التي كانت تعرض أفلام السينما المصرية، وغيرها من الأفلام، وبعد عام 1987 بدأ إغلاق دور السينما، شيئاً فشيئاً، حتى أغلقت آخر دار لعرض السينما في القطاع عام 1992، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن سكان قطاع غزة من مشاهدة الأفلام داخل دور السينما.



الصفحة الرئيسية