"اللجنة الإدارية العليا" للإخوان: تجلّي الإيديولوجيا العنيفة تحت قناع التنظيم

"اللجنة الإدارية العليا" للإخوان: تجلّي الإيديولوجيا العنيفة تحت قناع التنظيم

"اللجنة الإدارية العليا" للإخوان: تجلّي الإيديولوجيا العنيفة تحت قناع التنظيم


28/10/2025

حين انهارت في مصر بنية جماعة الإخوان المسلمين عقب الثالث من تموز (يوليو) 2013، لم يكن المشهد مجرد سقوطٍ سياسي لرئيس فقد شرعيته، بل كان انكشافًا جذريًا لبنية فكرية وتنظيمية قاومت التكيّف مع الدولة الحديثة منذ نشأتها.

في هذا الفراغ برزت اللجنة الإدارية العليا التي تشكّلت في شباط (فبراير) 2014 برئاسة عضو مكتب الإرشاد محمد كمال كصوتٍ جديدٍ للجماعة في الداخل، لكنّها لم تكن مشروع إدارة مؤقتة بقدر ما كانت تعبيرًا عن انقلاب إيديولوجي مكتمل الأركان داخل التنظيم.

في تلك اللحظة كان الجسد التنظيمي للإخوان مثقلاً بالهزائم، والقيادة التاريخية ممثلة في محمود حسين وإبراهيم منير تحتمي بالمنفى وتستعيد خطاب السلمية، بينما القواعد الشبابية الميدانية التي وقعت فريسة تعنت الإخوان والصدام مع الدولة في رابعة والنهضة كانت تغلي بإحساسٍ عميقٍ بالمظلومية والرغبة في الثأر.

جاء محمد كمال، أستاذ التشريح بجامعة أسيوط وعضو مكتب الإرشاد، ليعيد تشكيل هذا الغضب ضمن منظومة جديدة حملت اسم "اللجنة الإدارية العليا"، ولكنّ جوهرها كان إحياءً مُحكَمًا لفكرة التنظيم الخاص القديمة، أي الجناح السرّي المسلح الذي كان يتوارى خلف الشعارات الدعوية.

التحول في الخطاب من الصمود السلمي إلى الثورة الشاملة

تحليل الوثائق الداخلية التي نشرها كتاب "الأواصر الممزقة" لـ "مؤسسة القرن" يظهر أنّ اللجنة اعتمدت في بياناتها الأولى مصطلحًا ملتبسًا: "الثورة الشاملة السلمية التي تملك كل أدوات المقاومة". كان ذلك التعبير بمثابة ترميز لغوي للعنف المنظّم؛ فهي سلمية مشروطة، لا تنفي استخدام القوة، بل تشرعنها باعتبارها وسيلة لـ "القصاص".

في خطابات محمد كمال الصوتية، التي تسرّبت لاحقًا، يظهر بوضوح استحضاره لمبدأ "دفع الصائل"، وهو مبدأ فقهي دفاعي، لكنّه حُمِّل هنا بمعنى سياسي مطلق: الدولة صائل، والأمن صائل، ومَن يواجه القمع فإنّه يؤدي "واجبًا شرعيًا".

لقد تبنّت اللجنة خطابًا عاطفيًا صاخبًا يزاوج بين مفردات الثورة والقداسة: "دماء الشهداء أمانة"، و"الثورة فرض عين"، و"القصاص حياة للأمة". هذا التزاوج بين: القداسة الدينية، والاندفاع الثوري، منح الخطاب شرعيةً في وجدان أتباع الجماعة، لكنّه في الوقت ذاته حرّر التنظيم من أيّ التزام وطني أو مدني. تحوّل الدفاع إلى هجوم، والسلمية إلى استنزاف، والهوية الدينية إلى مبرّر دائم للانفصال عن المجتمع.

من اللجنة الإدارية العليا إلى الجناح النوعي

لم تكن اللجنة الإدارية العليا كيانًا إداريًا فحسب، بل كانت غرفة عمليات سياسية وتنظيمية سرّية، أُعيد فيها إنتاج هيكل "العمل الخاص" الذي مثّل دومًا الجانب المعتم من تاريخ الإخوان.

وفق ما ورد في "الأواصر الممزقة"، تولّى علاء السماحي ويحيى موسى ـ وكلاهما من قيادات الصف الثاني ـ مسؤولية إدارة "اللجان النوعية"، التي بدأت بدعوى حماية المظاهرات، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى "عمليات نوعية" تستهدف رموزًا أمنيةً وبنى تحتية. وهنا تَحوَّلت الفكرة التنظيمية إلى ممارسة مسلحة. السرّية التي كانت يومًا أداة للحماية صارت بنية دائمة للعمل تحت الأرض. "البيعة" القديمة التي كانت التزامًا دعويًا تحوّلت إلى قسم طاعةٍ عسكري الطابع، و"الثقة" التي كانت رابطة روحية أصبحت غطاءً لممارسات عنيفة مسوَّغة بفقه الضرورة. وهكذا وُلدت حركتا "حسم" و"لواء الثورة" كامتداد عضوي لخيال اللجنة الإدارية العليا.

ولم يكن هذا الانفصال عن "السلمية" حدثًا عرضيًا؛ بل كان تطورًا حتميًا لفكرٍ يرى في الدولة خصمًا عقائديًا لا مؤسسة وطنية، وفي الأمن خصمًا دينيًا لا ذراعًا للعدالة.

الدولة والمجتمع: من استيعاب الخصم إلى تحصين الوعي

تتبنّى الدولة المصرية منذ 2014 مقاربةً مزدوجةً تجاه إرث اللجنة الإدارية العليا: من جهة، الحسم الأمني بتفكيك الشبكات النوعية وضبط التمويل والاتصالات، ومن جهة أخرى، المعالجة الفكرية بإعادة صياغة الخطاب الديني ليعزل فكرة "الشرعية الثورية" عن الدين ذاته. وقد نجح هذا المسار في تفريغ الخطاب الإخواني من جاذبيته الأولى.

فما كان يُقدَّم كـ "جهادٍ مقدّس" صار يُرى في الوعي العام كعملٍ تخريبيٍّ ضد الدولة، وما كان يُرفع رايةً لـ "القصاص" صار في نظر المصريين انتقامًا أعمى من الوطن. الدرس الذي استخلصته الأجهزة المعنية من تجربة اللجنة الإدارية العليا هو أنّ المواجهة لا تكون فقط بالرصاص، بل بفكّ بنية السرد الإيديولوجي التي تغذّي العنف. فحين تُكشف اللغة ويتعرّى الرمز، يسقط سحر التنظيم.

محمد كمال: من المظلومية إلى الإيديولوجيا

في الخطاب الرسمي المصري، يُنظر إلى محمد كمال لا كمجرد قيادي ميداني، بل كمُنظّرٍ محليٍّ للإرهاب المُقنَّع بالدعوة. فهو الذي أضفى على الانتقام مسحةً شرعية، وجعل من فكرة "الصبر" التي لطالما تباهت بها الجماعة جسرًا إلى "المقاومة المسلحة". لقد قاد كمال مرحلة "التأسيس الثاني للعنف"، حين أعاد دمج مفردات دينية مثل "القصاص"، "التمكين"، "الصائل"، في سياقٍ سياسيٍّ مباشر، فحوّلها إلى قواعد تشغيلية للجناح النوعي. ومع مقتله في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، لم ينتهِ فكره تمامًا، بل توارى في الخطاب "الثوري" الإخواني الذي ما زال يبرّر الفعل العنيف باسم المظلومية. لكنّ الدولة المصرية أدركت أنّ تفكيك الأسطورة لا يتم بقتل صاحبها فقط، بل بكشف بنيتها الفكرية أمام المجتمع. فقد قُتل الرجل، لكنّ البنية التي أنشأها فُكِّكت، ووعي الشارع الذي كان يتعاطف مع الجماعة تغيّر جذريًا.

مآلات التجربة بين الدولة والفكرة

تُظهر تجربة اللجنة الإدارية العليا أنّ الإخوان حين يُدفعون إلى الزاوية لا يعودون إلى الدعوة، بل إلى السرّية؛ وحين تُحاصرهم السياسة، يلجؤون إلى العقيدة؛ وحين تضيق بهم الدولة، يستدعون الفقه القديم لتبرير المواجهة. بهذا المعنى لم تكن اللجنة حادثًا عابرًا، بل مرآةً لحقيقة التنظيم حين يُترك وحده أمام اختياره الأصعب: الدولة أو الجماعة. لقد اختار محمد كمال وجيله الجماعة، فاختاروا الانفصال عن المجتمع، فاختارهم العنف. بالتالي لم يكن القضاء على اللجنة الإدارية العليا مجرد "نجاح أمني"، بل كان تحصينًا للدولة الوطنية من عودة الطيف القديم: طيف التنظيم السرّي الذي يخلط بين الدين والسياسة، وبين الإيمان والطاعة، وبين الوطن والجماعة.

إنّ اللجنة الإدارية العليا كانت الطور الأكثر شفافية في تاريخ العنف الإخواني، لأنّها كشفت دون مواربة أنّ المشروع لا يعيش إلا في الظل، ولا يتنفس إلا تحت الأرض. وحين خرج إلى العلن، كان لا بدّ أن يُواجه شمس الدولة بكل حرارتها؛ فالتجربة المصرية في هذا السياق ليست قصة قمعٍ لجماعةٍ سياسية، بل ملحمة دفاعٍ عن الدولة نفسها، عن حقّها في أن تبقى دولةً لا طائفة، وطنًا لا تنظيماً، وهو دفاعٌ كلّف كثيرًا، لكنّه كان ثمن الوعي الوطني الذي تعلّم أنّ من لا يحسم مع السرّية سيظلّ يعيش في الظل.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية