الفيروسات الصديقة وسيط دائم بين الحياة والموت

الفيروسات

الفيروسات الصديقة وسيط دائم بين الحياة والموت

مشاهدة

29/08/2019

طوال مسيرتهم من أجل البقاء، واجه البشر العديد من الكوارث، حتى إنّ أصولهم القديمة ترتبط بالحروب مع الظواهر الطبيعية والحيوانات المفترسة وغيرها من مخلوقات الوجود، التي يظلّ العديد منها غامضاً أو مجهولاً إلى اليوم؛ لأنّ أحداً لم ينقل تاريخه أو يكتشف آثاره، سوى الإنسان نفسه.

اقرأ أيضاً: "فينوم" ناج وحيد من فيروس قاتل ينتصر على مافيات الجريمة
ورغم أنّ الإنسان، هو الكائن الوحيد الذي عمل على اكتشاف كوكب الأرض، وما يزال يحاول استكشاف الكون وسرد سيرته منذ البدء، إلا أنّ العديد من أشكال الحياة الأخرى، تحاول البقاء في الوجود على طريقتها الخاصة، كما تحاول أن تثبت للإنسان، أنه لم يكن ليبقى دون مساعدتها! فما هي هذه الأشكال، وكيف آلت اليوم لتصبح صديقة للإنسان، وعدوةً لدودةً له أيضاً؟
ميتة لكنها تُقدّر الحياة
قبل الحروب، وقبل أن يرى البشر في بعضهم أعداءً، عدا عن محاولاتهم عبر العصور مقاومة ظواهر الطبيعة، كانوا يمرضون أيضاً، ويموتون دون أن يمسّهم أحد، وكان ذلك ضرباً من السحر في نظر بعضهم في ذلك الزمن، أو شرّاً ما، أو قضاءً وقدراً فيما بعد، وكان هذا كلّه ينبع من اعتداد البشر بأنفسهم، فهم وحدهم الذين على قيد الحياة، وأيّ شيء آخر حيّ، لا بدّ من أن يكون كبيراً، أو مِن لحمٍ ودم، ولم يخطر ببالهم حينها، أنّه توجد كائناتٌ أخرى لا يرونها، تسمى الفيروسات.

فيروس تعني السمّ أطلقت على الفيروسات عند اكتشافها مما يعني أنّ البشر عدّوها عدوة وهم ما يزالون يجهلونها

خاض البشر حروباً طويلةً غير مرئية، مع هذه الكائنات، التي تعد الأقدم على وجه الأرض، ولكنّ تاريخها الطويل، من الإنفلونزا حتى الطاعون، لم يكتشف بصورةٍ دقيقة رسمياً، قبل 1896، على يد العالم إرنست هانكين؛ حيث صُنفت كمسببةٍ للأمراض والموت، وجرى في الحال البحث عن علاجات لها، وما إن اكتشف العلماء بعض المعلومات عما يمكن تسميته عدو البشرية الخفي، حتّى أخذت التصنيفات والأسماء تطلق على الفيروسات بأنواعها المختلفة، وكان احتياج البشر إلى تسمية عدوّهم، لا يعني أنهم عرفوا عنه أيّ شيء، فهو يحمل الموت كما في الكوليرا والتهاب السحايا وأنواع معينة من السرطان وسواها، مقاومة العديد منها غير ممكنة إلى الآن.
وبمرور الزمن؛ بدا أنّ الإنسان اكتشف عالماً كاملاً آخر، لا يمتّ إليه بصلة، لكنّه اكتفى بكلمة "فيروس"، لوصف هذا العالم المتنوع، والكلمة في الأساس لاتينية، وتعني "السمّ"، وفق الباحثة والعالمة الفرنسية، أستريد فابري، في كتابها "الإنسان والفيروسات: هل هي علاقة دائمة؟".

لدى الفيروسات قانون مضاد للموت

وتقول فابري في كتابها "هذه الكائنات البيولوجية التي تلحق بنا الضرر، بسيطةٌ جداً، وأبسط مما نتخيل، وهي هنا منذ الأزل، لكن ليس بإمكان أحدٍ أن يسميها كائناتٍ حية! ففي النهاية، ما الحياة؟ حيث إنّ الفيروسات تتناسخ عن بعضها ولا تتكاثر أو تتناسل".

اقرأ أيضاً: الإيدز وفيروس نقص المناعة المكتسب.. حقائق وأرقام
ولعلّ أهم ما تشرحه فابري أيضاً، يكمنُ في كون الفيروسات لا حيةً ولا ميتة، جزءٌ منها حيّ، والآخر ميت، وفي كلتا الحالتين، يمكن القول إنّها مستعدة للنهوض من موتها في أيّة لحظة وخوض الحياة، فكيف يكون ذلك؟ وهل يظل هذا على حساب البشر أو الأجساد المضيفة للفيروسات (خلايا أجساد الكائنات)؟
الفيروسات تنقذ البشرية
في شجرة الوجود التي يمكن من خلالها التعرف إلى التسلسل التاريخي للكائنات الحية، ومن سبق منها الآخر في الوجود، لا يعرف العلماء، حتى اليوم، إن كانت الفيروسات سابقةً على الخلايا، لكنّهم باتوا يعرفون أنّ الفيروسات تشكّل "وسيطاً دائماً بين الحياة والموت، ويمكنها احتلال الخلايا الحية من أجل أن تنشط، فهي تعمل وفق قانونٍ مضادٍ للموت" بحسب الكتاب آنف الذكر، ولم تتأثر بكوارث الطبيعة والكرة الأرضية، كما أنّ الانقراضات التي طالت الكائنات الحية طوال عصور، لم تطلها.

الفيروسات وسيط دائم بين الحياة والموت ويمكنها احتلال الخلايا الحيّة لتنشيطها إذ تعمل وفق قانون مضاد للموت

هذه الانقراضات، بدأت قبل 445 مليون عام بنيزكٍ ضرب الأرض في ذلك الحين، مروراً بالعصر الترياسي قبل 200 مليون عام؛ حيث ثارت البراكين في طول الكوكب وعرضه، ثم انتهاءً بالانقراض الكبير الأخير، قبل 65 مليون عام؛ حيث انقرضت الديناصورات، وانقرض 18% من الفقاريات على اليابسة، و65% من الكائنات البحرية المعروفة، إضافةً إلى معظم الكائنات المتبقية من العصر الجليدي، ووفق كتاب "الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي" للباحثة إليزابيث كولبرت؛ فإنّ هذه الأرقام لا تمسّ الفيروسات الكامنة أصلاً بين الموت والحياة، والعصيةِ على معظم الظروف الطبيعية والبيولوجية والكيميائية في كوكبنا الأرض.
لماذا بقيت الفيروسات إذاً؟ وما هي مهمتها؟
وفق كولبرت وفابري؛ لا تقتصر مهمة الفيروسات على احتلال الخلايا البشرية، وجعلها تعمل لصالح الفيروسات؛ حيث تتكاثر من خلالها فقط، إنما تقوم الفيروسات أيضاً بـ "حماية الجسد البشري من مخاطر فيروسيةٍ أخرى محتملة"، أما كيفية حدوث ذلك، فيفسرها البروفيسور في علم الأمراض والمناعة، بيتر دوهيرتي، الذي يقول في إحدى دراساته المنشورة على موقع "the conversation": إنّ "الإنسان منذ أصوله الأولى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفيروسات، وهذا الارتباط لا يشكّل علاقة العدو بالعدو؛ بل على العكس، فإنّ الفيروسات موجودة في الجسم البشري وخلاياه لكل شخصٍ يولد اليوم، كدليلٍ على أنّها غزت الجسد البشري منذ فجر التاريخ، وساهمت في تشكيل العديد من أنواع المناعة للإنسان ضدّ الأمراض المميتة، وبالطبع، سبّبت الموت أيضاً في حالاتٍ أخرى".

اقرأ أيضاً: الهند: طبيب مزيف يحقن مرضاه بفيروس الإيدز!
لكنّ الأهم بالنسبة إلى دوهيرتي، يكمن في أنّ "الفيروسات تشكّل 10% من الجينات البشرية؛ إذ فقدت تلك الفيروسات التي ساهمت في تشكيل خريطة الإنسان الجينية قدرتها على الإمراض، لكنّها مستعدة لذلك في حال حصلت على محفزاتٍ مناسبة (الفيروسات التي يصاب بها الإنسان) وهذا ما يخلق الأمراض الوراثية مثلاً".

قد تكون علاقة الإنسان بالفيروسات سبباً لانقراضات جديدة

وإضافةً إلى ذلك، تساعد الفيروسات، بحسب الدراسات التي يتحدث عنها دوهيرتي، الإنسان على التكيف مع الظروف البيئية وتغيراتها؛ إذ ساعدت الفيروسات على "قدرة الإنسان لتناول الأطعمة المختلفة والكربوهيدرات والنشاء، وهضمها، وبدون وجود الفيروسات في الجسم، كانت الأمعاء ستلتهب مثلاً، وربما لن يعثر الإنسان على طعامٍ مناسب له في معظم الأوقات (منذ ملايين السنين)، وربما يموت، وربما ينقرض".
إذاً، تعاونت الفيروسات مع الإنسان منذ وجوده للمرة الأولى على الأرض، لكنّها تلعب أيضاً دوراً متعالياً تجاهه؛ كونها تحمل الموت والحياة معاً في أجزائها، فتقتله أحياناً، وتستمر في تقديم الدعم إليه حتى لا يواجه أخطاراً عديدة، منها الانقراض.

الإنسان منذ أصوله الأولى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفيروسات التي غزت جسده منذ فجر التاريخ فتسبّبت في موته أحياناً

وفي الطبيعة؛ ما تزال الفيروسات تلعب هذا الدور مع الكائنات الحية المختلفة، وبعض أنواع الحيوانات والحشرات وغيرها، لكن يرى بعض العلماء؛ أنّ هذا التلاعب المحتمل بمصير الكائنات الحية كون الفيروسات وسيطةً بين الحياة والموت، وغالباً ما تمثل الحالتين معاً، ربما يطال الإنسان، وهو ما يراه أكيداً العالم والباحث بجامعة هاواي، روبرت كوي، الذي يعتقد أنّه "من الغباء تصوُّر أنّ ما يفعله البشر في محيطهم الحيوي لن يمسّهم في نهاية المطاف، فالتغييرات التي يحدثونها في البيئة أفقدت الأرض ملايين الثدييات والحيوانات طوال قرون، وسببت غزو أنواعٍ غريبة من الفيروسات"؛ لذلك فإنّ انقراضاً سادساً كبيراً ربما يمسّ البشر في وقتٍ ما.
يتلاعب البشر مع الفيروسات، يدرسونها، يطورونها أحياناً، ويستخدمونها أحياناً أخرى لصنع الأدوية، ومن المؤكّد أنّه لم يتم اكتشاف كلّ أنواع الفيروسات حتى اليوم، أو فهم كلّ المؤثرات المحيطة بها، سواء من فعل البشر أو مما يطرأ على الطبيعة من تغيرات، يمكن أن تجعل هذه الفيروسات تغزو الأجساد من جديد، محملةً بالحياة، وبالموت أيضاً، ولا يعلم أحدٌ أيّها سيطغى في لحظةٍ ما بالنسبة إلى كائناتٍ لاواعية، بسيطة التركيب، بدائيةً أكثر من أيّة بدائيةٍ على كوكب الأرض، لكن البدايات تظلّ هي الأكثر غموضاً وخطراً على بشر ليس لديهم قانونٌ يستخدمونه ضدّ الحياة أو ضدّ الموت والانقراض كلّما شاؤوا.


الصفحة الرئيسية