بأي سلام نحتفي في يومه العالمي؟

بأي سلام نحتفي في يومه العالمي؟

مشاهدة

01/10/2019

في 21 أيلول (سبتمبر) الماضي احتفل العالم بيوم السلام العالمي، في ظل الخراب الذي تشهده بلدان العالم الثالث التي يخيم عليها الجوع والبؤس والنزاعات المسلحة، إضافة إلى النزاعات السياسية والدينية والاجتماعية؛ في مشهد ساخر من مدلول هذه القيمة السامية التي يفترض أن تعني نفي ما تشهده هذه المجتمعات وغيرها؛ نفي للحرب، ونفي للعنف، ونفي للفقر والجوع والجهل والمرض.

اقرأ أيضاً: توكل كرمان: بيدق في لعبة السياسة أم حَمامة سلام؟
ومنذ أيام قليلة، نبش أهالي بلدة "عاصون" اللبنانية، قبر طفل "سوريّ" الجنسية، بحجة أنّ المقبرة لا تتسع إلّا لأموات أهالي البلدة. تلك الجريمة الجماعية، ليست إلّا جريمة سياسية، اجتماعية، دينية، طائفية، تحمل كل معاني التعصب والعنف والكراهية، التي لا تقتصر على الأحياء؛ بل تتعداهم إلى الأموات.

الأفعال العنيفة ضد الإنسان والإنسانية لا تمثّل إلّا انهياراً أخلاقياً للعالم وغياباً للعقل

ومنذ أيام قليلة أيضاً، شهدت مدينة أضنة الجنوبية، التي كانت مقراً لاتفاق بين سوريا وتركيا في العام 1998، ضجة كبيرة في خلال عطلة نهاية الأسبوع، بسبب الاستفزازات التي شهدتها المدينة؛ فاعتقل أكثر من 110 مواطنين أتراك لمهاجمتهم منازل ومتاجر سورية، ولإشعال الكراهية بين الجمهور.
"أضنة التي يشكل السوريون 10 في المئة من سكانها أصابها الجنون ليل 19 أيلول (سبتمبر)، بسبب أنباء مزيفة عن صبي تركي يبلغ من العمر 11 عاماً تم الاعتداء عليه جنسياً من قبل لاجئ سوري. في الواقع، كان مرتكب الجريمة مواطناً تركياً، كما أكدت المحافظة، لكن المحرضين لم يستمعوا إليها، وفقاً لجمعية حقوق الإنسان، تعرض 162 متجراً و12 سيارة مملوكة للسوريين لهجمات. ... "1.

اقرأ أيضاً: ترامب يُشكّك بنزاهة جائزة نوبل للسلام
ولو مضينا في تعداد ويلات الحروب والنزاعات، والحوادث الدالة على انتهاك حقوق الإنسان وهدر كرامته، في مختلف بلدان العالم، المتقدمة منها والمتأخرة، لتبين لنا أنّ البشرية لم تجد بعد طريقها إلى سلام دائم وشامل، كان ولا يزال يراود أحلام الفلاسفة والمصلحين؛ ولا يبدو أنّها ماضية في هذا السبيل؛ بل لعلها تنتكس، في غير مكان إلى أسوأ ما في ماضيها، وتحتكم إلى غرائزها و"مصالحها" العمياء بدلاً من عقولها وقيمها.
فإنّ مثل هذه الأفعال العنيفة ضد الإنسان والإنسانية، لا تمثّل إلاّ انهياراً أخلاقياً للعالم، وغياباً للعقل، الذي يميّز الإنسان عن الحيوان، وتعبر، من ثم، عن ضمور القيم المدنية وتبلد المشاعر والأحاسيس الإنسانية، وعن رفض قاطع للآخر المختلف سواء أكان هذا الآخر حياً أو ميتاً ثانياً.

ويلات الحروب والنزاعات وحوادث انتهاك الإنسانية تبين أنّ البشرية لم تجد بعد طريقها إلى سلام دائم وشامل

في ما يخص الحادثين المذكورين، فإنهما لا يعبران، مع سلسلة طويلة من حوادث لا تقل همجية، عن مجرد كراهية أو عنصرية ضد اللاجئين السوريين، بل تعبر بصورة رئيسية عن كراهية اللبنانيين للبنانيين "ليسوا مثلهم" أيضاً، مثلما تعبر في الجانب التركي عن تحول الخلافات السياسية إلى عداوة.
كل من قرأ خبر نبش قبر الطفل السوري على شبكات التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام المكتوبة والمرئية، بما فيها التلفزيون السوري، شجبه واستنكر ذاك الفعل على أنّه فعل غير إنساني، وكأنّ وسائل الإعلام السورية، التي تضخ الكراهية ليل نهار، بريئة مما حصل!
أعرب رئيس القسم الديني في دائرة أوقاف طرابلس، "فراس بلوط"، عن أسفه لهذا التصرف، وأصدر بياناً أعلن فيه أن "نبش" القبور مرفوض جملة وتفصيلاً، لكن تلبيسه لباساً فتنوياً أمرٌ مرفوض أيضاً. وأضاف: "لنتذكر جميعاً أن ساحتنا العامة والخاصة لا ينقصها تفجيرات وهمية جديدة". أما إحدى المغردات اللبنانيات فقالت: سبق لطفل سوري أن دُفن في مقبرة عاصون، ويبدو أن دفنه كان إرضاءً لأهله أو ديّة؛ لأن الطفل مات دهساً بسيارة لبنانية، بينما اكتفت بعض المواقع والصحف الالكترونية بنقل الخبر مع تعليقات بسيطة تحيل الفعل على النزاع السياسي فقط.

اقرأ أيضاً: باكستان والهند.. هل هناك بريق أمل للسلام؟
ليس بوسع إنسان أن يهين طفلاً أو امرأة أو رجلاً، وليس بوسع إنسان أن يعذب إنساناً آخر أو يقتله، إلا بعد أن يجرده من جميع خصائصه الإنسانية، ليغدو مستحقاً للإهانة أو التعذيب أو القتل، كما لاحظ الباحث في علم الاجتماع ألبير ميمي، ولكن الشخص الذي يفعل ذلك لا يدرك أنه يتجرد هو نفسه من خصائصه الإنسانية، وينتكس إلى مجرد حيوان (عاقل)، ولكنه ليس أخلاقياً؛ لأن العقل وحده لا يتجه بالضرورة نحو الخير والحق والجمال، حسب تعبير الباحث السوري جاد الكريم الجباعي.

بأي سلام نحتفي في يوم السلام العالمي، بسلام القبور الذي ينتظرنا أم بسلام نبش القبور الذي يهدر إنسانيتنا؟

إنّ الفعل الذي نحن بصدد الحديث عنه؛ هو قتل آخر، وطريقة أخرى في التعذيب بعد الموت، إنه تمثيل حقيقيّ بجثة طفل سرقت طفولته الحرب، كما سرقت من أهله الكرامة الإنسانية والعيش بسلام الذي هو حق طبيعي لكل إنسان في هذا الكون.
لا يمكن لأحد أن يمارس عنفاً قد يبلغ درجة القتل والمجازر الجماعية، إلا إذا كان ينظر إلى الآخرين (المختلفين) على أنّهم أدوات لسلطته ووسائل لتحقيق غاياته؛ أي على أنّهم حيوانات أو أقل من ذلك. هكذا ينظر القادة المتسلطون إلى "الجماهير" والحكام إلى الرعايا، فيتحول الحكام أنفسهم إلى حيوانات مفترسة أو آلات فتاكة، لأن تشييء الإنسان أشد وطأة من حيونته.
فالحروب التي يعلنها القادة والزعماء ويشنونها، إنما هي لتحقيق أهدافهم الشخصية ومصالحهم الخاصة. ولكن ".. هذه الأهداف والمصالح تصل إلى الأفراد بطريقة خاصة، تجعلهم مستعدين للقتل من أجلها في الميدان. غير أن استعدادهم لهذا القتل لا ينتهي عند استعدائهم على الخصم لقتله أو إيقاع الهزيمه به، بل يمتد إلى قتل الجريح والأعزل والمستسلم ثم المدني المسالم، ما يمكن تلخيصه بالرغبة في إبادة الآخر إبادة نهائية"2
نتساءل ما الدوافع الكامنة وراء هذا النكوص الإنساني أو الانهيار الأخلاقي، الذي يدفع الإنسان إلى القيام بمثل هذه الأفعال المشينة؟ وبأي سلام نحتفي في يوم السلام العالمي، بسلام القبور الذي ينتظرنا أم بسلام نبش القبور، الذي يهدر إنسانيتنا؟


هوامش:

1-  عن الكاتبة التركية عائشة كربات، موقع المدن، على الرابط: https://www.almodon.com/opinion/2019/9/25/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B2%D8%AD%D9%88%D9%86-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AD
2- راجع/ي ممدوح عدوان، حيونة الإنسان، ص 25

الصفحة الرئيسية