المباني المهدمة... موت معلق فوق رؤوس سكان غزة

المباني المهدمة... موت معلق فوق رؤوس سكان غزة

المباني المهدمة... موت معلق فوق رؤوس سكان غزة


25/01/2026

في زقاق ضيق بمحاذاة مبانٍ نصف مدمرة ببلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تجلس الفلسطينية رباب نشوان (40 عاماً) على بقايا أريكة متهالكة، تحاول أن تجد لحظة من الهدوء وسط صوت الانفجارات المتقطعة في منزلها شبه المهدم، وجدرانه التي تحمل آثار القنابل التي هزت المدينة منذ سنوات، ورغم ذلك تقول بصوت خافت: "نحاول أن نعيش، رغم أنّ كل شيء حولنا يصرخ بالموت." 

نشوان واحدة من بين الآلاف من أهل غزة الذين يجدون أنفسهم كل يوم تحت تهديد المباني المدمرة التي تحولت إلى قنابل موقوتة تهدد حياتهم وحياة أسرهم في أيّ لحظة، فالشوارع الممتدة بين الأنقاض تحمل رسائل صامتة عن الحياة اليومية وسط الكارثة، أطفال يلعبون بين الركام، ونساء يحملن دلاء الماء من مصادر بعيدة، وشبان يرمّمون ما تبقى من منازلهم بأيديهم.

وأعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن تدمير أو تضرّر (436) ألف مبنى، تمثل 92%من المنازل في قطاع غزة.

ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة تم تدمير (160) ألف مبنى، وتعرّض (276) ألف مبنى لأضرار جسيمة أو جزئية، ونزوح 90% من سكان غزة من منازلهم.

وقال مكتب الإعلام الحكومي في قطاع غزة إنّ (127) ألف خيمة من أصل (135) ألفاً في القطاع أصبحت غير صالحة للإقامة بفعل المنخفضات الجوية.

وذكر المكتب أنّ هناك نقصاً في الكميات اللازمة من الأغطية ووسائل التدفئة بنسبة تتجاوز 70% على مستوى القطاع.

وتفاخر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قبل أيام بتدمير (2500) مبنى في قطاع غزة منذ سريان وقف إطلاق النار في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهنأ جنوده بذلك.

ركام الأمس، خطر اليوم

تصف نشوان المبنى المجاور لمنزلها، وتقول: "كان هذا المبنى مأوى لعائلة من أربعة أفراد، دمّر بالكامل قبل أسبوع، الجيران يحذرون من الاقتراب، لأنّ أيّ هزة أو حركة قد تؤدي إلى انهيار كامل، فكل مبنى هنا أصبح قنبلة موقوتة لا نعلم متى ستنفجر".

وتضيف: "السلطات في غزة عاجزة عن إزالة الأنقاض بسرعة، وكثير من المساعدات الإنسانية تتأخر بسبب الحصار وصعوبة الوصول إلى مواقع الانفجار، ونحن نعيش في حالة رعب دائم." 

وتوضح نشوان: "العيش بين المباني المدمرة يفرض تحديات يومية كبيرة، فالمياه نادرة، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة، والطعام محدود، لكنّ أكبر خطر هو المباني نفسها، كل زاوية وكل جدار يحمل تهديداً محتملاً." 

وفي أحد الأيام حاولت نشوان أن تدخل أحد الأبنية المجاورة لتجمع بعض الأغراض المتبقية، وتقول: "سمعت صوت صرير الحديد والخرسانة تتهاوى فوق بعضها البعض، فشعرت أنّ الأرض تلتهمني، وأدركت أننا نعيش في قنبلة موقوتة بالفعل." 

وتضيف: "الأطفال يسألون عن المدرسة، وعن أصدقائهم، وعن الحياة كما كانت، وأحاول أن أشرح لهم أنّ الوضع مؤقت، وأننا سنعود إلى الحياة الطبيعية يوماً ما، لكنّ الحقيقة أنّ كل يوم جديد يحمل معه تحدياً جديداً." 

وتختم نشوان حديثها بصوت مختلط بالألم والأمل: "نحن لا نطلب إلا أن نعيش بأمان، أن نعود إلى منازلنا دون خوف من انهيار الجدران فوق رؤوسنا، نريد حياة طبيعية، أطفالنا يريدون العودة إلى المدرسة، ونحن نريد أن نعود إلى الحياة." 

حياة معلقة بين الأنقاض

عند الفجر خرج الشاب شكري البنا (29 عاماً) من حي الزيتون شرق مدينة غزة من منزله شبه المدمر الذي تنبعث من ركامه رائحة غبار القنابل والحرائق السابقة، فقد بات المنزل الذي ولد فيه خطراً يتهدد حياته، وأصبحت جدرانه المتصدعة تشبه صمت المدينة المؤلم بعد كل انفجار.

البنا، الذي كان يدرس الهندسة المدنية قبل أن تتوقف الجامعة، وجد نفسه في مواجهة يومية مع الواقع الجديد، فالمباني المدمرة أصبحت جزءاً من حياته، وأصبح التعامل معها مسألة بقاء، ويقول وهو يشير إلى عمود متصدع في منزله: "كل زاوية هنا خطر، وكل مبنى قد ينهار في أيّ لحظة، ونعيش تحت تهديد دائم، وعلينا أن نحسب خطواتنا بعناية." 

ويعمل الشاب مع مجموعة من المتطوعين في إزالة الأنقاض البسيطة وتحويلها إلى مواد قابلة لإعادة الاستخدام، ويقول: "نحاول جاهدين أن نجعل الشوارع آمنة، لكنّ الإمكانيات محدودة، فالحصار ونقص المعدات والخوف يجعل كل يوم تحدياً جديداً، وأحياناً أرى الأطفال يلعبون بالقرب من الأبنية المهدمة، وأشعر بخوف لا يوصف." 

ويصف البنا المشهد القاسي في الحي: "هناك مبانٍ شبه مدمّرة، وسيارات محطمة، وشوارع مليئة بالحفر، وفي كل مرة يحدث فيها انفجار بعيد نشعر بالزلزال كأنّ الأرض تحتنا تهتز، هذا يجعل كل حركة بسيطة مثل عبور الشارع أو النزول إلى السوق مغامرة." 

ورغم الظروف القاسية ما يزال البنا يحلم بمستقبل أفضل، يقول: "كنت أريد أن أصبح مهندساً، أن أصمم المباني لتكون آمنة وتتحمل الظروف، الآن أحاول أن أتعلم كيف نحمي أنفسنا أوّلاً، وكيف نعيد بناء ما يمكن أن يعاد، خطوة خطوة."

ويضيف: "الشباب هنا يعيشون حالة مزدوجة بين الخوف من المباني المدمرة وبين الرغبة في العيش بشكل طبيعي، وكثير منا يشعر بالعجز، لكننا مضطرون للمضي قُدماً، لأجل عائلاتنا، ولأجل المدينة." 

ويوضح: "أكثر ما يثير القلق هو المباني المهجورة أو المدمرة جزئياً، فهذه المباني قنابل موقوتة، أيّ هزة، أيّ رياح قوية، أيّ حركة قد تسبب انهياراً، نحاول الابتعاد عنها قدر الإمكان، لكن في بعض الأحيان حياتنا اليومية تجبرنا على الاقتراب." 

ويؤكد البنا: "نحن شباب غزة نحاول أن نبقى أحياء، ليس فقط بالجسد، بل بالروح أيضاً، فنحن نريد أن يعود الأمان إلى المدينة، وأن نعيش بدون خوف من أن تسقط الجدران فوقنا، وأحيانا أشعر أنّ صوتنا لا يصل، لكننا نستمر، لأنّ الاستسلام يعني الموت." 

أمل يتأرجح بين الركام

في حي الرمال وسط مدينة غزة، حيث تلتقي الأنقاض ببقايا الحياة، يقف الشاب يوسف الحلاق، (31 عاماً) أمام منزله المدمر جزئياً، فواجهة المنزل مهشمة، والنوافذ محطمة، لكنّه يرفض مغادرة المكان ويقول بصوت هادئ لكنّه حاد: "هذا منزلي، مهما كان ما حلّ به، فالمغادرة ليست حلاً، بل هي استسلام." 

ويصف الحلاق حياته اليومية قائلاً: "أستيقظ قبل الفجر لأجمع الماء والطعام، وأحضر بعض الحطب للطبخ، وأحاول أن أحمي الأطفال من المباني المهدمة،  فأيّ حركة خاطئة قد تسبب كارثة، لذا نحن دائماً في حالة يقظة، حتى اللعب أصبح ممنوعاً في الحي، لأنّ المباني المدمرة أصبحت قنابل موقوتة." 

ويضيف: "كل يوم أسمع صوت انهيارات صغيرة هنا وهناك، فالجدران المهترئة قد تنهار فجأة، وأحياناً نجد أنفسنا نركض للخروج من الشارع قبل أن يسقط شيء علينا. وبالرغم من الخطر الدائم، إلا أنّ السكان يحاولون التكيف مع الوضع، فغالباً ما نسمع صوت تحطم جدار أو سقوط سقف، ونقف للحظة مذهولين، لكن بعد دقائق نستمر، لأنّ الحياة لا تتوقف، فنحن نتعلم كيف نعيش وسط الخطر، لكنّ القلق موجود دائماً." 

ويتابع: "كلما اقتربت من الأبنية المدمرة أشعر بالخوف على عائلتي، فالأطفال لا يعرفون معنى الخطر بدرجة معرفتنا نفسها، لذلك نحاول حمايتهم بكل الوسائل الممكنة."

ويحلم الحلاق بالعودة إلى حياة طبيعية، لكنّه يعرف أنّ الطريق طويل. يقول "كنت أحلم بالسفر لإكمال دراستي، لكنّ حلمي الآن هو أن أعيش بسلام، أن أستيقظ كل يوم دون أن أخاف من أن يسقط جدار على رأسي، ونحاول نحن الشباب أن نبني مستقبلنا هنا، رغم كل الصعوبات." 

تصدّع 30 ألف منزل

أوضح الناطق باسم المديرية العامة للدفاع المدني بغزة محمود بصل أنّ "الحرب الإسرائيلية المتواصلة على غزة تسببت بتصدع وانهيار أكثر من (30) ألف منزل بالقطاع، الأمر الذي يهدد حياة أكثر من (100) ألف شخص بالموت." 

وأضاف: "انهار (27) منزلاً بشكل كامل منذ بدء المنخفضات الجوية، وتجاوز عدد المباني التي انهارت كليّاً منذ وقف إطلاق النار (55) مبنى، إضافة إلى أكثر من (200) مبنى تضرر بشكل خطير. وهذه الانهيارات تسببت بوفاة (24) شخصاً، وغياب الآليات الثقيلة وأدوات الإنقاذ المتخصصة يؤدي إلى وفيات كان يمكن تفاديها." 

وأوضح أنّ "القصف القوي والمستمر أدى إلى حدوث تغيرات في التربة، وتشققات خطيرة في المباني السكنية، وهو ما يهدد بسقوط المزيد من المباني خلال الفترة القليلة المقبلة." 

وأكد أنّ "الدفاع المدني يعاني نقصاً حاداً في الوقود والمعدات، وهو ما يعيق إزالة الأخطار في الكتل الخرسانية المعلقة والمباني الآيلة للسقوط، ممّا يهدد بانهيارها على رؤوس ساكنيها." 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية