الموت يغيب آخر جيل الرواد في ليبيا.. ماذا تعرف عن علي المصراتي؟‎‎

الموت يغيب آخر جيل الرواد في ليبيا.. ماذا تعرف عن علي المصراتي؟‎‎


30/12/2021

غيّب الموت أمس الكاتب والأديب والمؤرخ الليبي علي المصراتي، عن عمر يناهز (95) عاماً، وبوفاته تفقد الساحة الثقافية الليبية واحداً من أبرز المساهمين فيها، وأحد أبرز جيل الروّاد، الذي ترجمت أعماله للعديد من اللغات.

يجمع المصراتي بين خفة الظل المصرية والشخصية الليبية، وُلد في الإسكندرية، وتلقى تعليمه في القاهرة، وهو ابن لعائلة ليبية مهاجرة بسبب الاحتلال الإيطالي، وبعدما نهل المصراتي من الثقافة المصرية وثرائها بين تعليم أزهري واحتكاك وصداقة مع مثقفي عصره، عاد إلى ليبيا ليشارك في تسطير تاريخها بالبحث والتنظير عقب حصولها على الاستقلال.

وعلى الرغم ممّا يمثله المصراتي من قامة فكرية عظيمة، غير أنّه بحكم السن ربما، أو باختياره، غاب عن الأحداث وتطوّرها والتعليق على الاحتراب الأهلي في ليبيا خلال الأعوام الماضية، وما وصلت إليه الأمور.

يجمع المصراتي بين خفة الظل المصرية والشخصية الليبية

لا شك أنّ المصراتي الذي قضى جزءاً كبيراً من حياته يدوّن تاريخ ليبيا، أو يحلل شخصيتها عبر أعماله المختلفة، كان يتابع الأحداث بحسرة وحزن، لكن وفق شخصيته ربما صاغ النكات أيضاً على تلك الأوضاع، من باب المثل المعروف "شرّ البلية ما يُضحك".

قال عنه مصطفى محمود: إنك لا تستطيع أن تعرف أيّ شيء عن ليبيا دون أن تمرّ بكتبه

وآخر صلة وصلتنا من المصراتي عن الأوضاع نقلها السياسي الليبي والمندوب السابق لليبيا في الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم، حين قال: إنّه "بعد ثورة شباط (فبراير) جاءه أحد رجال الأخ العقيد معمر القذافي، وطلب منه أن يتحدث إلى الشعب الليبي، وأن يدعوهم إلى الهدوء بحكم مكانته الكبيرة في أوساط الليبيين، فقال له الأستاذ علي المصراتي بدهاء طبعاً: "أحسن من يقوم بذلك هو مولانا الملك إدريس السنوسي، حفظه الله"، استغرب محدّثه، واقتنع أنّ الأستاذ الكبير قد طاله الزهايمر بحكم سنّه، بحسب موقع عين ليبيا.

اقرأ أيضاً: عبد الرحمن السندي: لغز الرجل الأقوى في تاريخ "الإخوان"

والسنوسي هو الملك الذي انقلب عليه القذافي في العام 1969، واستولى على السلطة.

مسيرته

تخرج المصراتي في كلية أصول الدين العام 1946، ثمّ نال شهادة التدريس العالية من كلية اللغة العربية العام 1949. وتلقى تعليمه على يد كبار علماء الأزهر طوال فترة الدراسة، ثم عمل في مجال التدريس بمدرسة للأقباط في شبرا، وهي مرحلة في حياته كانت مفعمة بالحماس والنشاط، حيث شارك بالمظاهرات الشعبية التي كانت تطالب بالجلاء عن مصر، واعتُقل بعد ذلك في سجن قارة ميدان، بحسب ما أورده موقع العرب.

اقرأ أيضاً: محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ

وقد قدّم المصراتي عشرات الكتب في القصة والتحقيق والدراسة والمقال، وكانت له بصمات واضحة في التاريخ السياسي لليبيا، وكان من رجال الإعلام المرموقين، وكرّس الجانب الأكبر من حياته مؤلفاً ومحققاً في تاريخ ليبيا وتراثها وسير أعلامها، حتى أنّ الأديب المصري الراحل الدكتور مصطفى محمود قال عنه: "لا تستطيع أن تعرف أيّ شيء عن ليبيا دون أن تمرّ بكتبه".

نال شهادة التدريس العالية من كلية اللغة العربية العام 1949، وتلقى تعليمه على يد كبار علماء الأزهر طوال فترة الدراسة

في العام 1948 التحق المصراتي بحزب المؤتمر الوطني الليبي حال تأسيسه على يد الزعيم بشير السعداوي الذي عاد إلى بلاده بعد أعوام غربته، وأطلق صرخته المدوية: "لبيك يا وطني"،  التي استجاب لها المصراتي بقوة؛ ليصبح واحداً من أبرز الخطباء المفوهين للحزب، ومن الناشطين المؤثرين في صفوف الشعب ببلاغته وذكائه في تناول القضايا المصيرية للشعب، ولا سيّما قضايا الحرّية والوحدة وإجلاء القوات الأجنبية.

تخرج المصراتي في كلية أصول الدين العام 1946

عمل المصراتي في الصحافة، وكانت بدايات التجربة من خلال المقالات التي كان ينشرها في عدد من الصحف والمجلات، من بينها "الأهرام" المصرية و"الرائد" و"شعلة الحرّية"   و"الشعب" و"هنا طرابلس" التي ترأس تحريرها في عام 1954، وفي تلك الأثناء بدأ في إصدار عدد من مؤلفاته، ومنها "أعلام من طرابلس" (1955)، و"لمحات أدبية عن ليبيا" (1956)، و"إبراهيم الأسطى عمر شاعر من ليبيا" (بيروت، 1957)، و"جحا في ليبيا" (طرابلس، 1958)، و"صحافة ليبيا في نصف قرن"، و"غومة فارس الصحراء"، وتمّ نشرهما في بيروت في عام 1960، وهو العام نفسه الذي انتُخب فيه عضواً في البرلمان.

اقرأ أيضاً: "الأسقف الثائر" يرحل بعدما قاوم الظلم وأبصر جنوب أفريقيا حرة

كانت نزعة الوطنية والحسّ القومي يسيطران على المصراتي، الذي دخل السجن مرّة في القاهرة و(3) مرات في طرابلس؛ بسبب مواقفه المعادية للاستعمار الأجنبي، وكتب عنه الأديب الراحل محمد الزوي: "في عهد الإدارة البريطانية دخل المصراتي السجن لمواقفه الوطنية، فما جرحه السجن بقدر ما كانت فجيعته أنّه لا يوجد كتاب واحد في السجن، ومن حقّ السجين أنّ يتعلم، وأن يقرأ، وأن يشرب من ينابيع المعرفة والثقافة، ولو كان في زنزانة كالحة السواد".   

دخل السجن مرّة في القاهرة و(3) مرّات في طرابلس؛ بسبب مواقفه المعادية للاستعمار

وعندما خرج من السجن جمع ما يمكن جمعه من الكتب وعاد إلى السجن حاملاً صندوق الكتب ربّما ليؤسس أوّل مكتبة ثقافية تعرفها السجون في ليبيا. وكان مدير السجن يومها ضابطاً إنجليزياً، وقد هزّ هذا الرقي الإنساني قلب الضابط الإنجليزي الذي كان يعتقد أنّه حامل مشعل الحضارة الأوروبية، فكتب رسالة يحيّي فيها المصراتي السجين السابق لديه بتهمة حبّ الوطن والدفاع عن حرّيته".

حياة المصراتي لم تخلُ من الصراعات الفكرية

ووفق ما دوّنه الكاتب المصري أنيس منصور: "هناك طريقتان لكي تعرف ليبيا كلها؛ أن تذهب إليها، وأن تلتقي بالأديب الصحفي المجاهد علي مصطفى المصراتي، لقد نشأ في مصر في بولاق وإذا لم يكن لك ذلك، لاستطعت بسهولة أن تستنتج هذه الحقيقة من كثرة ما يعرفه ومن يعرفهم أيضاً، ثم روحه المرحة وسخريته الحادة ولسانه السليط وذاكرته المتربصة بكلّ الناس، ثق أنّه أرشيف من الحوادث والنوادر والقضايا لكلّ الناس، كأنّه في حالة استعداد للدخول في أيّ معركة أو أيّ قضية...، وهو يضع كلّ أوراقه في جيوبه، ويضع عدداً من الأقلام أيضاً، إنّه يخشى أنّ يجف ريقها...، فالذي يعرفه كثير جداً، والذي يُكنّه أكثر، وهو صاحب ورئيس تحرير جريدة اسمها (الشعب)، يكتبها من أولها إلى آخرها كلّ أسبوع، يكتب صفحتها الأولى الجادة الملتهبة والرصينة في الوقت نفسه، ويكتب صفحتها الأخيرة المرِحة".

اقرأ أيضاً: ذو القروح والملك الضليل.. ما لا تعرفه عن "امرؤ القيس" أشهر شعراء الجاهلية

وبحسب جريدة العرب اللندنية، فإنّ حياة المصراتي لم تخلُ من الصراعات الفكرية، ومن المشاكسات الطريفة، سواء بقلمه أو في مجالسه اليومية بالمقاهي التي اعتاد ارتيادها في شارع عمر المختار أو في ميدان الجزائر، حيث يدخن الشيشة، ويدفع النقاش إلى أعلى درجات الحرارة بما لديه من معرفة وقدرة على تجميع الأفكار العميقة بروح متجددة، مع نزعة صدامية، وميل إلى النكتة، وإقبال على الحياة التي واجه كلّ مصاعبها بجسده الضئيل وفكره الوقاد.

اقرأ أيضاً: الشيخ رائد صلاح: مطارَد مع سبق الإصرار

وأخيراً، فإنّ المصراتي يُعتبر أحد أبرز روّاد الفكر والثقافة والإعلام العرب، ومن الأدباء الموسوعيين الكبار الذين لم يتركوا باباً من أبواب العطاء الفكري والأدبي إلّا وطرقوه، حتى أطلق عليه لقب "عقاد ليبيا"، وقد كتب عنه الكاتب الليبي الراحل نجم الدين غالب الكيب: "المصراتي حرث أرضنا البور، وألقى بذوره هنا وهناك، وعمل بصبر لا مثيل له، وانتوى أن يجعل الأرض البور تسمن وتحبل وتثمر بكلّ أنواع العطاء الأدبي، على الرغم من سابق علمنا أنّ الاستنبات في الأرض البور وفي رمال القحولة عملية مضنية". وهذه الكلمات يدعمها سجل المصراتي الكبير، ويسندها العقل المدرك لما أعطاه الرجل من تاريخ طويل من الإيمان بالكلمة في جميع تجلياتها وفي اتجاه مختلف أهدافها، حتى تحوّل إلى مكتبة متجوّلة سيبقى أثرها خالداً عبر القرون، بحسب الكاتب الحبيب الأسود في العرب.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية