أعاد اجتماع كوالالمبور، الذي انعقد بين 20 و22 كانون الثاني (يناير) الماضي، برعاية منظمة بروميديشن الفرنسية، الجدل مجددًا حول طبيعة مسارات الوساطة الدولية في الأزمة السودانية، وحدود انخراط أطراف مرتبطة بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني السابق داخل هذه المسارات، في ظل حرب مستمرة منذ عام 2023، وتباينات حادة بين القوى المدنية حول تعريف أطراف الصراع ومشروعية إشراكها سياسيًا.
الاجتماع، الذي لم يُعلن عنه رسميًا في وسائل الإعلام الدولية، عُقد في إطار ما يُعرف بـ "مسار نيون"، وهو مسار تفاوضي أُطلق بإشراف منظمات أوروبية وأطراف دولية، ويهدف إلى جمع أطراف سودانية متعددة ضمن منصة حوار سياسي خارج البلاد، بزعم البحث عن تسوية شاملة للصراع القائم.
منظمة بروميديشن ودورها في الوساطة
تُعرف منظمة بروميديشن (Promediation) بأنّها منظمة غير حكومية فرنسية تعمل في مجال الوساطة السياسية وحل النزاعات، وسبق لها الانخراط في ملفات نزاع بعدد من الدول الأفريقية، مستفيدة من حضور أوروبي متزايد في ملفات السلام بالمنطقة.
وقد نشطت المنظمة خلال السنوات الأخيرة في إدارة منصات حوار غير رسمية بين أطراف سودانية، سواء في الخرطوم قبل اندلاع الحرب، أو لاحقًا في القاهرة وماليزيا، ضمن مقاربة تقوم على التفاوض غير المعلن وتهيئة المسارات السياسية بعيدًا عن الأطر الرسمية.
هذا الدور منح بروميديشن نفوذًا متزايدًا في هندسة بعض مسارات التفاوض، لكنّه في المقابل وضعها تحت انتقادات قوى مدنية سودانية ترى أنّ هذه المنصات تفتقر إلى الشفافية، وتفتح المجال أمام إعادة تدوير قوى مرتبطة بالنظام السابق.
ومسار نيون، بحسب تعريفه المعلن، هو منصة سياسية تهدف إلى تجميع أطراف سودانية مدنية ومسلحة وسياسية في حوار شامل، في ظل تعثر المسارات الرسمية وفشل محاولات وقف الحرب.
ويُدار المسار بإشراف بروميديشن، وبدعم من أطراف دولية، ويعتمد على اجتماعات مغلقة خارج السودان، مع غياب واضح للإفصاح عن قوائم المشاركين أو مخرجات الاجتماعات.
هذا الطابع غير العلني جعل المسار محل شك من قِبل قوى ثورية تعتبر أنّ غياب الشفافية يُستخدم كغطاء لتمرير أجندات سياسية لا تحظى بإجماع داخلي، خاصة تلك المتعلقة بإعادة دمج جماعة الإخوان المسلمين، من خلال عملية تدوير سياسي ربما مقصودة.
اجتماع كوالالمبور تركيبة مثيرة للجدل
بحسب مصادر مطلعة، شارك في اجتماع كوالالمبور نحو 15 حزبًا وفصيلًا سودانيًا، تُصنَّف غالبية هذه الكيانات باعتبارها واجهات سياسية أو امتدادات تنظيمية للمؤتمر الوطني السابق، الحزب الذي حكم السودان ثلاثة عقود بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، وارتبط تاريخيًا بالحركة الإسلامية السودانية.
المصادر ذاتها أكدت أنّ الاجتماع ضم شخصيات وتيارات لها صلات مباشرة أو غير مباشرة بجماعة الإخوان المسلمين في السودان، وأنّ دور بروميديشن اقتصر على تنظيم اللقاءات ودمج هذه الأطراف ضمن إطار مسار نيون، دون الإعلان عن طبيعة تمثيلها أو معايير اختيارها.
ورغم حساسية المشاركة، لم تصدر بيانات رسمية توضح أسماء الحاضرين أو مواقفهم التفصيلية، وهو ما عزز الشكوك حول طبيعة الأجندات التي نوقشت، ومدى توافقها مع مطالب قوى الثورة.
وفقًا لما نقلته مصادر (حفريات) حول مجريات اللقاء، ركزت النقاشات على صياغة أجندة سياسية لحل الأزمة السودانية من وجهة نظر المشاركين، مع طرح تصورات حول السلام المستدام تتقاطع في بعض جوانبها مع رؤى قوى إسلامية كانت جزءًا من النظام السابق.
وشهد الاجتماع محاولات لتعزيز التنسيق بين قوى إسلامية مختلفة، إلى جانب شخصيات سياسية من خلفيات مدنية، في إطار إعادة بناء شبكات تواصل سياسية، تُقدَّم باعتبارها ضرورية لأيّ تسوية مستقبلية.
غير أنّ غياب قوى ثورية فاعلة عن الاجتماع، وعدم وضوح مرجعية النقاشات، جعلا من هذه اللقاءات محل اعتراض واسع داخل الأوساط المدنية.
التيار الثوري الديمقراطي ينسحب
أبرز ردّ فعل سياسي على اجتماع كوالالمبور جاء من الحركة الشعبية، التيار الثوري الديمقراطي، برئاسة ياسر عرمان، التي أعلنت تعليق مشاركتها في مسار نيون عقب اجتماع مكتبها القيادي.
وفي بيان رسمي اعتبر التيار أنّ مشاركة المؤتمر الوطني وواجهاته في اجتماع ماليزيا تمثل تمهيدًا لإعادة دمج هذه القوى داخل المسار السياسي، رغم تصنيفها السابق كجزء من قوى الحرب، وارتباطها التاريخي بالنظام المعزول.
وأكد البيان أنّ هذا التوجه يتعارض مع التعهدات السياسية التي قطعتها قوى الثورة، خاصة ما ورد في إعلان نيروبي للمبادئ، الذي ينصّ على رفض إعادة إنتاج النظام السابق أو إشراكه في أيّ تسوية سياسية.
ورأى التيار أنّ هذه الاجتماعات تُعدّ مكافأة سياسية لقوى ترفض وقف الحرب، وفي مقدمتها تيارات إسلامية مرتبطة بالإخوان، وهو ما يتناقض مع التزامات التيار تجاه قاعدته الشعبية، وتجاه ضحايا الصراع المستمر.
ولم يكتفِ التيار الثوري الديمقراطي بتعليق مشاركته، بل دعا قوى الثورة والتغيير إلى اتخاذ موقف مماثل، معتبرًا أنّ الاستمرار في مسار نيون بصيغته الحالية يُضعف الموقف المدني المناهض للحرب، ويمنح شرعية سياسية لأطراف تسعى للعودة إلى السلطة عبر بوابة الوساطة الدولية.
وأشار البيان إلى أنّ قبول مسار كوالالمبور يتناقض مع التزامات سياسية سابقة، من بينها إعلان الرباعية الصادر في 12أيلول (سبتمبر)، الذي دعمته بعض القوى المدنية باعتباره إطارًا دوليًا ضاغطًا نحو إنهاء الحرب دون مكافأة أطرافها.
انقسام داخل المعسكر المدني
خارج إطار التيار الثوري الديمقراطي، ما تزال قوى الثورة والتغيير في حالة نقاش داخلي بشأن جدوى المشاركة في مسار نيون، ودور منظمة بروميديشن في إدارة الوساطة.
وبينما تُبدي بعض القوى تحفظات واضحة على إشراك أطراف مرتبطة بالمؤتمر الوطني، ترى أطراف أخرى أنّ المقاطعة الكاملة قد تترك الساحة فارغة أمام قوى أكثر تنظيمًا، وهو ما يفرض التعامل الحذر مع المسار بدل الانسحاب منه.
حتى الآن لم تصدر بيانات موحدة من الكتل المدنية الأخرى، لكنّ المؤشرات تشير إلى نقاشات محتدمة حول كيفية التعاطي مع الوساطة الأوروبية، وحدود قبولها سياسيًا.
اجتماع كوالالمبور يُعيد تسليط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الوساطات الدولية في السودان، ومدى قدرتها على تفكيك بنية الصراع، بدل إعادة إنتاجها عبر إدماج قوى كانت جزءًا من الأزمة.
إنّ غياب الشفافية، وعدم وضوح المعايير السياسية، يفتح الباب أمام إعادة تدوير شبكات نفوذ الإخوان، تحت لافتة الحوار والسلام، وهو ما يهدد بفقدان الثقة الشعبية في أيّ مسار تفاوضي لا يستند إلى توافق وطني حقيقي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)