باحث من موسكو لـ "حفريات": احتمالات الحرب في أوكرانيا كارثية

باحث من موسكو لـ "حفريات": احتمالات الحرب في أوكرانيا كارثية

مشاهدة

07/03/2022

أجرى الحوار: حامد فتحي

بعيداً عن القراءة السطحية للقانون الدولي فيما يتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا، تتطلب الأزمة قراءة تاريخية جغرافية أوسع، ربما تعود إلى قرون في حالة هذه الحرب، لفهم العلاقة الروسية الأوكرانية، ولعقود مضت لفهم هذه العلاقة في إطار الصراع الروسي - الغربي.

فمن زاوية تعدّ هذه الحرب تعدّياً على دولة ذات سيادة، ومن أخرى فالحرب ليست موجهة بالأساس ضدّ أوكرانيا، بل لمن وراءها من حلف الناتو، وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي تدير وجودها وعلاقاتها في أوروبا ليس على أساس المصالح المشتركة معها، بل على أساس صراعها كقطب أوحد في العالم مع دولة روسيا، ولهذا هناك حاجة لقراءة الأزمة في هذه السياقات المتعددة.

وللوقوف على التعقيد والتشابك الكبير لهذه الأزمة، حاورت "حفريات" الباحث المصري أحمد دهشان، وهو باحث في التاريخ والعلاقات الدولية، ويقيم في روسيا الاتحادية.

هنا نصّ الحوار:

هل كان من المحتم دخول روسيا أوكرانيا عسكرياً أم كانت هناك خيارات أخرى؟

بكل تأكيد لا توجد حتمية حروب معينة، كانت هناك خيارات أخرى، لكن المشكلة الكبيرة في المسألة الروسية الأوكرانية أنّها لا تخص أوكرانيا بحدّ ذاتها، وحصرها بين الطرفين هو اختزال شديد لمشكلة أكبر، وأوكرانيا تمثّل قمة جبل جليد الاستفزاز في الصراع بين روسيا والناتو.

تتطلب الأزمة قراءة تاريخية جغرافية أوسع

والهدف الروسي من الحرب أكبر من إقليم الدونباس، وقضية الأمن بشكل مباشر؛ فالناتو موجود على حدودها في بلاد البلطيق، ودول أخرى قريبة، بما يشبه تطويقاً لها، وما لديه من قدرات عسكرية كبيرة تجعل وجوده في أوكرانيا لا يضيف جديداً من ناحية الخطر على الأمن الروسي.

ومن جانب آخر فروسيا نفسها لديها أسلحة تتخطى دفاعات الناتو، بحسب قولها. وبحسب الرؤية الروسية فالمسألة هي فكرة الهيبة والحق، والدفاع عن مساحتها الأمنية الخاصة، فهي لا تنافس الولايات المتحدة على زعامة العالم، ولا تقدم نفسها أنّها تشكل القطب الثاني مع واشنطن في عالم ذو قطبين مثل عهد الحرب الباردة.

لا تريد روسيا احتلال أوكرانيا، وترى أنّها فقدت نفوذها فيها بعد التخريب الغربي ثقافياً فيها، ولهذا تطالب بوضعية الدولة المحايدة على غرار النموذج الفنلندي

وكذلك لا تملك روسيا أيديولوجية معينة تُبشر بها كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الآن. ويقوم المشروع الروسي على فكرة عالم متعدد الأقطاب، يتطلب وجود تفاهم بين القوى العظمى الكبرى، والتي تعدّ روسيا نفسها واحدةً منهم.

ومن هنا ترى روسيا أنّ من حقها التمتع بمساحة ونفوذ خاصين في محيطها الإقليمي، الذي دفعت فيه دماءً، ويعدّ جزءاً من الأمن القومي ومجال النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي لها، كما أنّه يعالج عندها أزمة الديموغرافيا؛ فعدد سكان أوكرانيا 40 مليون نسمة، يتشاركون العرقية السلافية والديانة المسيحية الأرثوذكسية مع الروس.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف في العالم و"النازيون" في أوكرانيا

ويرتبط بما سبق التوجه الروسي نحو إعمار سيبيريا لاستثمار ثرواتها الضخمة وموازنة القوة الصينية التي تشترك في حدود معها؛ لهذا تريد روسيا توحيد العالم السلافي، ليس كوحدة سياسية كاملةً، بل على غرار الاتحاد الأوروبي، وذلك بإقامة اتحاد أوراسي، يمكّنها من توجيه السكان السلاف لتعمير سيبيريا.

لماذا قامت روسيا بعملية عسكرية على أوكرانيا إذا كانت تريدها ضمن اتحاد أوراسي؟

ترى روسيا ضرورة احترام مصالحها، وتعدّ أوكرانيا منطقة نفوذ كاملة، وتريد مقابل تأمين مصالح الغرب في هذه المنطقة، احترام مصالحها بالمقابل، أي التخادم مع الغرب، وتوزيع العالم بينهم.

ترى روسيا ضرورة احترام مصالحها، وتعدّ أوكرانيا منطقة نفوذ كاملة

وضمّ الغرب لأوكرانيا في حلف الناتو سيعني بالنسبة لروسيا إعلاناً من الغرب برفض مبدأ التعددية القطبية، وعدم احترام مجال نفوذها، وأنّه لا يأخذها على محمل الجد. وما يحدث الآن بدأ منذ عام 2003، وتحدث بوتين بوضوح عنه عام 2008، وهو العام الذي شهد الجدل حول دخول أوكرانيا للناتو.

وأوكرانيا حدّ فاصل بين روسيا والغرب، والأخير لا يريد وقف الحديث عن ضمّها، وإن كان لن يضمها، لكنّه إعلان صريح بعدم قبول المعادلة التي تريدها روسيا، وبما أنّه لا يقبل، فكان بحسب الرؤية الروسية لا بدّ من تدخل عنيف يصل بالأمور الى حدّ الهاوية؛ لأنّ وصولها إلى ذلك هو من يقنع الغرب بالدخول في تسوية، وروسيا ترى أنّه مهما قدمت لن يقبل الغرب، فلهذا كان التدخل العسكري حتمياً.

لماذا لم تكتفِ موسكو بالتدخل العسكري في إقليم الدونباس فقط على غرار التدخل في القرم؟

المسألة ليست الدونباس، وحديث موسكو عن حماية الأقلية الناطقة بالروسية ومحاربة النازيين الجدد هي شعارات، والحقيقة أنّ روسيا تُصنف كلّ شخص يرغب في الانضمام للناتو ورفض علاقة خاصة بروسيا على أنّهم نازيون جدد. وأيضاً ليس الهدف ضمّ أراضي أوكرانيا؛ فروسيا لا تستطيع تعمير ربع أراضيها، ولهذا فهي مسألة رفض العرض الروسي بفكرة الاتفاق حول شكل العالم.

اقرأ أيضاً: عشرات المحاربين القدامى الأمريكيين ينضمون إلى جبهات القتال في أوكرانيا

أما الجانب الأمني فهو الأقل ضرراً على روسيا، والمسألة الأكبر هي فكرة تقليص التراكم الذي خلقته روسيا على مدار عهودها التاريخية؛ ثقافياً وعرقياً وتاريخياً، وبالنسبة لروسيا تريد أمريكا الاستحواذ على تاريخ روسيا المتراكم كلّه على مدار 500 عام.

ولهذا فالدخول في الدونباس ليس الهدف الحقيقي، بل هو خطابٌ معلنٌ كمبررات للحرب لتبدو أخلاقية، كما فعلت الولايات المتحدة عند غزوها العراق؛ بذريعة أسلحة الدمار الشامل، ثم بعد ذلك نشر الديمقراطية والحرية.

ما الذي يجعل ضمّ القرم مختلفاً؟

بالنسبة للقرم هي مسألة مختلفة؛ فهي وضعٌ خاص، إذ إنّها المنفذ البحري الوحيد لروسيا على البحر الأسود، وكانت أولوية، وبعد تأمين المنفذ البحري لم تعد المسألة أوكرانيا ولا الدونباس، بل استخدام القوة لإجبار الطرف الآخر على الوصول لتفاهم بعد عجز الدبلوماسية. ولهذا فالحرب على أوكرانيا هي وسيلة لتحريك الموقف وإثبات الجدية بعد 20 عاماً من التحذيرات بدون استجابة غربية، ولا تقدير لروسيا. ولهذا روسيا تقول للغرب إنّه لا حدود لديها لما يمكن أن تقوم به، خلافاً لكل التوقعات والمنطق، وتريد إثبات استعدادها للوصول لآخر مدى، بعد أن بدت أنّها غير جادةٍ بسبب حديثها المتكرر، لهذا أقدمت على عمل قوي لتبين للغرب أنّ الصبر الطويل لم يكن من فراغٍ وعجزٍ، وهي جادةٌ في أن يعرف الغرب أنّها على استعداد لهدم المعبد فوق رؤوس الجميع.

كيف نفهم الإستراتيجية الروسية تجاه أوكرانيا في ظلّ وجود كمّ المعلومات المتضاربة حول ذلك؟

تُفهم رؤية روسيا الإستراتيجية في ظلّ نظامها السياسي، وما يتسم به من غموض من خلال الوسطاء الذين تختارهم السلطة لنقل رؤيتها للباحثين والنخب ومن خلالهم للشعب، وبالنسبة للكرملين فيمكن قراءة إستراتيجيته تجاه أوكرانيا من خلال كتابات عضو مجلس السياسة الخارجية والدفاعية، والرئيس الفخري لهيئة الرئاسة الروسية، الأكاديمي المرموق، وأحد مُنظري السياسة الروسية،  سيرغي كاراغانوڤ.

روسيا تُصنف كلّ شخص يرغب في الانضمام للناتو ورفض علاقة خاصة بروسيا على أنّهم نازيون جدد

وكتب كاراغانوڤ مقالاً بعنوان "عقيدة بوتين"، يبين فيه رؤية الكرملين لأوكرانيا، على أنّها بلد تافه ومفكك وعبء على من له نفوذ فيه، ومضيعة للوقت الاستثمار فيه، وأنّ حديث مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، زبيغنيو بريجنسكي، "بدون أوكرانيا لا تكون روسيا إمبراطورية" لا قيمة له.

ومن حديث كاراغانوڤ، نفهم أنّ أوكرانيا لروسيا هي مشكلة أمنية، والتدخل العسكري جاء لحلّها، وأنّ الهدف هو الحصول على منطقة نفوذ خاصة لروسيا في أوكرانيا، ثمّ تركها للتوجه نحو سيبيريا، التي بلغت الثروات المكتشفة فيها حتى الآن 20 تريليون دولار، وهي كفيلة بجعل روسيا أغنى بلد في العالم، بل في التاريخ الإنساني.

ما الذي تقصده موسكو بنزع سلاح أوكرانيا؟ وما هي وضعية الدولة المحايدة؟

لا تريد روسيا احتلال أوكرانيا، وترى أنّها فقدت نفوذها فيها بعد التخريب الغربي ثقافياً فيها، ولهذا تطالب بوضعية الدولة المحايدة على غرار النموذج الفنلندي، ويعني ذلك توقيع اتفاقية مع أوكرانيا بضمانات غربية ومن الناتو والولايات المتحدة، على أن تكون أوكرانيا ذات جيش دفاعي ودون قوة نووية ولا تمتلك أسلحة هجومية، مع فيتو روسي على التسليح الأوكراني، ومقابل ذلك تحترم روسيا سيادتها ولا تتدخل في شؤونها مثلما فعلت مع فنلندا منذ توقيع اتفاقية معها، عام 1948، بضمانات غربية؛ لهذا لم تنضم فنلندا إلى الناتو، ولم تهاجمها روسيا السوفيتية مطلقاً.

اقرأ أيضاً: هل يشارك مرتزقة أردوغان في سوريا في القتال إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا؟

ولن يتحقق ذلك دون ضغط غربي على كييف، ولتحقيق ذلك رأت موسكو ضرورة العملية العسكرية، لتضع الغرب أمام خيارين؛ إما أوكرانيا مُحتلة، أو بلد حرّ محايد، وبعد ذلك إذا أرادت أوكرانيا الانضمام للاتحاد الأوروبي فهي حرة.

كيف يرتبط ذلك بالتوجه الروسي نحو سيبيريا؟

لا تريد موسكو أن يجعل الغرب أوكرانيا خنجراً مسموماً في ظهرها أثناء توجهها نحو الشرق الأقصى، ولهذا حدها الأدنى من المطالب هو وضعية الدولة المحايدة، وترى أنّه بعد تحقيق ذلك، سينفض الغرب عن أوكرانيا، وستصبح الوعود بالاتحاد الأوروبي والدعم سراباً.

وبعد ذلك سيكتشف الشعب الأوكراني أنّه قدم تضحيات كبيرة، ولم يحصد شيئاً، وسيتغير تجاه موسكو، التي لديها فرص كبيرة للتعاون الاقتصادي، وفوائد كبرى للشعب الأوكراني.

تحدثت في كتاباتك عن تغير الرأي العام الأوكراني ضدّ روسيا ما بعد عام 2014، هل كانت موسكو على وعي بذلك؟

هذا أمرٌ محير، ويشير إلى فرضيتين لا يخرج عنهما؛ إما أنّه بسبب طول عهد بوتين في الرئاسة وعزلته عن الآخرين، جعل البطانة تقول له ما يرغب، وبعض الأحيان من كثرة ترديد الدعاية الروسية مقولة الشعب الأوكراني معنا، والناطقون بالروسية يعانون، جعلت الكرملين يصدق ذلك، وهذا أمر استبعده.

قد يكون نمط الحرب الجارية عالميةً فهناك عقوبات على روسيا، ترقى إلى وصفها بالحصار والعزل شامل، والجانب الآخر أنها أول حرب في قلب أوروبا منذ عام 1945

والفرضية الثانية أنّ روسيا فقدت الأمل في أوكرانيا، بمعنى أنّها وصلت إلى قناعة باستحالة اجتذاب الأوكرانيين بالقوة الناعمة، ولهذا لم يعد تأييدهم مهماً، فهناك هدف أسمى من فكرة الشعب والعلاقات التاريخية والاجتماعية، وهو هدف يبرر سقوط الضحايا.

 وكيف أثّر ذلك على عمليتها العسكرية؟

هناك رأي لعسكريين روس أنّ العملية العسكرية في أيامها الأولى لم تكن أكثر من مناورة بهدف استكشاف مدى إمكانية هروب القيادة الأوكرانية، وجسّ النبض حول ردّ فعل الشعب الأوكراني، وفهم ردود الأفعال في الداخل الروسي والأوكراني وفي الغرب، بمعنى أنّ الروس كانوا يجمعون البيانات استعداداً للعملية الأساسية.

ويدعم ذلك الاختلاف الذي طرأ على العملية، منذ الإثنين، 28 شباط (فبراير) الماضي، فقبله كان عدد القوات الروسية التي دخلت أوكرانيا 40 ألف مقاتل، وبعده وصل العدد إلى 100 ألف جندي.

كيف ينظر الشعب الروسي إلى العملية العسكرية؟ وما حجم الأصوات المعارضة للحرب؟

يمكن القول بكل ثقة إنّ 90% من الشعب الروسي كانوا ضدّ الحرب على أوكرانيا في بداية العملية، وذلك لأنّ أوكرانيا ليست مجرد دولة جارة، أو تمتلك العرق والديانة نفسيهما، بل إنّ أوكرانيا في وجدان الروس هي روسيا.

ولو أراد أحد إلغاء أوكرانيا من قصة روسيا فمعنى ذلك أنّه سيلغي 60% منها؛ ففي الأدب لا تخلو رواية من ذكر للمدن الأوكرانية، وكانت كييف عاصمة الإمارات الروسية.

بسبب طول عهد بوتين في الرئاسة وعزلته عن الآخرين، جعل البطانة تقول له ما يرغب

ولا توجد أسرة روسية ليس لها قريب له جذور أوكرانية أو علاقة مصاهرة، ولا يعني ذلك أنّ الروس يؤمنون بحق أوكرانيا كدولة مستقلة، يمكنها الانضمام للناتو، فلا أحد في روسيا يعتقد ذلك إلا قلة لا تفقه في السياسية، وحتى المعارض الروسي، نافالني، لا يعتقد ذلك. والخلاف حول طريقة التعامل مع أوكرانيا، وبالنسبة لكثير من الروس الحرب هي قتل لإخوانهم، وهو ما انعكس على العملية العسكرية؛ حيث حرص موسكو الشديد على تجنّب وقوع ضحايا بقدر الممكن.

وهل تغير الرأي العام الروسي لاحقاً؟

نعم تغير كثيراً، بسبب العقوبات الغربية العنيفة التي طالت الشعب، وحملات الكراهية العالمية، ما جعل الروس يدركون أنّ العداء لهم ليس بسبب أوكرانيا فقط، بل كراهيةً لهم، ولهذا خفتت حدة المعارضة للحرب.

لماذا تريد موسكو تغيير النظام السياسي في أوكرانيا؟

هذا هدف مؤكد ومُعلن؛ يفترض الروس أنّ النظام السياسي بعد إطاحة الرئيس المنتخب فيكتور يانوكوفيتش، عام 2014، غير شرعي، أقامته أقلية تصفهم بالنازيين الجدد.

ولدى موسكو نقمة شديدة على الرئيس الحالي زيلينسكي؛ لأنّه في البداية كان لديه مشروع لإحلال السلام معها، ولكنّه تراجع بتحريض من الغرب، وظل يماطل الروس حتى رحيل إدارة ترامب، وتنصيب إدارة بايدن. ويرى الروس أنّه خدعهم، ولهذا لم يقابله بوتين، ويريدون استبداله بسلطة موالية، أو على الأقل غير عدائيةٍ تجاههم.

ما هي توقعاتك لأمد الحرب، خصوصاً بعد وصول المعارك إلى داخل المدن؟

هذه الحرب ستتوقف عندما تصل إلى تسوية، بحدّها الأدنى أنّ تصبح أوكرانيا دولة محايدة، وتعلن الحكومة الأوكرانية بوضوح تخليها عن رغبتها بالانضمام للناتو، مع تعهد غربي يضمن ذلك.

الاحتمالات كلها مفتوحة؛ فهذه الحرب قد تكون بدايةً لحربٍ عالمية ثالثة

ولكن متى سيحدث ذلك، لا أحد يعلم. وفي النهاية دخلت روسيا الحرب مع ما تحملته وستتحمله من تكاليف بشرية ومادية واقتصادية لأجل هذه الأهداف بالحد الأدنى، فإن لم تحصل عليها لن تنتهي الحرب؛ لأنّ الانسحاب من أوكرانيا دون تحقيق ذلك سيؤدي إلى تغيير السلطة في موسكو، في حادثة مشابهة بهزيمة روسيا القيصرية في حربها ضد اليابان، عام 1904، والتي أدت إلى ثورة 1905، والتي كانت مقدمة لثورة 1917.

وعلى أية حال الوجود الروسي ذهب ليبقى إلى حين تحقيق هذه الأهداف، ولا يمكن أن يخرج دون الحصول عليها، إلا بخروج بوتين من السلطة، لكن ربما يخلفه الراديكاليون.

هذه الحرب مفتوحة، ولا توقيت محدد لها، لأنّ الأهداف منها مرتبطة بعدة أطراف، كييف وبروكسل وواشنطن والناتو، وهم غير متفقين، وإن كانت الكلمة العليا لواشنطن. ما هي توقعاتك للمحادثات الروسية الأوكرانية؟

لن تفضي المحادثات إلى شيء، وهدفها كسب الوقت من الطرفين؛ لأنّ الحكومة الأوكرانية لا تستطيع اتخاذ قرارات واضحة، ولا الاستجابة لطلبات روسيا، رغم أنّ زيلينسكي تحدث عن احتمال بحث وضعية الدولة المحايدة.

اقرأ أيضاً: هل أصبح الاتفاق النووي مع إيران وشيكاً.. ما علاقة الأزمة الأوكرانية؟

لكنّ روسيا تريد ضمانات من الغرب وليس كييف فقط؛ فهل الغرب مستعد لتلبية ذلك الآن؟ لا، وإلا كان استجاب لها من البداية، وربما تنتج المحادثات أمور تقنية مثل قواعد الحرب وتبادل الأسرى فقط.

ما هو تقديرك لتأثير العقوبات الاقتصادية الغربية على الاقتصاد الروسي؟

توقعت موسكو عقوبات غربية، وكان الحديث ينحسر حول عقوبات على شخصيات عامة واحتمالية رفع نظام السويفت، لكن لم تتوقع هذا الحجم الضخم من العقوبات، الذي شكل صدمةً كبيرة لدى الرأي العام الروسي والسلطة، وربما جاء بأثر عكسي؛ إذ خفتت حدّة المعارضة الشعبية للحرب، لأنّهم يرون في هذه العقوبات استهدافاً لروسيا وشعبها وعداء كبيراً، وليس بسبب الحرب على أوكرانيا.

برأيك.. ما هي الخطوات المقبلة لواشنطن وأوروبا تجاه موسكو؟

الاحتمالات كلها مفتوحة؛ هذه الحرب قد تكون بدايةً لحربٍ عالمية ثالثة، إن لم تكن قد بدأت، والبعض يرى ذلك مبالغةً لأنّه يقيس على الحربين العالميتين السابقتين، دون إدراك لتغير الزمن والنظام العالمي بعد الحرب الباردة، والذي منح لأمريكا الهيمنة على الأموال والاقتصاد والتكنولوجيا والمصارف.

وقد تكون نمط الحرب الجارية عالميةً لكن بدون النمط المتعارف عليه؛ فاليوم هناك عقوبات على روسيا، ترقى إلى وصفها بالحصار والعزل شامل، والجانب الآخر من وصف العالمية أنّ كلّ طرف وراءه حلفاء، وهي أول حرب في قلب أوروبا منذ عام 1945، وحتى حرب يوغوسلافيا لم تكن بمثل هذا الزخم ولم تشهد اجتياحاً برياً.

وماذا عن الاحتمالات أمام موسكو تجاه الحرب وتبعاتها؟

كل الاحتمالات مفتوحة. والسؤال هو: هل روسيا لديها قابلية أو تفكر حتى بأن تقفل باب الحرب نتيجة الضغوط والضحايا؟ قولاً واحداً لا؛ لأنّ الهزيمة الروسية تعني نهاية النظام الحاكم، وبوتين لن يذهب وحده بل كلّ من حوله.

اقرأ أيضاً: بينهم مصريون وأردنيون... روسيا تتهم أوكرانيا باستخدام آلاف الأجانب كدروع بشرية

والأخطر من ذلك أنّ روسيا قد تدخل في عصر من الاضطرابات الداخلية، ربما يؤدي إلى صعود التيارات الراديكالية التي تتبنى خيار المواجهة المطلقة مع الغرب.، وربما تدخل في حالة  فوضى، ولنا أن نتخيل بلد بمساحة أكبر من 17 مليون متر مربع و220 قومية، وستة أديان، مع مجموعة مختلفة من المذاهب، وأكبر ترسانة أسلحة نووية وكيميائية، وثاني أكبر ترسانة من الأسلحة التقليدية، وأسلحة خفيفة لا متناهية العدد، وثروات ضخمة، فكيف ستكون حجم الفوضى وما هو تأثيرها على العالم؟ ربما يحدث شيء جنوني.

وحتى فكرة تقسيم روسيا غير قابلة للتحقيق؛ فمن يقسمها ومن يملك القدرة على ذلك، وهناك مخاطر كبيرة جداً جداً واردة، وهذه المواجهة مفتوحة على كل الاحتمالات.

إذاً كيف نفهم تلويح بوتين بالخيار النووي؟

لا أعتقد أنّ هذا مبالغةً، لأنّ نظام بوتين لو واجه مرحلة كسره وإذلاله، وخروجه من أوكرانيا بشكل مهين بدون الحصول على شيء فستكون كل الاحتمالات مفتوحة، ولا ننسى أنّ ما يحدث كله غير منطقي.

وأياً كانت الخسائر فلن يبالي الكرملين ما لم يحصل على الحد الأدنى من مطالبه، وربما يقبل بالتنازل عن مطلب الاعتراف الأوكراني الغربي بسيادة روسيا على القرم، لكن مع القبول بهذه السيادة كأمر واقع، وغير ذلك فكل الاحتمالات مفتوحة وكارثية.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية