اليهودية المسيحية التي هددت أن تصبح مسلمة... قصة مادلين أولبرايت

اليهودية المسيحية التي هددت أن تصبح مسلمة... قصة مادلين أولبرايت

مشاهدة

24/03/2022

غالباً لم يخطر ببال عائلة الطفلة التشيكية (ماري آنا كوربولوفا) خلال هروبهم بحياتهم أولاً من ويلات الحرب العالمية الثانية باتجاه إنجلترا، ثم إلى أميركا فراراً من جحيم الشيوعية التي سيطرت على بلدهم، أنّ هذه الوادعة الخائفة التي لم تتجاوز البضع سنوات ستصبح بعد عقود ذات شأن في أقوى دولة بالعالم، وسيعرفها الأمريكيون باسم (مادلين أولبرايت) أول امرأة تتولى وزارة خارجيتهم العام 1997.

بعد كل هذه الحياة الحافلة رحلت أمس الدبلوماسية الحديدية عن عمر يناهز (84) عاماً. وذكرت أسرتها في بيان عبر "تويتر": "أنّها توفيت بعد معاناة مع مرض السرطان".

توفيت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت عن عمر يناهز (84) عاماً بعد معاناة مع مرض السرطان

وبعد انتشار خبر وفاتها، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مقاطع فيديو لتصريحات أدلت بها مادلين أولبرايت، منها مقطع فيديو أخذ من مقابلة كانت قد أجرتها أولبرايت على برنامج 60 دقيقة؛ حيث سئلت "سمعنا أنّ نحو نصف مليون طفل ماتوا جراء الحصار في العراق وهذا عدد أطفال أكثر من الذين ماتوا في هيروشيما هل الثمن يستحق؟" لتجيب قائلة: "أعتقد أنّ ذلك خيار صعب جداً ولكن نعتقد أن الثمن مستحق".

اقرأ أيضاً: جورج طرابيشي.. عقلانية البحث عن الحقيقة

لكن أولبرايت استدركت قبل خمس سنوات، في تصريح لها، أنّ هذا أغبى شيء قالته وإن حاولت ألا تتنصل من خيار العقوبات الذي كان ضرورياً برأيها.

من العلم إلى السياسة

ولدت مادلين كوربل أولبرايت في 15 أيار (مايو) 1938، في مدينة براغ عاصمة جمهورية تشيكوسلوفاكيا (التشيك). كان والداها يهوديي الأصل، إلّا أنّهما تحوّلا إلى المسيحية الكاثوليكية، وتحوّلت لاحقاً إلى الكنيسة الأسقفية البروتستانتية، وكان لديها شقيق، وهو اقتصادي يُدعى جون. والدها جوزيف كوربل، كان دبلوماسياً تشيكوسلوفاكيّاً، ثم أستاذاً في العلوم السياسية بجامعة دنفر في الولايات المتحدة.

كانت أول امرأة تتسلم منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية

عادت عائلتها إلى بلدها الأصلي بعد هزيمة ألمانيا النازية، واضطرت إلى الهرب مجدداً إلى الولايات المتحدة، بعد سيطرة الشيوعيين على بلادها. وكانت أولبرايت في الـ11 من عمرها عندما وصلت إلى جزيرة إليس الواقعة في خليج نيويورك عام 1948.

 

اقرأ أيضاً: أبو القاسم حاج حمد.. مُداوي عِلل الفِكر الإسلاموي ومُعالج أعطابه

تخرّجت في "كينت دينفر سكوول" في العام 1955، وحصلت على الشهادة الجامعية مع مرتبة الشرف من كلية "ويلزلي كوليدج" في مجال العلوم السياسية. وخلال فترة الدراسة الجامعية انضمت أولبرايت، التي كانت تتحدث (4) لغات، إلى الحزب الديمقراطي، والتقت خلالها بزوجها جوزيف ميديل باترسون أولبرايت، ابن أسرة أمريكية شهيرة في مجال النشر.

 

ولدت أولبرايت في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا ووالداها كانا يهوديي الأصل إلّا أنّهما تحوّلا إلى المسيحية

 

مادلين أولبرايت، أو ماري آنا كوربولوفا، كانت أول امرأة تتسلم منصب وزير الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن سمّاها الرئيس بيل كلينتون في 5 كانون الأول (ديسمبر) 1996 لهذا المنصب، لتصبح وزير الخارجية الـ64 للولايات المتحدة، وظلت في منصبها حتى عام 2001.

اقرأ ايضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

وشغلت منصب مندوب واشنطن الدائم في الأمم المتحدة بدءاً من 27 كانون الثاني (يناير) 1993 حتى الشهر ذاته العام 1997، قبل توليها قيادة الخارجية الأمريكية. ومنذ العام 1959 إلى غاية طلاقها العام 1982 كانت مادلين متزوجة من الصحفي جوزيف ميديل باترسون ولهما (3) بنات.

 "أبي وأمي كانا يهوديين"

قامت مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية، بزيارة معبد بينكاس في مسقط رأسها براغ العام 1997. وهناك وجدت أسماء جدها وجدتها أرنوست وأولجا كوربل ضمن قائمة تضم أكثر من (77) ألف شخص من يهود التشيك والسلوفاك الذين لقوا حتفهم في الهولوكوست. وحينها علقت قائلة: "لم أعلم أنّ عائلتي كانت ضحية الهولوكوست بشكل شخصي".

اقرأ أيضاً: أنور عبد الملك.. واضع الاستشراق أمام أزمته الحقيقية

وتضيف: "عندما أصبحت سفيرة للأمم المتحدة، تلقيت خطاباً في العام 1996 من شخص كان يتضمن كلّ الحقائق، فقد تضمّن اسم العائلة الخاص بوالدتي، واسم القرية التي وُلد بها أبي، وكذلك سلسلة من الحقائق، قررت بعد ذلك وأنا مع أولادي في إجازة أنّني حقاً أريد التحدث معهم حول هذا الأمر، فقلت: "أتعرفون، لقد تلقيت هذا الخطاب، وأصبح لديّ أسباب لأؤمن أنّ أبي وأمي كانا يهوديين، ويجب عليكم أن تعرفوا ذلك"".

 

فرّت مرة إلى إنجلترا مع عائلتها خلال الحرب العالمية الثانية ومجدداً إلى أمريكا بعد سيطرة الشيوعيين على بلدها

 

وتابعت: "كنت مبهورة جداً عند علمت أنّني كنت يهودية، لقد كانت خلفيتي مثيرة للاهتمام، وأعتقد أنّ اكتشاف هذا الأمر قد أضاف إلى ثراء كوني جزءاً من تاريخ مبهر، ولكن كانت المعلومات المتعلقة بالهولوكوست مجرّد شيء مفجع".

وتواصل: "أنا حقاً لم أعرف أجدادي، وأننا غادرنا إلى إنجلترا عندما كان عمري عامين، وقد أخبرني والداي أنّ جدي وجدتي لقيا حتفهما خلال الحرب، وكما اتضح، فإنّهما لقيا حتفهما بالفعل".

ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كانت من مؤيدي هيلاري كلينتون زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون لترشيح نفسها في انتخابات الرئاسة في 2008، كما أنّها ظلت تناصر عائلة كلينتون حتى وافتها المنيّة.

وآنذاك، قالت عن هيلاري كلينتون: "أنا أعرفها منذ فترة طويلة، إنّها ذكية جداً، وتعمل بجد، وهي الأفضل، لديها خبرة أكثر من أيّ شخص آخر مرشح لرئاسة البلاد، إنّها تستمع إلى الناس سواء في الولايات المتحدة أو خارجها، وساهمت في تلميع صورة الولايات المتحدة، أعتقد أنّها أكثر شخص مهيّأ لمنصب الرئاسة".

عندما تولت أولبرايت منصب المبعوثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة عام 1997، وجهت انتقاداً للرئيس العراقي آنذاك صدام حسين

 وفي آخر تصريحاتها عام 2017 كتبت تغريدة ردت فيها على الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حيث تعهدت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بتسجيل نفسها كمسلمة، إذا قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنشاء سجل وقاعدة بيانات خاصة للمسلمين في أمريكا. وقالت أولبرايت حينها: إنّها "على أهبة الاستعداد للتسجيل في سجل المسلمين، احتجاجاً على سياسة الرئيس الجديد".

واجهة للسياسة الخارجية

تحوّلت أولبرايت إلى واجهة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في العقد بين نهاية الحرب الباردة والحرب على الإرهاب التي بدأت عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهي الحقبة التي بشّر بها الرئيس جورج بوش باعتبارها "نظاماً عالمياً جديداً".

 

اقرأ أيضاً: علي الوردي: التمرد على اليقينيات الثقافية والدينية

وأثناء تولّيها الخارجية دعت أولبرايت إلى زيادة نفوذ حلف شمالي الأطلسي (الناتو)، وساعدت في التوسط في مفاوضات السلام الإسرائيلية الفلسطينية. كما شاركت بشكل كبير في المفاوضات التي فشلت في النهاية مع كوريا الشمالية بهدف الحدّ من طموحاتها النووية.

في العام 2000 كانت أعلى مسؤولة أمريكية تزور كوريا الشمالية، وتلتقي بزعيمها كيم جونغ إيل. وكانت أولبرايت تعتقد أنّه لا ينبغي الاعتماد على الولايات المتحدة لتكون حارساً عالمياً وحيداً، بل طالبت بتشكيل ما وصفته بـ "التعددية الحازمة".

 دبلوماسية الدبابيس

وطوال حياتها المهنية اشتهرت أولبرايت باستخدام دبابيس زينة لنقل رسائل سياستها الخارجية. وكلّ من عاصر فترة تولي أولبرايت منصبها لن يتمكن من نسيان دبابيسها "البروش" التي تضعها خلال المناسبات المختلفة، إلّا أنّ ما لا يعلمه كثيرون هو أنّ بعض هذه المجوهرات كان يحمل موقفاً سياسياً واضحاً.

فقد أعلن "المتحف الوطني للدبلوماسية الأمريكية" مؤخراً عن معرض افتراضي يتيح لزواره الاطلاع على أبرز دبابيس وزيرة الخارجية السابقة، وفحواها، وأكد وجود تلك "الرسائل الخفية المرتبطة بالسياسات الخارجية".

ويأتي المعرض تحت عنوان "اقرأ دبابيسي... مجموعة مادلين أولبرايت"، وتضم المجموعة أكثر من (200) دبوس، معظمها من مجموعة متنوعة من الأزياء، استعملتها الوزيرة أولبرايت في مناسبات عدة لإيصال رسالة قبل وأثناء وبعد أعوام الخدمة العامة، بما في ذلك الأعوام التي قادت فيها وزارة الخارجية، من عام 1997 إلى 2001.

ويشير موقع المعرض إلى أنّه "في بعض الأحيان تمّ استخدام هذه الدبابيس كأدوات لطيفة تعكس روح الدعابة لدى الوزيرة وإنسانيتها، وهي أدوات تعليمية مرئية للدبلوماسية الثقافية".

ومن بين مئات الدبابيس، قام المعرض بالتركيز على (4) دبابيس، وجهت من خلالها المسؤولة الأمريكية رسائل مختلفة.

عندما تولت أولبرايت منصب المبعوثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة عام 1997، وجهت انتقاداً للرئيس العراقي آنذاك صدام حسينوقد ردّ شاعر صدام حينها بوصف أولبرايت بـ "أفعى (حية) لا مثيل لها".  

أبرز دبابيس مادلين ألبرايت

وخلال تحضيرها للقاء مسؤولين عراقيين، ردّت أولبرايت باستخدام دبوس بشكل أفعى، علماً أنّها لا تحب تلك الزواحف. ويشير المعرض إلى أنّ هذا الدبوس كان بمثابة البداية لمواقف دبلوماسية مميزة.  

وأمضت وزير الخارجية ساعات عديدة وهي تحاول إقناع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بأهمية التوصل لحلول سلمية في الشرق الأوسط، ويقول موقع المعرض: "دبوس النحل آنذاك كان يعكس مزاجها". 

وتشير النحلة في الأمثال الأمريكية إلى الانشغال في أمر ما، ويقال: "مشغول كالنحلة (busy like a bee) .

أمّا دبوس" الطائر الأزرق"، فقد استخدمته مادلين في 24 شباط (فبراير) عام 1996، عندما أسقطت مقاتلات عسكرية كوبية طائرتين مدنيتين بين كوبا وولاية فلوريدا الأمريكية. وتباهى الطيارون "بكسر عزيمة" ضحاياهم، في حين وصفتهم أولبرايت بـ "الجبناء".

واستخدمت دبوساً بشكل طائر أزرق، ووجهت رأسه للأسفل تعبيراً على الحزن لخسارة أرواح (4) أمريكيين من أصل كوبي ماتوا في الهجوم المأساوي.

 

كانت أول امرأة تتسلم حقيبة الخارجية الأمريكية بعد منصب مندوب واشنطن الدائم في الأمم المتحدة

 

وقد اعترف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره الأمريكي بيل كلينتون عام 2000، أنّه كان يترقب على الدوام الاطلاع على الدبابيس التي كانت تستخدمها أولبرايت.

وفي اليوم الأول من محادثات معقدة مع مسؤولين روس حول الأسلحة النووية، نظر وزير الخارجية إيغور إيفانوف إلى دبوسها الذي بدا كالسهم، وسألها: "هل هذا واحد من صواريخكم المعترضة؟"، فأجابت أولبرايت: "أجل، وكما ترى يمكننا أن نصنعها بحجم صغير للغاية، لذا من الأفضل أن تكون جاهزاً للتفاوض".

بين العامين 2009 و2018 تنقلت مجموعة الدبابيس عبر (22) متحفاً ومكتبة. ويشير موقع المعرض إلى أنّ رئيسة موظفي أولبرايت في وزارة الخارجية كانت مصدر الإلهام والقوة الدافعة للمعرض والكتاب المصاحب له بعنوان "اقرأ دبابيسي: قصص من صندوق مجوهرات دبلوماسية".   

وتمت إعارة برنامج "اقرأ دبابيسي" إلى المتحف الوطني للدبلوماسية الأمريكية، وسوف تتبرع الوزيرة أولبرايت بالمعرض إلى المتحف عند الانتهاء من إنشاء موقعه.

ومن المقرر افتتاح المتحف في عام 2024، وتشمل المجموعة ميدالية الحرية الرئاسية التي منحها، الرئيس باراك أوباما، للوزيرة السابقة في عام 2012.




آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية