احتجاجات الشارع الأردني في عين قناة "الجزيرة"

2645
عدد القراءات

2018-06-09

اشتهرت قناة “الجزيرة” القطرية بمقدرتها على النفخ في الاحتجاجات في الشوارع العربية، حتى أصبحت مصنفة ضمن القنوات الأكثر تأثيرًا في مسارات الحروب الأهلية التي وقعت ضمن أحداث الربيع العربي.

فالجزيرة مشهورة بمقدرتها الفذّة باللعب على التناقضات المحلية (حكومة-معارضة)، والتناقضات المذهبية (سنة-شيعة)، بالإضافة لعبثها في التناقضات الفكرية (علمانية-إسلامية)، دون أن تهمل أيًا من صغائر الصراعات مهما كانت بسيطة… حتى استطاعت أن تصبح القناة العالمية الأكثر تأثيرًا في مجريات الأمور.

وعبرّت الجزيرة دائمًا عن اصطفافها إلى جانب المعارضة إذا ما كانت الأخيرة ترتدي ثوب حركات “الإسلام السياسي” مثل الإخوان المسلمين، وانحيازها التام لرواية الحكومة إذا ما كانت تنتمي لتلك التيارات.

وفي غالبية الأحيان، أصبحت الجزيرة منبرًا تحريضيًا ضد الحكومات العربية بجميع أشكالها، إذا ما أعلنت الحركات الإرهابية الحرب عليها… حتى لو كانت الكلفة هدم البلاد، وانتشار الإرهاب، والحروب الأهلية، مثلما حدث في سوريا واليمن وليبيا ومصر.

على سبيل المثال، أسمت القناة “جبهة النصرة” في هذا التقرير بأنها حركة “معارضة” في سوريا، على الرغم من أن النصرة مصنفة من كبريات الفصائل الإرهابية في المنطقة العربية، التي ثبت تورطها بعمليات قتل طائفي واستهداف للمدنيين.

 

 

وفي الوقت ذاته، عملت الجزيرة على تهميش المعارضة السلمية والمدنية، وأعطت الصدارة في نشراتها للحركات الإرهابية، والترويج لأفكارها.

ولكن الوضع كان مختلفًا في الأردن، حيث أصبحت الجزيرة لأول مرّة معارضة للاحتجاجات في الأردن، على الرغم من طابعها السلمي، البعيد عن العنف، نتيجة لوعي المواطن الأردني بحقوقه، وتمسكه باستقرار المملكة، وفي الوقت ذاته استفادته من الدروس الدموية التي وقعت في دول عربية مجاورة، عندما تحوّلت الاحتجاجات السلمية إلى حروب أهلية، بعدما نفخت آلة الإعلام فيها، وانتهجت أسلوب التحريض بدلًا من نقل الخبر بحيادية.

الأردن في عين الجزيرة

ربما كان من أكبر أخطاء قناة “الجزيرة” في أحداث ما يسمى بـ”الربيع العربي”، هو الترويج لشعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، بدلًا من إصلاح النظام. فقد أثبتت التجربة بأن ذلك الشعار كان الأساس في خراب 3 دول عربية بدلًا من إصلاحها: لييبا وسوريا واليمن.

وكانت الجزيرة -بما لها من جماهيرية- سبّاقة في الترويج لذلك الشعار المدمر، كما أنها استضافت أشد المعارضين تطرفًا، الذي تمسكوا بالشعار وأوصلوه للشارع، على الرغم من أن “إسقاط النظام” لا معنى له سوى إسقاط الدولة، وسقوط الدولة يعني الفوضى، والمثال على الفوضى لا يزال ماثلًا أمامنا في العديد من الدول العربية.

ولم تخترع الجزيرة ذلك الشعار المتطرف، ولكنها أسست له، خصوصًا في الأردن، عندما كانت السبّاقة في استضافة معارضين أردنيين، مشبوهين على المستوى المحلي والخارجي، مثل المعارض الأردني الهارب إلى لندن، مضر زهران، الذي فتحت له الجزيرة شاشتها ليحرض على استقرار بلاده.

 

 

وكان للجزيرة الفضل بتعريف العالم بهذا المعارض، الذي يرفضه الشارع الأردني، بسبب ميوله لإسرائيل، وتحريضه على الفوضى في بلاده.

كما تفردت الجزيرة من بين القنوات العربية، بالبحث في المناطق المظلمة، عندما بررت في 2012، شعار إسقاط النظام في الأردن، الذي رفعه قليلون، حيث حاول معد التقرير ياسر أبو هلالة، تقديم تبريرات لذلك، وإحالته لتصرفات الأمن، وسوء الأوضاع المعيشية في الأردن، على الرغم من رؤية الغالبية العظمى من الشعب الأردني، بأن هكذا شعار، ليس له ما يبرره، نتيجة لموقع الأردن الحساس، وبنيتها المتنوعة، التي قد تؤثر على المملكة لوقت غير قصير، في حال اقتنع الأردنيون بمثل ذلك الشعار المتطرّف!

فتّش عن الإخوان

يقول مراقبون، بأن الجزيرة المحسوبة سياستها التحريرية على جماعة الإخوان المسلمين، كانت ستنظر بصورة مغايرة للحراك الأخير، لو أن الإخوان شاركوا فيه.

فالجزيرة، ولأول مرّة في تاريخها، لم تدعم الحراك السلمي بالأردن، بل بالعكس حاولت أن تروج له على أنه “مؤامرة”، على الرغم من أنها كانت دائمًا ما تقف ضد رؤية “نظرية المؤامرة”، ولكنها استخدمتها هذه المرة، ولظروف خاصة بها وبجماعة الإخوان المسلمين.

فالجزيرة القطرية، تعيش حالة من القلق بسبب المقاطعة الخليجية، ولا تريد أن تخسر المزيد من الأنظمة العربية، ولذلك باتت تتخذ خطًا مهادنًا للأنظمة العربية، على حساب مصلحة الشعوب.

فهي لم تؤيد الحراك الشعبي في تونس نتيجة لسوء الأحوال الاقتصادية، ولم تساند المقاطعة الشعبية للمنتجات بعد ارتفاع الأسعار في المملكة المغربية، وذلك لمصلحة قطرية بحتة؛ فدولة قطر أرادت أن توصل رسالة للنظام الأردني مفادها، بأننا نساندكم، ونقف بجواركم، ونعتمد نظرية المؤامرة في الأحداث التي تجري داخل بلدكم، وهو ما مثلته تغريدة وزير خارجية قطر السابق، حمد بن جاسم، الذي روّج لنظرية المؤامرة.

لم تؤيد القناة ولم تعطِ أحداث الأردن الاهتمام المناسب على شاشتها.

وسبب آخر جعل الجزيرة تُهمش حراك الشارع، هو عدم مشاركة جماعة الإخوان المسلمين فيه، مع وجود اتهامات شعبية أردنية بأنهم لم يشاركوا بسبب “انتهازيتهم” المعروفة، إذ وقفوا على الحياد بانتظار فرصة تطور الأحداث، للاستحواذ على الحراك، وتوجيهه لصالحهم، كما حدث في ثورة 25 يناير 2011 المصرية، حيث لم يشارك فيها الإخوان إلّا بعد نضوج الثورة، ثم تسلّقوا عليها للوصول للحكم.

وبحسب خبراء بالشأن الأردني، فإن الجزيرة “باعت” المحتجين، برغم مطالبهم المحقة. ويرجع ذلك لسببين رئيسين، أولًا: عدم مشاركة الإخوان، وثانيًا: محاولة استعطاف النظام الأردني لجانب قطر في الأزمة الخليجية.

فيما يرى بعض المشاركين، بأن من أهم أسباب نجاح الحراك، هو عدم مشاركة الإخوان المسلمين فيه، إذ أن مشاركتهم كانت ستحول الحراك السلمي إلى دموي، مثلما حصل في سوريا وليبيا، مما يجعل الحكومة الأردنية في موقف يتيح لها شرعية استخدام قوتها الأمنية للحفاظ على الاستقرار.

بينما يرى مراقبون بأن وقوف الجزيرة على الحياد، حافظ على سلمية الحراك؛ فخبرة الجمهور مع الجزيرة، يجعلهم يوقنون بأن تدخلها سيعطي فرصة للمتطرفين لعرض آرائهم، مثلما أعطت منبرها من قبل، لجميع الإرهابيين، من أسامة بن لادن، والجولاني، وأبو مصعب الزرقاوي المسؤول الأول عن التفجيرات الإرهابية التي استهدفت الأردن في أعوام خلت.

 

عن "كيوبوست"

اقرأ المزيد...

الوسوم: