تمكين السلطة الفلسطينية ومحاصرة حماس: قطاع غزة يختنق

تمكين السلطة الفلسطينية ومحاصرة حماس: قطاع غزة يختنق

مشاهدة

24/08/2021

يبدو أنّ احتمال اندلاع حرب جديدة في غزة غير مستبعد بالنظر إلى تضييق إسرائيل الخناق على القطاع بشكل يفوق الوضع قبل الحرب، في ظلّ تعنّت إسرائيل وإصرارها على ربط إعادة إعمار القطاع بعودة 4 أسرى تحتجزهم حركة حماس، مع عدم نجاح الجهود المصرية في إعادة الأوضاع في القطاع المحاصر منذ ما يزيد عن 14 عاماً، إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

وفي 21 أيار (مايو) الماضي؛ انتهى عدوان هو الأعنف منذ عام 2014 بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحّة في غزة، بعد وساطة مصرية بين الجانبين، وخلّفت موجة التوتر، التي استمرت 11 يوماً، إلى مقتل أكثر من 250 فلسطينياً و13 قتيلاً في إسرائيل، وفق أرقام فلسطينية وإسرائيلية رسمية.

وتربط إسرائيل، بحسب مسؤولين لديها، ملفّ إعادة إعمار غزة وإدخال تسهيلات إنسانية إلى القطاع بإعادة 4 جنود إسرائيليين لدى حماس في غزة.

وسبق أن أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، عام 2017، للمرة الأولى؛ أنّها تحتفظ بأربعة جنود إسرائيليين، دون أن تحدّد مصيرهم.

خنق اقتصاد غزة

وما يزال مليونا فلسطيني يعيشون في غزة يواجهون قيوداً إسرائيلية صارمة على دخول البضائع إلى القطاع الصغير؛ وهو ما يتسبّب في ركود اقتصادي كبير يجعل إعادة الإعمار مستحيلة.

ومنعت إسرائيل استيراد المواد الخام ومواد البناء والأجهزة والمعدات الكهربائية، وكذلك المعدات الخشبية والمعدنية والبلاستيكية إلى غزة، وفرضت قيوداً صارمة على الصادرات، ولم تسمح إلا بخروج كميات محدودة من المحاصيل الزراعية والأسماك من القطاع الفلسطيني.

وبحسب وزارة الاقتصاد في غزة، فقد آلاف العاملين مصادر رزقهم في الأشهر الأخيرة، سواء بسبب تدمير المنشآت التجارية والصناعية، أو توقف الإنتاج بسبب الحصار والقيود، فضلاً عن تأثير قيود النقل البحري على حياة الآلاف الذين يعتمدون على العمل في الصيد.

ووفق وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة، دُمّرت حوالي 1800 وحدة سكنية، فيما لحقت أضرار جزئية بحوالي 16800 وحدة سكنية، ومن بين المباني التي طالها التدمير؛ خمسة أبراج، و74 منشأة عامة وحكومية، و66 مدرسة، وثلاثة مساجد.

يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى تقوية السلطة في غزة والضفة وإضعاف حماس، والتضييق عليها، من خلال منح السلطة صلاحية تولّي زمام المبادرة في إعادة إعمار قطاع غزة

وكان استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، بالتعاون مع مؤسسة "كونراد أديناور"، في رام الله، قد بيّن أنّ معركة سيف القدس منحت حركة حماس شعبية وجماهيرية متزايدة، نتيجة خوضها حرباً لا تتعلق بحصار غزة، أو باغتيال أحد قادتها، كما كان الحال في حروب سابقة، وإنما جاء عنوان هذه الحرب هو القدس، ما رفع أسهُم حماس، بين المقدسيين خصوصاً والفلسطينيين عموماً.

لكن مع مرور الوقت، بدا أنّ الكفّة ترجح لصالح السلطة الفلسطينية في المشاورات المحلية والإقليمية والدولية، بمنحها صلاحية إعادة إعمار غزة بعد الحرب، وإدخال المنحة القطرية من خلالها، وليس إلى غزة مباشرة، وهي توجهات جديدة قادتها الإدارة الأمريكية، ولقيت استحساناً إسرائيلياً ومصرياً وأممياً، فيما واجهت رفضاً صارماً من حماس؛ لأنّه يعمل على "تفريغ" إنجازها العسكري من مضمونه، ويسعى إلى ما وصفته بـ "تبهيت" انتصارها الميداني، من خلال حرمانها من استغلال  إنجازاتها العسكرية في ساحة المعركة وتحويلها إلى إنجازات سياسية.

معاقبة غزة على كفاحها

ويرى عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، طلال أبو ظريفة؛ أنّ "إسرائيل تحاول، باستخدام كافة الأساليب، معاقبة قطاع غزة على الدور الكفاحي والنضالي الذي تقوم به المقاومة من مواجهة مع الاحتلال على مدار عقود من الزمن، والتي كان آخرها ما حصل في معركة سيف القدس، في أيار (مايو) الماضي، والتي حقّقت من خلالها المقاومة انتصاراً من شأنه أن يؤسّس لمرحلة جديدة من الصراع مع العدو".

 طلال أبو ظريفة

ويضيف أبو ظريفة، لـ "حفريات": "الحكومة الإسرائيلية الجديدة تحاول أن تستجيب للرأي العام الصهيوني، لتظهر أنّها لا تقل يمينية عن حكومة نتنياهو السابقة، وأنّها ستغيّر من قواعدها في التعامل مع القطاع، من خلال تضييق الخناق على غزة وابتزاز سكانها ومقاومتها، وتدمير الأوضاع الاقتصادية والحياتية بوسائل وأشكال مختلفة، عبر الاستمرار في تشديد الحصار، وإغلاق المعابر، ورفض إعادة إعمار المنازل المدمرة، وكذلك ربط ملف التهدئة بإعادة الجنود الأسرى لدى المقاومة".

ولفت إلى أنّ "هناك تحركات شعبية وجماهيرية للضغط على الاحتلال لتخفيف الحصار"، مبيناً أنّ "استمرار إسرائيل في سياساتها الحالية نحو القطاع قد ينذر باندلاع مواجهة عسكرية جديدة تتحمل دولة الكيان تبعاتها، ما لم يتدخل الوسطاء، تحديداً مصر والأمم المتحدة، للضغط على الاحتلال لفكّ الحصار وتحقيق المطالب الفلسطينية العادلة، والمضي قدماً في ملفّ إعادة إعمار القطاع".

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، طلال أبو ظريفة لـ"حفريات": لا يوجد لدى إسرائيل ما يمنعها من خوض حرب جديدة على قطاع غزة

وتابع أبو ظريفة: "الضغط الإسرائيلي على المقاومة بغزة يهدف لدفعها لتقديم تنازلات تحت ضغط الحصار، إضافة إلى إشغال السكان بالأمور الحياتية، لمفاقمة معاناتهم وإنهاكهم اقتصادياً واجتماعياً"، موضحاً أنّ "اللقاء الوطني الذي سيجمع الفصائل الفلسطينية خلال الأيام القليلة المقبلة، سيبحث الآليات الضرورية التي من شأنها الضغط على الاحتلال، لإيصال رسالة للعالم؛ بأنّه لا يمكن أن نقبل باستمرار هذا الحصار الظالم على أبناء شعبنا في قطاع غزة".

اندلاع مواجهة عسكرية جديدة

بدوره، يقول الكاتب والمحلل السياسي، عصمت منصور، لـ "حفريات": "استمرار الحصار الإسرائيلي على غزة وبقاء الأمور على ما هي عليه على الأرض دون إحداث اختراق جوهري في هذه القضية، ينذر حتماً بنشوب مواجهة عسكرية جديدة بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية".

وتابع: "إسرائيل تريد تغيير قواعد اللعبة وابتزاز الفصائل الفلسطينية، عبر ربط كافة المسارات، كملفّ إعادة الاعمار ودخول الأموال لغزة بإعادة الجنود الأسرى، وهو أسلوب تلجأ إليه الحكومة الصهيونية لتحقيق مكاسب سياسية على الأرض، لتقوية نفوذها وزيادة شعبيتها لدى الرأي العام الداخلي".

عصمت منصور

ولفت منصور إلى أنّ "التهديدات الإسرائيلية لقطاع غزة لا بدّ من أخذها على محمل الجدّ، بعد فشل كافة الجهود على مدار ثلاثة أشهر من تحقيق أيّ تقدم في الملفات العالقة التي تطالب بها الفصائل الفلسطينية بغزة، بالتالي، قد يكون هناك دافع ومؤشر إلى لجوء الاحتلال لشنّ هجوم عسكري على القطاع"، مشيراً إلى أنّه "لا يوجد لدى إسرائيل ما يمنعها من خوض حرب جديدة على القطاع، في حال شعورها بأنّ خطراً ما يهدّد أمن مواطنيها".

إضعاف حماس

ولفت منصور إلى "سعي الاحتلال في الوقت الحالي إلى تقوية السلطة في غزة والضفة وإضعاف حركة حماس، ومحاصرتها والتضييق عليها، من خلال محاولة منح السلطة صلاحية تولّي زمام المبادرة في عملية إعادة إعمار قطاع غزة، وكذلك التحكم في دخول الأموال وغيرها، وهو يأتي أيضاً في ظلّ الرغبة الأمريكية في إحياء دور السلطة من جديد، لإعادة المفاوضات مع الاحتلال، بعد حالة الجمود التي شهدتها خلال فترة الرئيس السابق ترامب".

وبيّن الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني؛ أنّ "حركة حماس تمرّ في مرحلة صعبة لإضعافها وتحجيم دورها، وهو أمر قد يدفع إلى توجّه إقليمي ودولي للضغط على حلفاء الحركة الإقليميين، كتركيا وقطر، لإبعادهم عن دعمها، بهدف تقييد نفوذها، والضغط عليها لتقديم تنازلات في العديد من القضايا، بشروط أقلّ من التي تطرحها المقاومة بغزة".

الصفحة الرئيسية