انشقاقات الإخوان: ليست أول مرة.. فكيف يستمر التنظيم؟

انشقاقات الإخوان: ليست أول مرة.. فكيف يستمر التنظيم؟


10/02/2022

عاصفة الانشقاقات التي تعصف بجماعة الإخوان المسلمين الآن ليست المرة الأولى في تاريخها؛ فاللافت أنّها منذ بداية تأسيسها في الإسماعيلية العام 1928 وحتى اليوم، شهدت العديد من الانشقاقات ومغادرة التنظيم سواء بشكل فردي أو جماعي، سواء استقالةً أو إقالةً، ومع اختلاف الأسباب وتعدد المرشدين واللوائح، يظل الثابت قابليتها للانشقاق والخروج عنها، مع قدرتها على تجاوز تلك الأزمات وإعادة ترتيب صفوفها.

اقرأ أيضاً: هل هيكلة جماعة الإخوان يعني تفتيتها أم تدجينها؟

تاريخياً تعرضت الجماعة للعديد من الانشقاقات منها 4 في حياة المؤسس حسن البنا، والبداية كانت في الإسماعيلية عندما انشق عدد كبير من أعضاء الجماعة، ووصل الخلاف إلى النيابة والقضاء، وكادت تتفتت لولا أن غادر البنا الإسماعيلية إلى القاهرة، ثم انشقت مجموعة أحمد رفعت في القاهرة العام 1937، وبعدها مجموعة شباب محمد العام 1939، ثم قام البنا بفصل قيادات كبرى في الجماعة هم: أحمد السكري، وحسين عبد الرازق، وكمال عبد النبي، ثم قام الدكتور إبراهيم حسن عضو مكتب الارشاد وقتها بتقديم استقالته اعتراضاً على فصل المذكورين.

وفي عهد المرشد الثاني قامت الجماعة بفصل العديد من القيادات لأسباب مختلفة؛ منهم أحمد حسن الباقوري، وعبد الرحمن السندي، وأحمد عادل كمال، وأحمد زكي حسن، ومحمود الصباغ، والشيخ محمد الغزالي السقا، والأستاذ صالح عشماوي، والشيخ سيد سابق، كما ابتعد الأستاذ محمود عساف مسؤول جهاز جمع المعلومات (مخابرات الإخوان) وعبد الرحمن الساعاتي (البنا) شقيق المؤسس.

تاريخياً تعرضت الجماعة للعديد من الانشقاقات منها 4 في حياة المؤسس حسن البنا

وفي عهد المرشد الثالث عمر التلمساني استقال القيادي التاريخي فريد عبد الخالق اعتراضاً على سيطرة رجال التنظيم الخاص على الجماعة، فضلاً عن استقالة الشيخ عبد الستار فتح الله سعيد من مكتب الإرشاد.

وفي عهد المرشد الرابع محمد حامد أبو النصر ابتعد المستشار صالح أبو رقيق، وتم فصل عدد كبير من الإخوان من أبناء جامعة الأزهر، وعلى رأسهم مسؤول المكتب الإداري الدكتور محمد رشدي، وكذلك مجموعة حزب الوسط بقيادة المهندس أبو العلا ماضي عضو مجلس الشورى العام، وعدد كبير من القيادات المهنية بالجماعة.

 

اقرأ أيضاً: إحياء نشاط الإخوان في تركيا.. أين ذهبت وعود المصالحة؟

وفي عهد المرشد مصطفى مشهور استقال الدكتور ثروت الخرباوي، وجمد نفسه الأستاذ مختار نوح القيادي النقابي المعروف، والدكتور أحمد ربيع الغزالي المحامي المعروف. وفي عهد المرشد مهدي عاكف استقال الدكتور سيد عبد الستار المليجي نقيب العلميين، كما شهد عاصفة من الاعتراضات لمخالفة مكتب الإرشاد لبعض اللوائح اعترض عليها الدكتور إبراهيم الزعفراني.

وفي عهد المرشد الثامن محمد بديع استقال نائب المرشد دكتور محمد حبيب، والمتحدث الرسمي للجماعة في أوروبا الدكتور كمال الهلباوي، وتم فصل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وأكثر من مئة وخمسين شخصاً من المؤيدين له، كما تم فصل العديد من الشباب الذين شاركوا في ثورة "25 يناير" بدون إذن الإخوان، أو ما عرفوا فيما بعد بشباب التيار المصري، كما استقال عدد كبير من إخوان الإسكندرية وحاولوا تكوين حزب النهضة، وفي عهد القائم بالأعمال محمود عزت انشقت مجموعة محمد كمال، وفي عهد القائم بالأعمال إبراهيم منير انشقت مجموعة الستة بقيادة محمود حسين.

مبررات الخارجين من الجماعة أو المبتعدين عنها العامل المشترك والمتكرر يعود لأسباب إدارية وتنظيمية

بهذا العرض السريع لحالات الخروج من الجماعة، ومن خلال وثائق وأدبيات الإخوان التي ترصد مبررات الخارجين منها أو المبتعدين عنها نكتشف أنّ العامل المشترك والأهم والمتكرر يعود للأسباب الإدارية والتنظيمية: متمثلة في استبداد القيادة بالرأي، وعدم وجود قنوات أو مؤسسات شورية، وشيوع مفاهيم القيادة الفردية، وغياب الشفافية وانعدام الدور الرقابي في الجماعة، واستبدال المؤسسية بالفردية والاكتفاء بثقة الأفراد في القيادة، وخضوع الصف للسمع والطاعة، ممّا يُعدّ بيئة خصبة لنمو النزعة الاستبدادية والسلطوية عند القيادة، والتنازع فيما بينهم للحصول على المنصب.

 

اقرأ أيضاً: معلومات جديدة حول أكاديمية الإخوان في إسطنبول.. ما علاقة حماس؟

أما العامل الثاني فيتمثل في الأسباب فكرية: الجماعة لم تشهد خروجاً جماعياً بسبب الفكرة غالباً، حتى أنّ خروج مجموعة أحمد رفعت وشباب محمد ومجموعة شكري مصطفى في الستينيات ومجموعة محمد كمال في 2014، كان بالأساس حول توقيت تطبيق الفكرة ووسائلها وليس حول الإيمان بها، إلا أنّ هناك انسحابات كثيرة من صفوف الإخوان تعود للاختلافات الفكرية سواء بالمطالبة بمزيد من التشدد أو المطالبة بمزيد من المؤسسية والتجديد في الفكرة، غير أنّها تمت بشكل فردي واقتناع خاص وخروج هادئ، هذا النوع من الخروج يصعب حصره وتأطيره.

ثم يأتي العامل الثالث وهو الأسباب الأخلاقية ففي بعض الحالات كان تدهور السلوك الأخلاقي لدى القيادة سبباً في انفصال أو اعتراض عدد كبير من الإخوان، سواء كان سوء الخلق مرتبط بالذمة المالية أو العلاقات النسائية، مثل استقالات عدد كبير من شعبة عابدين على إثر ممارسات سكرتير الجماعة عبد الحكيم عابدين.

 

اقرأ أيضاً: فصل مصطفى طلبة... ما مآلات قرار عزل مرشد إسطنبول؟

إنّ تعدد الخارجين من التنظيم لا يمكن اعتباره شكلاً من أشكال الحيوية، ولا دليلاً على صحة الطريق، بل يؤكد على خلل تنظيمي سيعمل على طرد قيادات إخوانية في كل مرة، فالسمة الغالبة على الأسماء السابق ذكرهم أنّهم أمضوا عشرات السنوات مع الجماعة وساهموا في بنائها، ثم أبعدتهم أو خرجوا منها، والملاحظ أيضاً قيام الإخوان باغتيال الخارجين عنها معنوياً وملاحقتهم بالشائعات، حتى انزووا عن العمل العام وتركوا الساحة، واستخدم التنظيم قصصهم للعبر والعظة لمن تحدثه نفسه بتكرار الخروج أو الانشقاق.

لماذا تستمر الجماعة إذن؟

غير أنّ السؤال الأهم الذي يطرح نفسه وبقوة، إذا كانت هذه هي الأسباب التي أدت وتؤدي وستؤدي في المستقبل لمزيد من الخروج والانشقاق، فلماذا تستمر الجماعة وما هي العوامل التي تجعلها تخرج من كل أزمة، وتعيد تنظيم صفوفها ومعاودة التجنيد من جديد؟

بالبحث الدقيق في تاريخ الجماعة نكتشف أنّها قامت ببث أفكار صنعت ستاراً تنظيمياً جعل من الصعوبة هدم الإخوان بالانشقاق عنها مثل: التمركز حول التنظيم: منذ النشأة وأعضاء الجماعة يلتفون حول التنظيم وقيادته، وذلك لأسباب تعود لنمط التربية التي يتلقاها العنصر الإخواني داخل الجماعة، والتي تفرض عليه السمع والطاعة والتغاضي عن الممارسات اللاأخلاقية التي تقع من بعض القادة بغرض الحفاظ على التنظيم الذي يوفر للفرد حاجته للانتماء.

من الملاحظ أنّ كثيراً من الذين يصلحون لقيادة الجماعة يتم تصفيتهم بشكل أو بآخر

 تصفية المنافسين على القيادة: فمن الملاحظ أنّ كثيراً من الذين يصلحون لقيادة الجماعة يتم تصفيتهم بشكل أو آخر، ويبقى الصف يعاني من عدم وجود أصحاب الخبرة ويتقبل أنصاف المفكرين، فلا يعمل أي نقد ذاتي أو يسمع لأي رأي مختلف، فيتمكن الإخوان من صنع حالة متماسكة من أعضاء لا يفكرون.

تهديد المخالفين بعدم الإنفاق عليهم: يسمح التمويل الكبير والمتعدد بفرض وصاية على الأفراد عبر تهديد الخارجين عنهم والمنتمين لجبهات أخرى بعدم الإنفاق عليهم وعلى أسرهم أثناء الأزمات والحبس مدداً طويلة، مما يعد سبباً في منع انهيار التنظيم ولو بشكل مؤقت.

الانحياز إلى الشرعية القيادية: صنع الإخوان من طقوس البيعة ركيزة لضمان عدم انحياز الأطراف المتصارعة إلا للذي قُدّمت له البيعة؛ فمهما كان الطرف الممسك بزمام التنظيم الانتصار في النهاية للقيادة الشرعية الرسمية.

مركزية الأفكار الإسلاموية في الدور الوظيفي: تصنع الفكرة الإسلاموية التي هي أساس نشأة الجماعة والسبب الرئيسي لانضمام الأفراد إليها ستاراً كثيفاً، وحاجزاً منيعاً ضد الخروج من الجماعة؛ حيث يؤمن الأفراد أنّ وجودهم هو تكليف من الله لهم، وتركها والانفصال عنها انفصال عن تكاليف الله.

الارتباط بالمصالح الاقتصادية حال دون خروج العديد من الإخوان تنظيمياً أو إعلان موقفهم الفكري من الجماعة

تلوُّن الخطاب الإخواني: رغم أنّ خطاب الإخوان يبدو إسلاميّاً، إلا أنّه يتلون بتلون المرحلة؛ فهو إسلامي سياسي، أو إسلامي تنظيمي، أو إسلامي جهادي، وإسلامي دعوي، وإسلامي خيري،  إسلامي ثقافي... هذا التلون أعطى مرونة في الانتقال من مربع إلى غيره، وقلّل من فرص الانشقاق.

امتلاك التمويل: يعد امتلاك التنظيم لمصادر تمويل متجددة ومتدفقة وثابتة سبباً قوياً في بقاء التنظيم حيويّاً وقادراً على تنفيذ برامجه، وعلى رعاية عناصره، سواء في السجن أو خارجه، وفقدان التمويل يعد سبباً كبيراً في عدم استمرارية التنظيم، وهي العقبة التي حالت واستمرار الكيانات المنفصلة عن الإخوان، مثل: شباب محمد، أو مجموعة أحمد رفعت، أو حتى مجموعة حزب الوسط.

إنشاء كيانات اقتصادية وخلق شبكة مصالح: لم يكن غرض الكيانات الاقتصادية هو التغطية على التمويل أو غسل أموال الجماعة فقط؛ إذ له دور كبير في ربط العناصر بالتنظيم؛ لأنّ وجود الكيانات الاقتصادية المتعددة سمح بتوظيف أفراد الجماعة ومحبيهم فيها، ومن ثم ارتبطت مصالحهم الاقتصادية بوجودهم في التنظيم، مما منع العديد من الإخوان من الخروج من التنظيم أو إعلان موقفهم الفكري بشكل صريح.

تعدد الأدوار الوظيفية للجماعة: الإخوان كجماعة ليست مرشحة للانتهاء؛ فمايزال لها دور في المنطقة لصالح القوى العالمية، وهي التي تبقيها حية إلى أن يحين موعد عودتها، لكنها تتعرض لانتكاسة تنظيمة عقب استنزاف قواها في الصراع على القيادة ومناصب الجماعة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية