الموت يغيّب إلياس فركوح: طيور عمّان تحلق منخفضة

الموت يغيّب إلياس فركوح: طيور عمّان تحلق منخفضة

مشاهدة

16/07/2020

قلّما كان يجلس أحد قبالة الأديب إلياس فركوح، الذي رحل عصر أمس إثر نوبة قلبية حادة، دون أن يُطلِق دعابته المشهورة، التي يتندّر فيها على أيام انتظامه في العمل الفدائي الفلسطيني، قائلاً: "كان الطرف الأردني يسألني ماذا تفعل هناك؟ والطرف الفلسطيني يسألني ماذا تفعل هنا؟ وكنت ضائعاً ولم أكن أعرف كيف أقنعهما بحالتي الخاصة".

موسى حوامدة: إلياس مناضل وأديب يتعامل مع الثقافة والكتابة بشكل جدّي..لا ننسى وقفته مع الثورة الفلسطينية، لقد انخرطَ فيها وناضلَ مع الفلسطينيين جنباً إلى جنب

ربما كانت هذه الدعابة التي كان فركوح يسردها بلهجته الساخرة، ويتبعها بقهقهة عالية، تمثّله خير تمثيل؛ إذ لطالما كان فركوح عربياً خالصاً مثقلاً بهموم أمة واحدة رُسِّمت بينها، على حين غرة، حدود تفصلها، لكنّها لم توقف الحسّ العروبي يوماً لدى فركوح ومن هم بمثل بياضه ونقائه.

صاحب "أرض اليمبوس"، و"ملائكة في العراء"، و"الصفعة"، و"ميراث الأخير"، وغيرها، والمولود في عمّان، عام 1948، كان أديباً وناشراً ومترجماً، وقبل هذا وذاك منحازاً لإنسانيته، ليس على صعيد القضايا التي لطالما شغلت تفكيره فانعكست على نتاجه الأدبي فحسب، بل وعلى صعيد علاقاته الإنسانية التي لم تستثنِ رفيقاً إلا وطوّقته بمحبة وحميمية وأصالة في التواصل.

...

حازَ فركوح، الذي رحلَ عن 72 عاماً، جوائز أدبية عدة، تثميناً لنتاجه، منها؛ جائزة أفضل مجموعة قصصية من رابطة الكتاب الأردنيين (عام 1982)، عن مجموعته "إحدى وعشرون طلقة للنبي"، كما فاز بجائزة الدولة التشجيعية (عام 1990)، عن روايته "قامات الزبد"، إلى جانب نيله جائزة الدولة التقديرية في فرع الآداب (عام 1997)، كما ترشّحت روايته "أرض اليمبوس" للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر (عام 2008).

زكريا محمد: أهداني إلياس فركوح مجموعته القصصية الثالثة "عشرون طلقة للنبي"، كنت في تلك المجموعة، ولم أستطع أن أفصل نفسي عن النبي الذي فيها

قبل أسبوع، وتحديداً الخميس الماضي، التاسع من تموز (يوليو)، كان إلياس فركوح، يمشي في شوارع نظيفة أبهجته بخلوّها من عوادم السيارات، حيث كتب على صفحته على "الفيسبوك": "أمشي في هواء الصباح النقي لتنشيط الدورة الدموية، في شوارع نظيفة من عوادم السيارات، أمرُّ بزهرة عبّاد الشمس، ألتفتُ إليها يساراً، لترميني بأصفرها الباذخ وهمسها السري:

صباحك خير يا صديق!

فأفرح.

هذا خميسُ أمل".

زهرة عبّاد الشمس التي ألقت تحية الصباح على إلياس فركوح. (من صفحته على الفيسبوك)

مناضل وكاتب

يستذكر الشاعر موسى حوامدة، الراحل فركوح، قائلاً: "إلياس مناضل وأديب يتعامل مع الثقافة والكتابة بشكل جدّي"، ويضيف: "لا ننسى وقفته مع الثورة الفلسطينية، لقد انخرطَ فيها وناضلَ مع الفلسطينيين جنباً إلى جنب".

وروى حوامدة أنه سافر مع فركوح لحضور مؤتمر كان منعقداً في مكتبة الإسكندرية: "كنا على تواصل دائم، كان رفيع التهذيب والأناقة، سافرنا معاً كذلك إلى الكويت، كنا رفاق سفر منسجمين".

الناشر أحمد أبو طوق: كان الفقيد إلياس فركوح إنساناً قبل أن يكون ناشراً، كما كان من أهم رجالات الأدب والفكر، وكان محبوباً من الجميع

لم تكن الكثرة هاجس فركوح، بل النوعية، كما يقول حوامدة، ناعتاً إياه بـ "الجواهري، الذي ينتقي كلماته بعناية شديدة ودقة، وكان هذا يُحسَب له دوماً، حتى الفاصلة والنقطة لم يكن فركوح يغفلهما".

حالة من الحسرة تعتري حوامدة على خبر رحيل فركوح، الذي التقاه مراراً في القاهرة، يقول: "لم يكن إلا متسامحاً بحقّ، لم يكن إقليمياً ولا جهوياً ولا طائفياً، لا يمكن لك إلا أن تلمس هذا وتعيشه مع فركوح كلّما تعاملت معه"، مكملاً: "كان يسارياً فعلاً، وعروبياً حقيقياً، لم يتورّط في أيّ يوم بأيّة شبهة سياسية، أو أمر يمسّ النزاهة على أيّ صعيد كان".

يقول حوامدة: "انخرط فركوح في الأعوام الأخيرة بالنشر، ليته تفرّغ أكثر ليقدّم لنا نتاجاً أكثر"، مردفاً: "كان وجهاً مشرّفاً للأردن وفلسطين، بمواقفه ونصوصه؛ بدءاً من الرواية، ومروراً بالقصة، وليس انتهاءً بالمقالة".

خبز والدة فركوح وشقيقته

بحسرة بالغة، يستذكر الشاعر زكريا محمد صديقه إلياس فركوح، مستحضراً الخبز الذي تناوله لدى عائلته، يقول: "في منتصف السبعينيات تعرّفت إلى إلياس فركوح، وعشت معه، كنا نلتقي كلّ يوم، ظللنا معاً منذ الصباح حتى منتصف الليل، أكلت من خبز أمه وأخته، كان بيته مفتوحاً للأصدقاء جميعاً، ثم باعد بيننا الزمن وفرّقنا، لكنّ المحبة ظلّت كما هي، ظلّ إلياس هو إلياس الحبيب".

ويكمل: "أهداني إلياس فركوح مجموعته القصصية الثالثة "عشرون طلقة للنبي"، كنت في تلك المجموعة، ولم أستطع أن أفصل نفسي عن النبي الذي فيها، عليّ أن أعود لقراءتها كي أعرف جزءاً من حياتي".

...

الرفاق ينعون فركوح

يقول الناشر أحمد أبو طوق: "كان الفقيد إنساناً قبل أن يكون ناشراً، كما كان من أهم رجالات الأدب والفكر، وكان محبوباً من الجميع"، فيما يقول الشاعر يوسف عبد العزيز: "وجود إلياس في عمّان كان نعمة للمدينة، وبرحيله همد كلّ شيء"، مردفاً: "كم هو خبر صادم ومؤلم رحيل إلياس فركوح مبكراً، وهكذا من دون سابق إنذار، الكلمات تعجز عن التعبير؛ فإلياس لم يكن أيّ أحد، أجمل الأحباء كان وأجمل المبدعين".

جلال برجس: لا قمر في سماء عمّان هذه الليلة، لا نجوم، ولا أغنيات، صمت أسود لا يُسمع منه إلا صدى لخبط أجنحة طائر أوغل عميقاً في الخلود

بدوره، نعى الأديب جلال برجس الراحل فركوح بقوله: "حطَّ الحَمَامُ، هبطت الطائرات الورقية، انحنى الياسمين، أرخى العازفون آلاتهم، توقف المارة، تدفق الصمت في الطرقات، وحلَّق طائر مبتعداً عن الأرض إلى سماء الأبدية، وبكوا، بكوا مرة واحدة، وهم يرون سماء عمَّان تعجّ بالورق".

يضيف: "بهدوء العارف رحل العمَّاني إلياس فركوح، وقف إلى النافذة وحدق بعمّان التي يحب، ملأ عينيه منها، ثم وقف بالباب وتأمل ما مضى يرتب شؤون الرحيل، ثم أشرعه وطار، كان يعرف أننا لن نصدق، كنا نراه يجلس إلى طاولته يكتب الحياة بحبر طري، ويقصف السواد بحبر جاف، كان يعرف أننا لن نجد الوقت لنثنيه عن أبديته، كنا نراه يجلس في ركنه يقرأ كمن يزيل غباراً عن زجاج النافذة، كان يعرف أننا سنبكي، كنا نراه خفيفاً من الكراهية يمشي في شوارع عمّان، وكلّما ضاق نفَسُه توقف على أحد أدراجها وغنى بسرّه للحياة".

لا قمر في سماء عمّان هذه الليلة، يقول برجس، مكملاً "لا نجوم، ولا أغنيات، صمت أسود لا يُسمع منه إلا صدى لخبط أجنحة طائر أوغل عميقاً في الخلود".


الصفحة الرئيسية