المرأة الأفغانية في ظل حكم طالبان: قيود على العمل، وحرمان من التعليم، ورقابة على الحركة

المرأة الأفغانية في ظل حكم طالبان: قيود على العمل، وحرمان من التعليم، ورقابة على الحركة

المرأة الأفغانية في ظل حكم طالبان: قيود على العمل، وحرمان من التعليم، ورقابة على الحركة


19/11/2025

 

منذ عودتها إلى السلطة تتعامل حركة طالبان مع حضور النساء في المجال العام باعتباره ملفًا أمنيًا وأخلاقيًا أكثر منه قضيةً حقوقيةً أو اجتماعيةً. وخلال الشهور الأخيرة توسّعت القيود التي تطبقها الحركة على النساء لتشمل تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والتنقل إلى الرعاية الصحية والتعليم، في إطار سياسة يبدو أنّها تستهدف إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أحادية تُقصي المرأة من المجال العام، وتربط مشاركتها بوجود مُحرم يملك سلطة تقرير ما يجوز وما لا يجوز.

ورغم الضغوط الدولية المتزايدة، تواصل الحركة إصدار تعليمات جديدة تُربك القطاعات الخدمية، وتضع المؤسسات الصحية والتعليمية في مواجهة معايير متشددة. وتؤكد وثائق أممية وتقارير صحفية أنّ هذه الإجراءات لم تعد حوادث فردية، بل أصبحت جزءًا من سياسة ممنهجة يجري تطبيقها على نطاق واسع، خصوصًا في الولايات الجنوبية والشرقية.

توسّع القيود من العمل إلى الرعاية الصحية

بحسب ما رصدته تقارير أممية مؤخرًا، اعتقلت السلطات التابعة لطالبان ثلاث عاملات في مجال الرعاية الصحية أثناء توجههن إلى مقار عملهن بدون مرافقة محرم. ورغم الإفراج عنهن بعد توقيع ذويهن تعهدات خطية، إلا أنّ الواقعة تعكس مستوى التشدد الذي باتت الحركة تمارسه على العاملات في القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة، التي تُعدّ من بين القليل من المجالات التي استمرت النساء في العمل داخلها بعد سيطرة الحركة على السلطة.

وبالتوازي مع هذه الواقعة، توسعت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في فرض تعليمات جديدة داخل المراكز الصحية. ففي كانون الأول (ديسمبر) الماضي  طبّقت الوزارة قرارًا يمنع دخول النساء غير المرافقات من دون محرم إلى المرافق الصحية في مقاطعة باكتيا. ووفق مصادر طبية داخل المنطقة، أصبحت الجولات التفتيشية للوزارة جزءًا من الروتين الأسبوعي، تهدف إلى فحص مدى الالتزام بالقرارات التي تعتبرها الحركة ضوابط شرعية.

المؤسسات الصحية بدورها باتت في وضع معقد: فمن جهة أصبح وصول النساء إلى الرعاية الصحية أكثر صعوبة بسبب القيود، ومن جهة أخرى تواجه تلك المؤسسات ضغطًا إضافيًا لضمان الامتثال للتعليمات، وهو ما يؤثر على قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.

 حظر مستمر دون أفق للحل

لا يقتصر التشدد على القطاع الصحي، بل يمتد إلى التعليم، وهو المجال الأكثر تأثرًا بسياسات طالبان منذ آب (أغسطس) 2021. وبرغم المطالبات المحلية والدولية بإعادة فتح المدارس الثانوية والجامعات أمام الطالبات، تواصل الحركة الالتزام بموقفها الرافض، مدّعية أنّ عملية إعادة الهيكلة ما زالت مستمرة.

التعليم في أفغانستان أصبح مقسّمًا فعليًا على أساس النوع، مع تعطيل شبه كامل لمشاركة النساء في المراحل التعليمية العالية. وتؤكد بيانات الأمم المتحدة أنّ استمرار هذا الوضع يهدد بتكوين جيل معزول من الفتيات المحرومات من فرص التعلم، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية مستقبلية، خصوصًا في بلد يعتمد جزء كبير من أسرته على عمل المرأة في القطاعات الخدمية.

تشديد الرقابة في الفضاء العام

في الأسواق والمكاتب والمدارس تعمل فرق وزارة الأمر بالمعروف على تنفيذ إجراءات تفتيش ميدانية للتحقق من الالتزام بقرارات الحركة المتعلقة بالزي والسلوك. وتفرض الوزارة ما تسمّيه ضوابط الحجاب الكامل، حيث يجري التأكد من تغطية النساء كامل الجسد والوجه، إضافة إلى التحقق من وجود محرم في حال كان المكان يتطلب ذلك.

ويشير سكان محليون إلى أنّ الدوريات أصبحت أكثر انتظامًا في الأسابيع الأخيرة، وأنّ تعليمات جديدة يتم تداولها شفهيًا بين الباعة والعاملين في المراكز التجارية تضمن تجنب أيّ مخالفة قد تُعرّضهم للمساءلة.

هذه السياسات دفعت نساء كثيرات إلى تقليص وجودهن في الأماكن العامة. وبحسب باحثين في الشأن الأفغاني، فإنّ الانسحاب القسري للنساء من الأسواق والعمل والأنشطة اليومية يمثّل خطوة إضافية نحو تحييد وجود المرأة خارج المنزل، وتحويل المجال العام إلى مساحة يهيمن عليها الرجال بالكامل.

في قندهار، المعقل المركزي لقيادة طالبان، اتخذت الشرطة الدينية إجراءات أكثر تشددًا بحق النساء المسافرات. وتشير تقارير ميدانية إلى أنّ محطات النقل تتعرض لحملات تفتيش دورية، يجري خلالها التحقق من عدم سفر أيّ امرأة بمفردها لمسافات طويلة. وأبلغت السلطات السائقين بعدم السماح لأيّ امرأة بالصعود دون محرم، تحت طائلة الغرامة أو الإيقاف عن العمل.

وتحتج الحركة بأنّ هذه الإجراءات تأتي ضمن إطار حماية النساء، إلا أنّ منظمات دولية تعتبرها شكلًا من أشكال القيود القسرية التي تحدّ من حرية التنقل، وتمنع النساء من الوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على المراكز الإقليمية للمستشفيات والجامعات.

وفي حالات أخرى، وفق شهادات وردت في تقارير صحفية، أوقفت الشرطة نساءً بسبب شرائهن وسائل منع الحمل، رغم أنّ الحركة لم تعلن رسميًا حظر استخدامها. وبحسب متخصصين يعكس ذلك وجود توجه داخل بعض القطاعات التابعة لطالبان لفرض وصاية أخلاقية على خيارات النساء الطبية والشخصية.

وصاية كاملة ورؤية إيديولوجية راسخة

المتابعون للشأن الأفغاني يرون أنّ قيود طالبان ليست إجراءات متفرقة، بل هي جزء من رؤية إيديولوجية تستند إلى فهم خاص للدور الاجتماعي للمرأة، هذه الرؤية تجعل وجود المرأة في المجال العام مشروطًا برقابة الرجل، وتتعامل معها بوصفها عنصرًا يجب التحكم فيه، كما تشير تحليلات الدراسات الحقوقية.

ويعتبر خبراء أنّ الحركة تعمل على تثبيت نموذج اجتماعي يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الجنسين وفق مقاييس تستلهم تجارب سابقة لطالبان خلال التسعينيات. إلا أنّ ما يميز المرحلة الحالية هو توسيع نطاق القيود لتشمل خدمات أساسية مثل الصحة والرعاية والاقتصاد، ممّا يجعل أثرها أكثر عمقًا واتساعًا.

بالنسبة إلى النساء، تعني هذه السياسات تراجعًا كبيرًا عن المكتسبات التي تحققت خلال العشرين عامًا الماضية، سواء في التعليم أو العمل أو المشاركة السياسية والمجتمعية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أنّ القيود الجديدة تُعدّ نكسة تاريخية لحقوق المرأة الأفغانية، وأنّها تدفع البلاد نحو نظام فصل اجتماعي حاد قد يستغرق عقودًا لتجاوزه.

تآكل الفرص الاقتصادية للنساء

تقييد حركة النساء وانسحابهن من سوق العمل أثّر بشكل مباشر على الاقتصاد المحلي، خصوصًا في المناطق التي كانت تعتمد على مشاركة النساء في القطاعات التعليمية والصحية والمنظمات الإنسانية. الانقطاع القسري لهؤلاء عن عملهن تسبب في نقص كبير، خاصة في المستشفيات التي كانت تعتمد على الكوادر النسائية لتجاوز حساسية التعامل بين المرضى والممرضات داخل المجتمع الأفغاني المحافظ.

وتشير تقارير التنمية إلى أنّ نصف الأسر الأفغانية كانت تعتمد على دخل النساء، سواء في العمل داخل المؤسسات أو من خلال الأعمال المنزلية الصغيرة. ومع تضييق الحركة على هذه الأنشطة، أصبح جزء كبير من الأسر في مواجهة أوضاع اقتصادية أكثر صعوبة، في بلد يعاني أصلًا من أزمة معيشية واسعة.

ورغم انعكاسات هذه السياسة على المجتمع، تُظهر المؤشرات غيابًا شبه كامل لأيّ شكل من أشكال المقاومة الداخلية المنظمة. ويرجع مراقبون ذلك إلى عدة عوامل؛ أهمها القبضة الأمنية الشديدة، وغياب الحركات النسوية التقليدية بعد عمليات التضييق والتهجير، إضافة إلى الخوف من العقوبات التي قد تطال العائلات بأكملها.

مع ذلك، تبرز أصوات فردية بين الحين والآخر، من ناشطات أو موظفات سابقات في المؤسسات الحكومية، تطالب برفع القيود، لكنّ هذه الأصوات تبقى محدودة التأثير، ولا تشكّل حراكًا ضاغطًا قادرًا على تغيير الواقع.

مستقبل مغلق وحياة يومية أكثر تعقيدًا

بناءً على المسار الحالي، تبدو أفغانستان متجهة نحو نظام اجتماعي أكثر انغلاقًا، يُعيد إنتاج ممارسات الماضي تحت مبررات شرعية. ويخشى خبراء من أنّ هذه السياسات، إذا استمرت، ستجعل من الصعب إعادة دمج النساء في مؤسسات الدولة مستقبلًا حتى لو تغيّر المشهد السياسي، نظرًا لما ستخلفه من فجوات تعليمية ومهنية واسعة.

وبالنسبة إلى النساء الأفغانيات، تتقلص الخيارات يومًا بعد يوم، فالحياة اليومية أصبحت سلسلة من الإجراءات التي تفرض وجود محرم في معظم الأنشطة، وهو ما يجعل المرأة تابعًا أكثر منه فاعلًا مستقلًا في المجتمع. ومع توقف التعليم الثانوي والجامعي، وانسداد آفاق العمل، وتراجع القدرة على الحصول على الخدمات الصحية، تصبح إمكانية بناء مستقبل طبيعي أقرب إلى التخيّل منها إلى الواقع.

وتُظهر السياسات الأخيرة لحركة طالبان أنّ التعامل مع النساء أصبح محورًا أساسيًا في مشروعها لإعادة تشكيل المجتمع الأفغاني. فمن تقييد العمل والتنقل إلى فرض ضوابط صارمة داخل المؤسسات الصحية والتعليمية، تعمل الحركة على بناء نموذج اجتماعي تُحكم فيه السيطرة على النساء بشكل كامل. وفي ظل غياب مقاومة داخلية منظمة، واستمرار الانهيار الاقتصادي، تبدو آفاق التغيير محدودة، بينما يدفع نصف المجتمع ثمنًا باهظًا لسياسات تحوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من القيود المتتابعة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية