"القاعدة" بعد الظواهري.. هل ينتهي التنظيم الذي نعرفه؟

"القاعدة" بعد الظواهري.. هل ينتهي التنظيم الذي نعرفه؟

مشاهدة

21/06/2021

ظهرت مؤخراً تساؤلات عن موت أكبر زعيمين لتنظيم القاعدة في الأشهر الأخيرة، وهما الظواهري وعبدالله أحمد، المكنى أبو محمد المصري، والاستراتيجية المستقبلية وقوة التنظيم الإرهابي، الذي أصبح بالفعل مجرد ظل للقوة التي كان عليها من قبل.

منذ السنوات الخمس الأولى لمقتل بن لادن واجه تنظيم القاعدة أزمة بعد أزمة ولم يعد مركزياً كما كان

لم يؤكد التنظيم رسمياً وفاة الظواهري، بل ردّ بإعادة نشر مقاطع قديمة له على مؤسسة (سحاب)، إلا أنّ ذلك فتح المجال عن الحديث عمن يخلفه، وتأثير ذلك على تلك الشبكة الإرهابية، وماذا لو قتل أو مات بالفعل، وكيف ستبدو أزمات التنظيم؟ وما هي تلك المظاهر والتحديات والإشكالات التي ستواجهه؟ وفي الحديث عن أزمة من يخلف، ومن هم الخلفاء المحتملون، والانعكاسات السلبية وتأثيرها على مستقبل التنظيم، هذا التقرير يسعى للإجابة عن هذه التساؤلات.

أ. القاعدة والتموضع المتفكك

منذ السنوات الخمس الأولى لمقتل بن لادن واجه تنظيم القاعدة أزمة بعد أزمة، ولم يعد مركزياً كما كان من قبل، كما يقول مدير وكالة المخابرات المركزية، جون برينان: "إنّ القاعدة الأساسية - المجموعة التي يقودها الآن أيمن الظواهري - ليست كما كانت في السابق"[1]، وأصبحت صورتها كالتالي:

1- تنازعها بين صنوف من القادة

عقب انتقال قيادة القاعدة إلى أيمن الظواهري، سيطر المصريون على المراكز القيادية، وأدى ذلك إلى التنازع بين ثلاثة صنوف من القادة، وهم التاريخيون الذين كانوا حول بن لادن، مثل الأردني المقتول أسامة العريدي، ومن خلفهم منظّرون مثل أبو محمد المقدسي.. ، والصنف الثاني، هم الجناح الذي يمثله تلاميذ أبو مارية القحطاني (ميسرة الجبوري)، والثالث القادة الذين نشأوا في حرب سوريا أو في صحارى مالي وأدغال الصومال ونيجيريا، مثل المصري المقتول أيضاً أسامة قاسم، وكل هؤلاء مثّلوا حلقات من الصراع، حيث يرى كل منهم الأحقية بقيادة قافلة القاعدة؛ لأن "الظواهري مَصّر التنظيم (رفع من شأن المصريين فيه) بعد مقتل بن لادن فكان يريد أن يعود إلى مصر مع جماعة الجهاد وبالتالي يعود إلى "العدو القريب".

وفي السنوات الأخيرة لم يعد أحد يسمع لقائد القاعدة، وحتى من كانوا يستمعون إليه (أخذوا مكانه) فانتقل مركز التنظيم من الظواهري إلى أبي بصير الوحيشي (في اليمن) الذي أخذ ينفذ نهج بن لادن (الجهاد العالمي) وآخر هجمات فرع اليمن كانت شارلي إبدو، ولم يستطع أن يعيد التوازن الذي كان حققه بن لادن عبر شخصيته ومراعاته الموجودين في التنظيم (المصريين والخليجيين)، وهو اليوم يبعث توصيات إلى أفرع التنظيم فلا أحد يستمع إليه؛ بل إن عبدالرحيم عطون (رئيس المجلس الشرعي في هيئة تحرير الشام) كاد أن يشتمه"[2].

2- انتقالها من المظلة إلى عدم السيطرة

كان تنظيم القاعدة أواخر عهد بن لادن، وفق اقتراح قدمه الظواهري، انتقل إلى نمط المظلة الأيديولوجية، الذي تلتزم فيه جماعات شريكة وحليفة نفس الأفكار والتمويل وغيرها، واستمرت سنوات طوال هكذا حتى انتقلت الآن إلى الدمج بين الفصائل الإقليمية والميليشيات؛ أي توحيد هيكل القيادة والتحكم، وهو نمط (اندماجي) استتبع بالضرورة استراتيجية لامركزية في التعامل مع الفروع، ودمج الفصائل والتنظيمات القريبة، وإدارتها من خلال قيادة مشتركة واحدة.[3]

الظواهري مَصّر التنظيم بعد مقتل بن لادن فكان يريد أن يعود إلى "العدو القريب" مصر مع جماعة الجهاد

لكن بسبب غياب الظواهري المستمر، وضعف سيطرته، أصبح التنظيم مجموعة من الجماعات: حليفة (متحالفة مع التنظيم فقط)، وشريكة (متشاركة معه في الأهداف) ومتماهية (أصبحت في صلب النواة للتنظيم)، وفي العامين الأخيرين تجمع كلّ من يعمل إقليمياً وفي ذات الوقت يريد الاحتفاظ بخصوصيته الإدارية وبقيادته وتكتيكاته، وهذه هي النقطة الأولى، التي استتبعها فيما بعد العملية الاندماجية، وتعتمد بشكل أساسي على الارتباط باسم تنظيم "القاعدة" فقط، دون سيطرة فعلية على الأرض، ومن أهم الأمثلة على ذلك ما جرى في مطلع العام 2017 حين أعلنت كبريات التنظيمات الإسلامية المسلحة النشطة في الصحراء الكبرى، ودول الساحل الأفريقي عن حركة جديدة تحمل اسم "جماعة أنصار الإسلام والمسلمين"، ضمت: جماعة أنصار الدين، وإمارة الصحراء الكبرى (6 كتائب تابعة لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي)، وكتيبة "المرابطون"، وكتائب ماسينا، وبايعوا أمير جماعة أنصار الدين، إياد آغ غالي، أميراً للتنظيم الجديد، ثم أعلن الأخير مبايعته لأمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري[4].

3- صراعها بين المحلي والمعولم

في الصراع ما بين العودة للقتال محلياً كما سيرة المؤسسين الأوائل، أو السير على نفس الاستراتيجية التي وضعها أبو حفص وأبو عبيدة البنشيري المؤسسان الحقيقيان للقاعدة، وهي شبكة القتال المعولم، بانت الإشكالية في سوريا، وتنازع القادة ما بين المحلية والجهادية العالمية، ولم تحسم المسألة بشكل واضح، أو فقه استراتيجي بعينه.

تعاني القاعدة من عدم وجود قائد رمزي له كاريزما يمكن أن تجتمع عليه أفرع التنظيم

لذا ففي الأعوام الثلاثة الأخيرة شهدنا تنظيمات محلية كثيرة تابعة لمظلة القاعدة، وبان في رسالة فقيه التنظيم أبو بصير الطرطوسي التي أرسلها إلى الظواهري تلك الإشكالية، حين أراد الأول من التنظيمات السورية أن تنفصل عن القاعدة، حرصاً على ما أسماه (الجهاد السوري)، وهو ما حصل فيما بعد تحت مسمى (فتح الشام ثم جبهة تحرير الشام)[5]، وهي الاستراتيجية القائمة على "استرضاء المجتمع"، عبر ما يسمى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من القيادات الآن، بل وتؤمن بها فصائل مثل (أحرار الشام)، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح القاعدة المعولم، ومشايخ التنظيم، مثل أبو قتادة وأبو محمد المقدسي، حول "المظلة القاعدية المعولمة" و"المظلة المحلية".

ما سبق كان سبباً في ظهور تنظيم "حرّاس الدّين" الذي عمل على بناء أيديولوجية خاصة به في الشّمال السوري، قائمة على التمدّد باتجاه العراق، وإعادة نفوذ الجهاديين المرتبطين بـ"القاعدة" إلى مناطق بلاد الشّام بشكلٍ عام[6]، وانضوى تحته العديد من المجموعات التي عمل أغلبها سابقاً في إطار تحرير الشام، مثل "جيش الملاحم"، و"جيش الساحل"، و"جيش البادية"، و"سرية كابل"، و"جند الشريعة"، وكلهم يؤمنون بعولمة العمليات الجهادية[7]، وستسبب فيما بعد طريقة تعاملهم شروخاً في العلاقة بين الحاضنة الشّعبية من جهة، والشقّ المعولم للقاعدة في سوريا من جهة أخرى[8].

ب. تحديات وانعكاسات سلبية

لا شك أنّ صورة القاعدة السابقة وخريطة تموضعها الحالي كانا بسبب جملة من انعاكاسات سلبية داخل التنظيم، وهذه الانعكاسات لها أسبابها ومسبباتها الكثيرة، التي ستؤثر على فرص الانتقال لمرحلة ما بعد الظواهري، وهي كالتالي:

1- ضعف القائد

فشل الظواهري فشلاً ذريعاً في قيادة التنظيم، ولم يتمكن من ملء مكان بن لادن، لأسباب كثيرة منها اهتزازه فكرياً وإيدلوجياً بشكل كبير، وغيابه عن المشهد العام في القاعدة حتى بات يطلق عليه القائد المسردب[9]، فهو كما قال مؤرخ التنظيم: لا يظهر إلا في مناسبات نادرة، يضاف إلى ما سبق ضعف شخصيته واتهامه بالتواطؤ ضد أصحابه، وأنه منذ رحيل بن لادن لم تظهر أي قيادة قادرة على استيعاب طبيعة التحديات وطرح الحلول[10].

بسبب غياب الظواهري المستمر وضعف سيطرته أصبح التنظيم مجموعة من الجماعات المتحالفة معه

مع تقدمه في السن، وتكرار نفسه بخطب طويلة ومتعرجة بالمقارنة مع بن لادن، وتقيده في استراتيجيته العملياتية، وتصلبه في أسلوب إدارته، فإنه أخفق في تطوير أيديولوجيا يمكن أن تضاهي داعش[11].

اقرأ أيضاً: إصدار حكمين بالإعدام لمفتي "القاعدة" في العراق... تفاصيل

كما أنّ ضعف الظواهري، وفقده لكاريزما (بن لادن) دفع العديد للانشقاق، بل والخروج عليه[12]، وبدا أنّ ذلك مرشح للازدياد مع نفوق الكثير من الفصائل، حيث إن دور «قيادة القاعدة» صار منحصراً في سلسلة إصدارات مرئية وسمعية له يحرض فيها على تنفيذ هجمات ضد أهداف غربية وعربية، لتنتهي القيادة المركزية للتنظيم إلى مجلس استشاري ليس لديه سلطة تنظيمية على الفروع.

2- العلاقة مع إيران

شكّلت عمليات احتواء وتوظيف إيران للتنظيم عامل ضغط على الظواهري؛ إذ تعدّت مسألة عبور مقاتلي القاعدة إلى حمايتهم، وإلى توفير معسكرات التدريب، وتنفيذ عمليات خارجية من داخل طهران، وهو ما انتقده تنظيم داعش فيما بعد، واعتبر أن ذلك من أسباب انشقاقها عن التنظيم[13].

تاريخياً لإيران عدة مصالح من علاقتها مع القاعدة، أهمها: منع أي هجمات محتملة من التنظيم الذي لا يخفي أنه يعتقد بكفر النظام الإيراني[14]، لذا فقد نقلت طهران قادة القاعدة الذين كانوا في معسكر هرات بقيادة الزرقاوي، إلى المناطق الكردية العراقية على حدودها الغربية[15]، و"استضافت ووظفت عدداً كبيراً من القيادات الآخرين، مثل: محمد شوقي الإسلامبولي، ومصطفى حامد، مؤرخ التنظيم، وابنه، كما تم منح هامش أكبر من الحرية لخمسة قياديين من التنظيم كانوا متواجدين في إيران، من بينهم أبو محمد المصري مقابل إطلاق سراح دبلوماسي إيراني ومرافقيه الذين اختطفوا من قبل جناح تنظيم القاعدة في اليمن، واستضافت نائب الظواهري أبو الخير، والرجل الثالث عبدالله أحمد عبدالله، وسيف العدل الذي لا يزال موجوداً بها هو وزوجة حمزة بن لادن.

من أهم الانعكاسات السلبية على التنظيم أنه على خلاف إيديولوجي وعسكري على أكثر من صعيد مع داعش

إنّ العلاقة البراغماتية بين القاعدة وإيران التي تجاوزت المذهبية شكلت تحدياً كبير لقيادة التنظيم، وأدت إلى وضع قيادة الظواهري في موطن الاتهام، وأدت إلى تراجع كبير له خاصة في سوريا واليمن.

3- مقتل القيادات المؤثرة

فقد القاعدة العديد من مؤسسيه التاريخيين؛ مثل: أبو حفص محمد عاطف، وأبو عبيدة البنشيري علي الرشيدي، وأنور العولقي، وأبو علي الحارثي، وسعيد الشهري، وخالد الحبيب، وآدم غدن، إلا أنه تماسك ونجح في استبدال تلك الرؤوس بمن قاموا بنفس الأدوار، إلا أنه خلال الخمس الأعوام الأخيرة وحتى نهاية العام 2020، فقد أكثر عناصره تأثيراً وعجز عن إيجاد بدائلهم المناسبة، مما أدى إلى حدوث خلخلة بنيوية كبيرة به، سواء على مستوى التأثير الدعوي والاستقطابي، أو على المستوى العسكري العملياتي.

جدول يوضح أبرز من قتلوا من القاعدة في 2020
خلفاء محتملون قيادات عسكرية قيادات إدارية
أبو محسن المصري بلال الصنعاني أبو مصعب عبدالودود
أبو محمد عبدالله أحمد عبدالله با أغ موسى قاسم الريمي
حمزة بن لادن أبو البراء القيفي سياف التونسي

من الناحيتين؛ المعنوية والتنظيمية أثّر مقتل القيادات على التنظيم، وساهم ذلك في تقليص مكانة التنظيم، وأربكت قراراته الإدارية، وأدت إلى كثير من الانشقاقات، والتفكك على المستوى التنظيمي، ودفع إلى تفاقم الصراع على القيادة، وتقليل قدرته على الهجمات الإرهابية.

4- خروج فروع عن السيطرة

فقد الظواهري السيطرة تماماً، وتشظّى كيان القاعدة في الصومال على أثر التعاون مع طهران ومساعدتها في الحصول على اليورانيوم مقابل الدعم اللوجستي للحركة، وأعلن أكثر من فرع بليبيا حل نفسه، وانشق الموجود بسوريا إلى تنظيمين رئيسين هما (حرّاس الدين) و(تحرير الشام)، وحين يتمسك الأول بمرجعية تنظيم القاعدة الأم وبالولاء لأمير القاعدة ولأبي محمد المقدسي كمرجعية أيديولوجية، فيما يتمسك الثاني بمشروعه الخاص ويستند إلى أبو قتادة الفلسطيني بوصفه المرجعية الجهادية الداعمة لفك الارتباط[16].

فشل الظواهري فشلاً ذريعاً بقيادة التنظيم ولم يتمكن من ملء مكان بن لادن لأسباب كثيرة منها اهتزازه فكرياً وإيديولوجياً

أصبح الصراع بين حراس الدين وتحرير الشام يتجاوز القضايا المرجعية إلى الخلافات السياسية والتنظيمية حول مسائل السلاح والمال، ودارت معارك شبه يومية بينهما، لكن أهمها على الإطلاق هو اتهام (الحرّاس) لبعض قياداته بالإبلاغ عن البعض الآخر للتحالف، ثم اتهامه لرئيس تحرير الشام بالوشاية واغتيال قياداته، ففي يوم الجمعة 19 تموز (يوليو) 2019 تم قتل أبو عمر التونسي وأبو ذر المصري وأبو يحيى الجزائري، وأبو دجانة التونسي، بعد أن علّقوا قرار المشاركة في معارك ريف حماة وريف حلب إلى جانب فصائل ما يسمى بـ"الجيش الحر" المدعوم من تركيا؛ وهو الأمر الذي دفع أبو همام الشامي، زعيم التنظيم، لإصدار قرار بفصلهما.

اقرأ أيضاً: القاعدة وداعش وإخوان اليمن.. دموية الحوثي تغذي شبح الإرهاب

في إمارة الساحل والصحراء، لم تنته الصراعات والنزاعات بين المجموعات المختلفة القاعدية، وكان من أسباب ذلك عدم وجود أمير ميداني موحَّد في المنطقة، وإنما كانت المجموعات كلها مرتبطة بقيادة فرع القاعدة في الجزائر، وهذا الأمر زاد من التنافس بين أمراء الكتائب، وعزّز من استقلالية كل منهم، وازدادت حدة الانتقادات والاتهامات المتبادلة بينهم، وبالتالي كان التنظيم في الواقع صورة لا حقيقة لها، والموجود على الأرض هو عدد من الكتائب المختلفة التوجهات، المتعددة الولاءات، وكلها مرتبطة بقيادة القاعدة في الجزائر، ثم وصل الحال بانفصال بعضها عن التنظيم والإعلان عن أسماء خاصة بها، لتُنهي بذلك حالة الانتماء الشكلي إليه[17].

كما في سوريا لم تنته الصراعات والنزاعات بين المجموعات المختلفة القاعدية في إمارة الساحل والصحراء

كما في اليمن اعتزلت مجموعة على رأسهم (منصور الحضرمي) المسؤول العسكري لتنظيم القاعدة في قيفة، بعد أن اتهم بالجاسوسية[18]، كما انشق من القيادات عمار القصيمي، عزام النجدي، فواز القصيمي، مصعب الشرقي، حسان القصيمي، أبو عمر النهدي، الدرداء الشروري، مبارك الحضرمي[19].

رسالة غير منشورة للظواهري تتهم قيادات فرع اليمن بالجاسوسية بتاريخ 29/11/2019

[20]

كما في أفغانستان انشطر التنظيم لخلافات حول بيعة طالبان والمصالحة مع أمريكا، وتعاون الرافضون للتفاوض مع جماعة حقاني، وهذا ما لعب عليه داعش بشكل كبير واعتبر أنه لا يقود القاعدة في الحقيقة، وأدى ذلك لانتشاره في مناطق نفوذ القاعدة بالحدود الباكستانية ووزيرستان.

انتهت مع الظواهري القيادة المركزية للتنظيم إلى مجلس استشاري ليس لديه سلطة تنظيمية على الفروع

إنّ القيادة المركزية للقاعدة لم تعد اليوم سوى نسخة هزيلة عما كانت عليه في الماضي، فهي لا تسيطر على عمليات أو تحالفات هذه المجموعات التي تتبع نهجا محلياً وإقليمياً خارجا عن التنظيم، "ففي شمال سوريا، لا بد أن أنصار القاعدة يشعرون بالإحباط من قيادة القاعدة التي لم تستطع أن تحمي فرعاً مهماً مثل حراس الدين من تغول هيئة تحرير الشام، ابن القاعدة المدلل العاقّ، وعندما وصلت حملة هيئة تحرير الشام ضد حراس الدين أوجها في حزيران (يونيو) الماضي، أوصى أبو محمد المقدسي، القاعدي المخضرم، بحلّ حراس الدين "تجنباً للاسئصال الذي يُخطَّطُ لهم، وهذه التوصية النادرة جاءت بعد ثلاثة أيام من إصدار القاعدة المركزية بياناً ركيكاً لم يُقدم أو يؤخر في أزمة الحراس حتى إنّ غرفة عمليات فاثبتوا، المظلة التي انضوى تحتها الحراس، لم تلتفت إلى بيان الظواهري وجنحت إلى الصلح مع هيئة تحرير الشام تلبية لدعوة مُصلحين من خارج القاعدة"[21].

5- معضلة طالبان

رغم أنّ أحد أركان اتفاقية أمريكا وطالبان هي موضوع أيمن الظواهري وتجميد نشاطاته؛ وربما منعه من الإدلاء بأي تصريحات، أو طرده، إلا أنّه دائماً ما يجدد البيعة لأميرها، وهذا ما طرح العديد من الأسئلة من قيادات القاعدة تتعلق بهذه البيعة، ولماذا يجدد الظواهري البيعة لطالبان على الرغم من أنّها تهتم بالشأن الوطني المحلي فقط ونشاطها ليس عابراً للحدود، كما وُضع تنظيم القاعدة في موطن اتهام من داعش التي رأت أن بيعة الظواهري لطالبان يضعه في موطن الردة؛ لأنه بايع حركة تتحاور مع أمريكا!، وهو ما حاول نفيه مراراً وتكراراً، يقول أسامة شحادة: "أصدر الظواهري رسالة مطولة أسماها 'أجوبة على سؤال بيعة إمارة طالبان الإسلامية' وقد تمّ توزيعها على بعض قيادات القاعدة، بين فيها موقفه من البيعة وأنها جاءت لحماية التنظيم وما إلى ذلك وأخذ يسرد الذرائع في الموضوع، وأنه لا يسعى لإقامة إمارة إسلامية وإنما يركز على إيديولوجية القاعدة القائم على النكاية بالعدو (البعيد)"[22].

6- التنافسية مع داعش

من أهم الانعكاسات السلبية على التنظيم هي أنه على خلاف إيديولوجي وعسكري على أكثر من صعيد مع داعش، الناشط على الأرض أو في الفضاء الإلكتروني، وتقع معارك شبه يومية ما بين التنظيمين باليمن وسوريا، وفي سيناء المصرية[23]، والصومال، ومالي، وتحديداً بين مسلحي كتيبة ماسينا، التابعة لما تعرف بجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، والموالية لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وبين مسلحي تنظيم داعش، في ولاية موبتي.

إنّ الصراع بين التنظيمين دائماً بين الانتشار التنظيمي والسيطرة المكانية، المتخصص فيها داعش، وهو ما أفقد قاعدة الظواهري الانتشار، والقوامة، واستنزف قوته، وانعكس أثر ذلك على أدائه الحركي وارتباطاته الفكرية خلال الأعوام الأخيرة.

7- الصراع على من يخلف

مع تلك الإشكالات وصورة القاعدة وما أصبحت عليه، تضاعفت الأزمة بما يرد عن مرض قائدها، ومقتل قادتها التاريخيين، وهنا يطرح السؤال حول من يخلفه؟ وهل يؤثر ذلك على حل الإشكالات أم يؤدي إلى تعقيد أزمات التنظيم؟، خاصة أن هناك تحولات خطيرة في المنطقة، وفي حالة غياب الظواهري تماماً سيتغير الشكل المركزي للقاعدة، ومن الممكن نقل مركز قيادتها، الذي يرجحه البعض "من جنوب آسيا إلى سوريا"[24].

العلاقة البراغماتية بين القاعدة وإيران التي تجاوزت المذهبية شكلت تحدياً كبير لقيادة التنظيم

كما أنّه من المؤكد أنّ هناك صعوبة في عملية الاستخلاف بعد الظواهري بسبب غياب الخلفاء المحتملين الذين وردوا في رسالة إليه[25]، بسبب قتلهم جميعاً ما عدا سيف العدل المحتجز في طهران، فقد قتل الرجل الثاني أبو الخير المصري، عبدالله محمد رجب عبدالرحمن، في شباط (فبراير) 2017، وقتل عبد الله أحمد عبد الله، المكنى بـ"أبو محمد المصري"، أو"أبو محمد الزيات" في طهران أيلول (سبتمبر) 2020، وناصر الوحيشي "أبو بصير"، في 12 حزيران (يونيو) 2015، كما قتل حمزة بن لادن.

جدول يوضح أسماء الخلفاء المحتملين للظواهري
الخليفة المحتمل بطاقة تعريف
سيف العدل محمد صلاح الدين مصري – محتجز وتحت الإقامة الجبرية في إيران
أحمد عمر زعيم حركة الشباب بالصومال
على سيد محمد مصطفى البكري، معروف بعبد العزيز المصري مصري - زوج ابنة الظواهري
معلم داود صومالي – من زعماء حركة الشباب
عبد الباسط الحاج الحسن الحاج حمد سوداني
خالد باطرفي زعيم القاعدة بالجزيرة العربية
أبو عبدالكريم المصري زعيم بارز في حركة حرّاس الدين
إياد أغ غالي زعيم حركة نصر الإسلام بمالي

ج. مستقبل وفرص الانتقال

ورغم أنّ تنظيم القاعدة الآن أصبح له تواجد ملحوظ في شبه القارة الهندية، لكن وجوده الأعظم هو في شمال مالي، والصومال، أما باقي الأفرع فهي تعاني، ومع أي تغيير في هيكلة القيادة فإنه من المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التفكك، لعدة أسباب أهمها:

1- القاعدة الآن أصبح فيه خطان متوازيان، على الصعيد الأيديولوجي، الأول هو تنظيرات سيد إمام الشريف حول تكفير الأعوان، ورفض الظواهري لذلك، واستمرار التشظي في السودان، لينتهي ذلك في العراق في بروز تنظيم داعش وتبنيه لتلك النظريات، كما أصبح فيه خطان أيضاً متوازيان من الناحية الاستراتيجية، وهم الجيل المؤسس الذي يؤمن بمركزية التنظيم وأفكاره، والجيل الآخر الذي يريد المحلية الجهادية، ومحاولة التنظيم لحل الإشكاليات بأنماط اندماجية إقليمية، قريبة في الفكر والمنهج والأسلوب أدى لبروز نسخ قاعدية جديدة، قد لا تحمل اسم القاعدة، لكنها تحمل بصماته، وزاد من التشرذم.

خلال السنوات الخمس الأخيرة فقد التنظيم أكثر عناصره تأثيراً وعجز عن إيجاد بدائلهم المناسبة

2- بروز مجموعات في أساليب التنفيذ الإرهابية تميل لتبني النمط "الداعشي" في العمليات، في مقابل تغيرات محدودة في العقيدة الفكرية فيما يتعلق بأولويات القتال[26].

3- استمرار عمليات الاختراق، التي تعد من أخطر التحديات التي تواجه القاعدة خلال الفترة الأخيرة، وأصبحت تهدد مستقبلها بشكل كبير، حيث إن عمليات الاختراق من قبل العملاء والجواسيس أدت إلى سقوط العديد من قيادات التنظيم ورجاله، وهي مرجحة للاستمرار.

4- عدم وجود قائد رمزي له كاريزما يمكن أن تجتمع عليه أفرع التنظيم، خاصة أن التنظير الفكري للقاعدة أن أميره ليس ممكّناً، وهذا خلاف داعش، الذي يصنع قدسية لقادته بما يطلق عليه (القرشية والهاشمية والخليفة الممكّن على الأرض)، وهذا ما يفتح الباب أمام خلافات يمكن أن تتجذر، وانشطارات سواء في المركز أو الهامش.

5- من المتوقع أن ينتقل مركز ثقل التنظيم من شرق آسيا وأفغانستان إلى منطقة أخرى، حيث لا يزال الوضع متقلباً، وقد يكون للأحداث الجيوسياسية على مدى الأشهر العديدة القادمة تأثير كبير على تحرّكات القاعدة.

الخلاصة، إنّ أي حديث عن استبدال الظواهري بفعل مقتله أو موته الفجائي سيفتح المجال عن تغير شكل القاعدة التقليدي، وظهور أنماط جديدة من التنظيمات؛ أي انتهاء القاعدة المعروف إلى تنظيم جديد، أو شبكة مختلفة تماماً عن قاعدة بن لادن وما بعده المعتاد.


الهوامش:

[1] Why Hasn't the U.S. Killed Bin Laden's Wingman Ayman al-Zawahiri، Nbcnews، May 17, 2016.

https://www.nbcnews.com/news/us-news/why-hasn-t-u-s-kill-bin-laden-s-wingman-n574986

[2] طلال بيطار، تقرير لكبار الباحثين بعنوان (ماذا يخبئ المستقبل للقاعدة؟)، تلفزيون الآن بدبي، 17 سبتمبر 2020.

https://cutt.us/PUnkw

[3] داعش إلى الذئاب المنفردة والقاعدة إلى اللامركزية الإرهابية، سبوتنيك، 17/9/2017.

https://cutt.us/WNro1

[4] تقرير حول اندماج التنظيمات بأفريقيا، صحيفة صوت الأمة المصرية، 3 مارس 2017.

https://cutt.us/BvGXJ

[5] منظّر القاعدة أبو بصير الطرطوسي، وقفة مع كلمة الظواهري، موقع انفروا للشام، 9 مايو 2016.

http://tartosi.blogspot.com/2016/05/blog-post_9.html

[6] "حراس الدين".. هكذا تعيد القاعدة طرح نفسها في سوريا، الجزيرة، 1/4/2019.

https://cutt.us/L0rBL

[7] المصدر السابق.

[8] "حرّاس الدّين": الهيكلية والتحديّات والمستقبل، ملفات أسبار، العدد الخامس، مركز أسبار للدراسات.

https://cutt.us/ToqLM

[9] القائد المسردب مصطلح أطلقه القيادي أسامة قاسم على الظواهري.

[10] مصطفى حامد، مؤرخ القاعدة، موقع مافا السياسي طهران، 30/8/2018.

https://2u.pw/zMg1L

[11] كولين ب. كلارك وأسفنديار مير، القاعدة، أيمن الظواهري ومستقبل القاعدة، مؤسسة راند، 11 سبتمبر 2020.

https://www.rand.org/blog/2020/09/is-ayman-al-zawahiri-really-the-future-of-al-qaida.html

[12] أبو الحارث والانفصال عن الظواهري، موقع أمان، مؤسسة الدستور المصرية، 23 ديسمبر 2017.

http://aman.dostor.org/show.aspx?id=4012

[13] في عام 2014، أصدر أبو محمد العدناني، رئيس العمليات الخارجية للدولة الإسلامية آنذاك، رسالة بعنوان ديون إيران الثقيلة للقاعدة، هاجم خلالها الظواهري، لمنع الجهاديين من استهداف إيران في الماضي. من أجل الحفاظ على مصالح القاعدة الاستراتيجية. "الدولة الإسلامية اتبعت توجيهات مشايخ ورموز الجهاد، فلم تضرب الشيعة في إيران منذ نشأتها، وتركت الرافضين في إيران بأمان. وكبح جنودها الغاضبين رغم قدرتهم في ذلك الوقت على ملء إيران ببرك من الدماء. لقد ابتلعت غضبها طيلة هذه السنوات محملة باتهامات بالخيانة لعدم استهداف أسوأ أعدائها، وتركت الرافديين ينعمون بالأمن تنفيذاً لأمر القاعدة بالحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران. [73] ومن المفارقات، أنه قبل بضع سنوات، عندما خلف الظواهري بن لادن في العام 2011، حصل العدناني على لقب شرف "رجل الأمة الحكيم". [74]

[14] شهادة أبو حفص الموريتاني

https://www.youtube.com/watch?v=2YvgH78POsk&feature=emb_title

[15] حسن فحص، إيران والقاعدة من العالمية إلى البراغماتية، اندبندت عربية، 11 سبتمبر 2020.

https://cutt.us/uobmG

[16] خرج الظواهري الأربعاء الموافق 12 سبتمبر 2019 في رسالة مصورة، طالباً بتنفيذ هجمات ضد دول أمريكا والغرب، وذلك في الذكرى الثامنة عشر لهجمات 11 سبتمبر، وداعياً في ذات الوقت في رسالة نشرها موقع "سايت" المتخصص في متابعة أخبار التنظيمات الإرهابية، "الجهاديين" الذين "خانوا" أفكارهم، على حد تعبيره، إلى الرجوع للتنظيم!.

[17] حوار مع أبو الوليد الصحراوي الأمير السابق للقاعدة، صحيفة النبأ، عدد 269.

https://web.telegram.org/#/im?p=c1453372323_9478585500003653913

[18] وثائقي معذرة إلى ربكم، من إصدار فرع داعش باليمن حول انشقاقات القاعدة.

https://jwp.io/s/jKoquhpD

[19] بيان حول انشقاق قيادات القاعدة، بيضاء الموحدين، تليجرام، 24/3/2020.

https://web.telegram.org/#/im?p=c1453372323_9478585500003653913

[20] معذرة إلى ربكم، ناشر نيوز، تليجرام.

https://web.telegram.org/#/im?p=c1453372323_9478585500003653913

[21] طلال بيطار، تقرير لكبار الباحثين بعنوان (ماذا يخبئ المستقبل للقاعدة؟)، تلفزيون الآن بدبي، 17 سبتمبر 2020.

https://cutt.us/PUnkw

[22] المصدر السابق.

https://cutt.us/HrUcd

[23] اعترافات منشق داعشي، جماعة جند الإسلام، صفحة المشهد المصري، تليجرام، 10/ 11/ 2020.

https://web.telegram.org/#/im?p=@alMshDalmsry

 

[24] رحمة حسن، تحولات القاعدة بعد القضاء على الحرس القديم، المرصد المصري، 21 نوفمبر 2020.

https://marsad.ecsstudies.com/45342/

 [25] خلفاء الظواهري، موقع الإمارات 24، 4 أغسطس 2019.

https://cutt.us/UYP90

[26] استراتيجيات جديدة للقاعدة، مجلة "ذئاب ما نهاتن" الصادرة في 28/11/2020، صفحة المشهد المصري، تليجرام.

https://web.telegram.org/#/im?p=@alMshDalmsry

الصفحة الرئيسية