المدن الفلسطينية المختلطة: كيف صار أصحاب الأرض غرباء ومنبوذين؟

المدن الفلسطينية المختلطة: كيف صار أصحاب الأرض غرباء ومنبوذين؟

مشاهدة

02/11/2021

في محاولة إسرائيلية مستمرّة لاستهداف فلسطينيي الداخل، عبر سياسات محو جغرافي وسياسي وثقافي واجتماعي، تمارس السلطات الصهيونية سياسة عنصرية وتمييزية متعمّدة، لحصر الفلسطينيين في غيتوهات، ومعاملتهم كغرباء ومنبوذين وكمواطنين من الدرجة الثانية، لتهويد المدن العربية وتحديداً المختلطة منها، من خلال زيادة أعداد الإسرائيليين والمستوطنين، وعبرنة أسماء الشوارع والأحياء، ليكابدوا مرارة العيش وسط مجتمع يهودي يزاحمهم في حقوقهم التاريخية والثقافية منذ سبعة عقود.   

اقرأ أيضاً: إسرائيل تغيّر أسماء الشوارع في القدس: الباب والحرّاس والأجراس لي

وبحسب إحصائيات صادرة عن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي؛ فإنّ عدد الفلسطينيين في جميع المدن المختلطة، في نهاية سنة 2019، قارب 112 ألفاً، أو ما نسبته 8.5 تقريباً من مجمل عدد الفلسطينيين في إسرائيل، وتقع أعلى نسبة في مدينتي اللد وعكا، حيث يشكل الفلسطينيون حوالي 30% من سكان كلّ منهما، وتقع أدنى نسبة في تل أبيب - يافا، إذ لا تتعدى نسبة الفلسطينيين فيها 4% من سكان المدينة، وتبلغ نسبتهم في الرملة حوالي 24% من سكان المدينة، فيما تصل إلى 12% في حيفا، ويعيش معظم الفلسطينيين في أحياء منفصلة، عن الأحياء اليهودية في هذه المدن.

سياسات محو جغرافي وسياسي وثقافي واجتماعي

ووثّق مركز عدالة، ضمن قاعدة بيانات التشريعات التمييزيّة، 50 قانوناً إسرائيلياً ضدّ فلسطينيي 48 لترسيخ فكرة يهودية الدولة، بالاعتماد على دعم الغالبيّة اليهوديّة، مثل قانون الجنسيّة اليهوديّة الذي ينص على سحب المواطنة ممن يمسّ أمن إسرائيل، وأداء القسم لمن يحمل الهوية الإسرائيلية بيهوديّة الدولة، ومن يرفض تسحب منه المواطنة.

السلطات الإسرائيلية تحرص على ألا تتعدى نسبة السكان العرب في المدن المختلطة 30% من مجمل السكان، تحديداً في مدن المركز، وهي اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا

ويقول معهد "عكيفوت"؛ إنّ هناك مدناً، كاللد والرملة، كانت عربية فلسطينية بالكامل ثمّ تحولت بعد نكبة 1948 لـ "مدن مختلطة"، وقد بقي فيها عدد قليل من السكان العرب ممن أجبروا على العيش داخل غيتوهات محاطة بالأسلاك، ومع إسكان المهاجرين اليهود فيها تحوّل الأصليون إلى أقلية مهمّشة.                 

وكشف الكاتب الإسرائيلي، ليران ليفي، أنّ "أوساط الشرطة وأجهزة الأمن تتوقع أن تشهد المدن العربية في الداخل المحتل، انتفاضة جديدة كالتي اندلعت في أيار (مايو) الماضي".

 

اقرأ أيضاً: هل تتراجع إسرائيل حقاً عن إقامة مستوطنة على جبل صبيح في الضفة الغربية؟

 وقال الكاتب، في تقرير نشره موقع "ويلا العبري"، في 4 أيلول (سبتمبر) الماضي: إنّ المدن المسماة "المدن المختلطة قد تشهد أعمال عنف واضطرابات واسعة، لكنّ الشرطة وباقي الأجهزة لا يمكنها إنقاذ الوضع بسرعة، رغم مضي أربعة أشهر على ما قام به فلسطينيو 48 خلال أحداث حرب غزة الأخيرة، في أيار (مايو) الماضي".

وحذّر الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، في 13 أيار (مايو) 2021، من خطر حرب أهلية في إسرائيل، بعد مواجهات دامية اندلعت في مدن الخط الأخضر، في 12 أيار (مايو) بين فلسطينيي الداخل وإسرائيليين.

وقال ريفلين، تعليقاً على مشاهد اعتداء إسرائيليين على شاب فلسطيني في مدينة "بات يام" الساحلية، في تصريحات لقناة "كان" الرسمية: "الحرب اندلعت في شوارعنا والأغلبية الصامتة مذهولة ولا تصدق ما تراه"، مناشداً الجميع في إسرائيل أن يدعوا الناس كي لا يصابوا بالجنون، "كوننا مواطنو بلد واحد، ومجتمع واحد".

تضييق الخناق على الفلسطينيين

وترى الناشطة ومديرة جمعية "نعم - نساء عربيات"، في المركز باللد، سماح سلايمة، في حديثها لـ "حفريات"؛ أنّ "النواة التوارتية في مدينة اللد ويافا على وجه التحديد تتطرق إلى السياسة العنصرية باتجاه البلدات المختلطة، والتي أهدافها الواضحة هي الاستيطان، وإعادة تهويد هذه المدن، والسيطرة اليهودية على المدن الساحلية، أو ما تعرف بالمركز، وذلك لتقليل الوجود الفلسطيني في هذه المدن وجلب المستوطنين، الذين كانوا سابقاً يقطنون في مستوطنات بالضفة الغربية، للعيش بالمساكن الشعبية أو المآوي التي توفرها لهم مجموعات النواة التوراتية، كما جرى سابقاً في مدينة اللد".

ترى الناشطة ومديرة جمعية "نعم - نساء عربيات"، في المركز باللد، سماح سلايمة، في حديثها لـ "حفريات"؛ أنّ النواة التوارتية في مدينة اللد ويافا على وجه التحديد تتطرق إلى السياسة العنصرية باتجاه البلدات المختلطة

وبينت سلايمة؛ أنّ "البلديات اليهودية تقوم على تعزيز الاستيطان والوجود اليهودي في البلدات المختلطة، وتقوم بتضييق الخناق على الفلسطينيين، من خلال البرامج الكبيرة التي تنتهجها لإخلاء المواطنين العرب، عبر إنشاء المشاريع الضخمة؛ كبناء ناطحات السحاب لصالح تعزيز الاستيطان، وتهجير الأزواج الشابة الفلسطينية إلى قرى المثلث والشمال، بالتالي، تقليص السكان الفلسطينيين فيها".

 

اقرأ أيضاً: منزل عائلة فلسطينية في رام الله وحيداً في مواجهة المستوطنين

وأكدت أنّ "البعد الأمني في هذه المخططات يتركز في أنّه كلما تعزز الوجود اليهودي، وتم استضعاف المواطن الفلسطيني تكون هناك سيطرة تامة على أهم العقارات وأغلاها ثمناً في البلدات التي تسمى مركز البلاد، والتي تمتد من هرتسليا إلى أسدود، ويجب وفق المخططات الصهيونية إخلاءها من أيّ وجود عربي"، موضحة أنّ "نظرية الغيتو الإسرائيلية تقوم على حصر السكان الفلسطينيين في بقع صغيرة لتتم السيطرة عليهم، وفي النهاية؛ فإنّ الخطة الصهيونية الكبيرة تهدف إلى ترحيل العرب في الداخل وتهجيرهم، وهو ما يجري تنفيذه على الأرض، رويداً رويداً".

ملاحقة سياسية وأمنية

وتابعت بأنّ "إسرائيل تمارس سياسة التضييق الاقتصادي وملاحقة أصحاب المصانع وكافة المصالح العربية في البلدات المختلطة، من خلال فرض الضرائب المختلفة عليهم، كالأرنونا وغيرها، وكذلك التمييز الكبير في ضخّ الأموال لدعم المدارس في البلدات العربية، وهي عوامل تؤدي إلى انشغال السكان العرب بكيفية الحصول على لقمة عيشهم، دون الالتفات نحو ترتيب صفوفهم لدعم النضال الوطني والقومي، حتى أصبح الوجود العربي مجرد صراع بقاء، في ظلّ الظروف الحالية التي ترتفع بها معدلات الجريمة والقتل في المجتمع العربي، بالتالي؛ فإنّ تفشي العنف يجعل من الحياة والوجود الفلسطيني، من ناحية السكن والتعليم والعمل والأمن الشخصي، شبه مستحيل، وهو ما يدفعهم للبحث عن ملاذ آخر".

الناشطة مها النقيب، لـ "حفريات": الفلسطينيون في المدن المختلطة يحاولون الاندماج مع اليهود، رغبة منهم بالعيش بحياة طبيعية دون التنازل عن هويتهم العربية، إلا أنّ إسرائيل ترفض وجودهم

سلايمة أوضحت؛ أنّ "التمثيل السياسي العربي في المدن المختلطة ضعيف، لعدم توحيد القوائم العربية صفوفها في الانتخابات المحلية، باستثناء بعض المدن، كحيفا واللد، حيث توجد اليوم حرب كبيرة بين العرب واليهود في الائتلاف، وكذلك بالسياسة المتبعة من قبل رؤساء البلديات اليهود في هذه المدن، والتي تقوم على المحسوبية في الموارد والتعيينات والوظائف، بينما في حال قيام الممثلين العرب بالمكافحة لتطوير قضايا السكن والبنى التحتية والمدارس، تتم ملاحقتهم سياسياً وأمنياً من قبل جهاز الأمن العام "الشاباك"، بالتالي، فإنّ تلك الملاحقات من شأنها أن تقوض فرص التمثيل العربي في المدن المختلطة".

اقرأ أيضاً: محللون لـ "حفريات": لهذا ظهر الأسرى مبتسمين

وحول المطلوب لخلق مجتمع عربي قوي قادر على مواجهة الأزمات وتجاهل الحكومة الإسرائيلية المستمر لهم، بيّنت سلايمة؛ أنّ "سياسة فرق تسد هي من أصعب السياسات التي تواجه الفلسطينيين في الداخل، تحديداً في المدن المختلطة، وهي ما توجب على الفلسطينيين توحيد الصفّ والنضال المستمر، ورفع صوت الخطاب الوطني عالياً، بحيث لا ننسى أن هذه البلدات هي مدن عربية تم احتلالها عام 1948م، حيث لا نجد فلسطينيين بهذه المدن يدعون إلى طرد اليهود منها، بينما يرغب هؤلاء بالعيش في ظلّ مساواة كاملة وحياة مشتركة، إلا أنّ الاحتلال غير قائم على مبدأ المساواة، بل يقوم على نظام عنصري يهدف إلى حماية اليهود وتهجير الفلسطينيين".

جعل الحياة مستحيلة

بدورها، قالت عضو بلدية اللّد السابقة والناشطة السياسية، مها النقيب: إنّ "السلطات الإسرائيلية تحرص على ألا تتعدى نسبة السكان العرب في المدن المختلطة 30% من مجمل السكان، تحديداً في مدن المركز، وهي اللد والرملة ويافا وحيفا وعكا، وهي بذلك تمارس مشروعاً استيطانياً لتهويد الأحياء العربية بهذه المدن"، مشيرة إلى أنّ "الاحتلال يحاول بشتى الطرق جعل حياة الفلسطينيين بهذه المدن مستحيلة، من خلال فرض العديد من المخالفات والغرامات عليهم، في ظلّ الوضع الاقتصادي السيئ الذي يعانيه معظم السكان، وذلك بهدف التضييق عليهم وتهجيرهم قسراً".

قالت عضو بلدية اللّد السابقة والناشطة السياسية، مها النقيب: إنّ السلطات الإسرائيلية تحرص على ألا تتعدى نسبة السكان العرب في المدن المختلطة 30% من مجمل السكان

وتابعت النقيب، لـ "حفريات": "الفلسطينيون داخل المدن المختلطة يحاولون الاندماج مع السكان اليهود، رغبة منهم بالعيش بحياة طبيعية دون التنازل عن هويتهم العربية، إلا أنّ دولة إسرائيل ترفض وجودهم، وتنظر إليهم كأعداء لها، في ظلّ اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة، على الرغم من حملهم للجنسية الإسرائيلية، وهذا ما يجعل الاندماج العربي داخل المجتمع اليهودي أمراً مستحيلاً في ضوء تلك المعطيات".

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن صناعة الفخار في الخليل؟ وما مصير هذه المهنة؟

وأكدت أنّ "العنصرية نحو المواطنين العرب تتم بشكل يومي، ومن أبرز تلك الأشكال عمليات القتل التي يرتكبها اليهود ضدّ السكان الفلسطينيين بالداخل المحتل، والتي باتت أمراً سهلاً في ظلّ عدم محاسبة ومعاقبة القتلة، لتتجه دولة الاحتلال إلى نظام حكم أبرتايد، مع وجود جهازين للقانون، أحدهما للسكان اليهود والآخر لمعاقبة المواطنين العرب، إذ أصبح هناك اختلاف كبير في قضية التعامل مع السكان العرب واليهود، ليس فقط بالسياسة، بل أيضاً في سنّ القوانين".

اقرأ أيضاً: مشروع إسرائيلي تهويدي لتدمير الاقتصاد في مدينة القدس

وبيّنت الناشطة السياسية؛ أنّ "المؤسسة الإسرائيلية وضعت خطة ممنهجة، بعد هبّة الأقصى، لتفكيك المجتمع العربي، وقد نجحت في ذلك، للأسف، من خلال تسريب السلاح من الجيش وعناصر الشرطة الصهيونية بكميات كبيرة إلى داخل المجتمع، ليستَخدم من قبل عصابات الإجرام العربية، والتي تتعاون نسبة كبيرة من أفرادها مع جهاز الشاباك، والعكس، بحيث أصبحت نسبة أن يتعرض القتلة للعقوبة أو أن يزَجّ بهم داخل السجون ضئيلة جداً، حتى وصلت أعداد القتلى من السكان العرب، منذ مطلع العام الحالي، إلى ما يزيد عن 100 قتيل".



الصفحة الرئيسية