الفلسطينيون في مصر... الحكاية وما فيها

مصر

الفلسطينيون في مصر... الحكاية وما فيها

مشاهدة

04/11/2018

بينما يتزايد الحديث عن اليهود المصريين، وتتزايد الحسرات على فقدان ذلك المجتمع، واعتبار خسارته خسارة لمناخ التعددية الذي كان يوماً ما، لا يكاد يذكر أحد مجتمعاً يحيا اليوم في الظلّ داخل مصر، دون أي أضواء مُسلَّطة أو مطالبات بحقوقهم، أو حتى احتفاء بهم باعتبارهم ممثلاً لثقافة وهوية تغني النسيج الاجتماعي المصري.

النكبة.. بداية الحكاية

بعد اشتداد القصف المدفعي للعصابات الصهيونية المسلّحة على مدينة يافا، وتشديد هذه العصابات الحصار حول المدينة، أخذت دفاعات المدينة المتواضعة بالانهيار، وأخذ جموع الأهالي يندفعون إلى شاطئ البحر، الذي تركته العصابات الصهيونية دون أن تغلقه، مكتفية بمحاصرة المدينة من جهاتها الثلاث الأخرى. استخدمت هذه الجموع القوارب، وركبت البحر متّجهة إلى الجنوب، باتجاه مصر وغزة.

اقرأ أيضاً: "نكبة" إنسانية وسياسية في ذكرى نكبة الفلسطينيين

توالى وصول اليافويين إلى بورسعيد، أول مدينة قابلتهم في مصر، وسارعت السلطات المصرية إلى فرض طوق حول القوارب الوافدة، وجرى نقلهم إلى مبنى الحَجْر الصحيّ، التابع لشركة قناة السويس في المدينة، وحمل اسم "المزاريطة"، فيما أخذت السلطات من وصل من الفلسطينيين عبر البرّ إلى معسكر العباسية، في القاهرة.

خط سير المراكب من يافا باتجاه بورسعيد

معسكر "القنطرة شرق".. مدينة اللاجئين

مع بداية توافد اللاجئين القادمين من فلسطين عبر الحدود المصرية، بادرت وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية لإعداد معسكر للاجئين في منطقة العباسية في القاهرة، واستقبلت فيه الأفواج الأولى. إلا أنّ جموع المهاجرين تدفقت تدفقاً شديداً مع نهاية شهر نيسان (أبريل) وبداية أيار (مايو) عام 1948، وخصوصاً القادمين منهم عبر البحر، ما جعل الوزارة تقيم معسكراً كبيراً في منطقة "القنطرة شرق"، بحيث يضم جميع اللاجئين في مصر.

بالأعوام الأخيرة من عهد السادات، عاد الفلسطينيون "لاجئين" من جديد، فتم تجريدهم من حقوقهم بالإقامة في مصر باستثناء بعض الحالات

ثم قامت الوزارة بتشكيل لجنة باسم "اللجنة العليا لشؤون مهاجري فلسطين"، وكانت مؤلفة من عشرين عضواً يمثلون مختلف الوزارات والمصالح الرسمية المعنية، ومهمتها الإشراف على اللاجئين في المعسكر من جميع النواحي، ووضعت تحت تصرف اللجنة مبالغ معينة من المال، ثم ما لبثت جامعة الدول العربية أن ساهمت في تمويلها. وفي مطلع أيلول (سبتمبر) من نفس العام نقل اللاجئين من العباسية إلى المعسكر في "القنطرة شرق"، كما أضيفت لهم دفعة أخرى كانت في "المزاريطة".

وهكذا تجمع في معسكر القنطرة ما يقارب من اثني عشر ألف لاجئ فلسطيني. وقامت اللجنة بتوفير مختلف الخدمات للمعسكر، من تعليم، وصحة، وطرق، ونوادي، حتى سمي بـ "مدينة اللاجئين".

حي العباسية في أربعينيات القرن الماضي

وما لبثت بعض العائلات من اللاجئين، التي كانت قد خرجت من ديارها ببعض المال أو الحليّ أو المتاع، أن طلبت السماح لها بترك المعسكر والإقامة داخل البلاد، وهنا تشكّلت لجنة خاصّة للنظر في الطلبات، وسمحت بالخروج لمن توفر فيه شرطان: القدرة المالية، ووجود كفيل مقتدر من أهل البلاد يكفله. وظلّت لجنة الإفراجات تواصل صرف بطاقات الإقامة إلى أن بقي داخل المعسكر حوالي سبعة آلاف لاجئ تحت إشراف اللجنة العليا لشؤون المهاجرين.

اقرأ أيضاً: توطين اللاجئين الفلسطينيين جوهر صفقة ترامب

وبعد إلحاق قطاع غزة للإدارة المصرية عقب توقيع اتفاقية الهدنة في شباط (فبراير) عام 1949، أصدر مجلس الوزراء قراراً في أيلول (سبتمبر) 1949 بترحيل اللاجئين الفلسطينيين من معسكر القنطرة إلى قطاع غزة، وبالتحديد إلى "مخيم المغازي"، الذي تم إنشاؤه آنذاك، في حين بقي الأربعة آلاف الذين خرجوا من المعسكر في مصر، مشكّلين نواة المجتمع والجالية الفلسطينية بمصر.

مخيم المغازي في ستينيات القرن الماضي

عهد عبد الناصر.. لا فرق بين مصري وفلسطيني

خلال عهد الرئيس عبد الناصر (1954 - 1970)، وبالتحديد بعد حرب العام 1956، صدرت مجموعة من القوانين المتعلقة بالوجود والنشاط الفلسطيني بمصر، والتي كانت في مجملها منحازة إلى الفلسطينيين، وذلك تزاماناً مع تصاعد المد القومي والعروبي، الذي اقتضى النظر لهم كعرب لا يختلفون في شيء عن المصريين، فتمتع الفلسطينيون بمزايا المواطنة المصرية، دون التأثير على واقعهم السياسي وهويتهم الوطنية، بما في ذلك العمل في الوظائف العامة، وتملك الأراضي الزراعية، والتعليم المجاني في المدارس الحكومية والجامعات، واستمرت هذه الحقوق بعد حرب الـ 67، وفي بداية عهد الرئيس السادات.

بالإضافة للصعوبات الاقتصادية، يعاني الفلسطينيون من وثائق السفر المقيّدة، والتي لا تمنح حاملها حق الدخول لمصر مرة أخرى

كما شهدت فترة الخمسينيات والستينيات تأسيس عدد من المؤسسات فلسطينية المدنية، كالاتحاد العام لعمال فلسطين، واتحاد طلاب فلسطين، واتحاد الكتاب الفلسطينيين، واتحاد المرأة الفلسطينية، فارتبط بها الفلسطينيون المقيمون بمصر، وكانت وسيلتهم لتنظيم أنفسهم والتعبير عن مطالبهم. وبعد عام 1964 أصبح الفلسطينيون مرتبطين أيضاً بمنظمة التحرير وأجهزتها المختلفة.

وبالرغم من أنّ سياسات عبدالناصر ساعدت في إدماج الفلسطينيين، إلا أنه قد تم تجنب خيار التجنيس الكامل، عملاً بقرارات جامعة الدول العربية الصادرة عام 1952، والتي أكدت ضرورة الحفاظ على الهوية الفلسطينية واستعادة الحقوق الأساسية للاجئ الفلسطيني، وفي مقدمتها حق العودة والحصول على تعويضات؛ فأشارت المادة الأولى من قرار جامعة الدول العربية بأنّ "على الحكومات العربية أن تؤجل جهود توطين اللاجئين الفلسطينيين"، ودعت الأمم المتحدة إلى تنفيذ القرارات المتعلقة بعودة هؤلاء اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عمّا لحق بهم من ضرر وخسارة في الممتلكات. وأوصت المادة الثانية بـ "أن تسعى البلدان المستضيفة إلى تحسين أوضاع اللاجئين المعيشية والتنسيق مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من أجل إقامة مشاريع عمل للفلسطينيين".

اقرأ أيضاً: هل اقتصر النضال من أجل القضية الفلسطينية على الفلسطينيين فقط؟

وفي أعقاب حرب عام 1967 وبعد احتلال ما تبقى من فلسطين، انفصل الفلسطينيون المقيمون في مصر عن فلسطين تماماً، وبحلول عام 1969، قارب تعدادهم نحو الخمسة وثلاثين ألفاً.

أمين عام جامعة الدول العربية عبدالخالق حسونة في اجتماع عام 1952

عهد السادات.. تبدّل الأحوال

كان للتجاذبات والخلافات السياسية بين منظمة التحرير والحكومة المصرية على مرّ السنين تأثيرات سلبية على الفلسطينيين في مصر. وبعد زيارة السادات للكنيست، وتوقيع اتفاق كامب ديفيد للسلام بين مصر و"إسرائيل" عام 1978، وما تلا ذلك من مقاطعة عربية وفلسطينية للجمهورية المصرية، ووقوع حادثة اغتيال وزير الثقافة المصري يوسف السباعي في قبرص في شباط (فبراير) من العام ذاته، من قبل منظمة "أبو نضال" الفلسطينية، بدأ الانقلاب المصري على حقوق الفلسطينيين التي تمتعوا بها قبل ذلك.

اقرأ أيضاً: "حماس" توافق على الرؤية المصرية للمصالحة الفلسطينية

وفي الأعوام الأخيرة من عهد السادات، عاد الفلسطينيون "لاجئين" من جديد، فتم تجريدهم من حقوقهم في الإقامة في مصر، باستثناء من كان متزوجاً بمصرية، منذ أكثر من خمسة أعوام. أو ملتحقاً بمدرسة، أو جامعة، ودافعاً لرسومها، أو متعاقداً مع القطاع الخاص، أو من كانت لديه مصلحة تجارية أو استثمارات داخل البلد.

ساهمت حادثة اغتيال السباعي بدفع السلطات المصرية للانقلاب على حقوق الفلسطينيين

وهكذا، لم يعد التعليم مجانياً للفلسطينيين، وأصبح يتوجب عليهم دفع الرسوم للمدارس الخاصّة والجامعات بالعملة الأجنبية (الجنيه الإسترليني)، ما أعاق الكثير منهم عن مواصلة التعليم، كما أصبح العمل في القطاع الخاص امتيازاً لمن يستطيع إتمام التعليم الجامعي، ومن ثم التنافس لحجز مقعد ضمن الكوتا المخصصة للأجانب من إجمالي عدد الموظفين في أي مؤسسة (البالغة 10 في المئة)، وكان الخيار الوحيد المتاح للغالبية منهم ولازال هو بالاتجاه نحو القطاع الاقتصادي غير الرسمي.

وبلغت تقديرات عدد الفلسطينيين في مصر مطلع الثمانينيات حوالي الخمسة وسبعين ألفاً. وفي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وبعد تفعيل حالة الطوارئ، تم تشديد القبضة على النشاط الفلسطيني في مصر، وبدأت تتسع دائرة الاعتقالات بحق النشطاء الفلسطينيين، وهو ما كان يشتد عند الأزمات السياسية، كما وقع أثناء اعتراض الفلسطينيين على حرب الخليج الثانية ومشاركة مصر ضمن قوات التحالف فيها.

الحال اليوم.. المعاناة مستمرة

واليوم يزيد عدد الفلسطينيين في مصر عن المائة ألف، وهم منتشرون في عدد من المدن المصرية الكبرى، ومختلطون في معظم الحالات بالمجتمع المصري، ولا يعيشون ضمن تجمعات منعزلة، كما أنهم تفاعلوا اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً مع المصريين، بحيث بات من الصعب تمييز الفلسطينيين من المصريين، وهو ما حدّ من إمكان وصول العمل الإغاثي والخيري لهم. وما يزيد من صعوبة الحال اختلاف حالة اللاجئين الفلسطينيين في مصر عن البلاد المستضيفة الأخرى،  فهم غير مشمولين بخدمات وكالة "الأونروا"، ويعود ذلك إلى معاملة الرئيس عبدالناصر لهم معاملة المصريين -فيما عدا الحقوق السياسية- لا اللاجئين.

اقرأ أيضاً: مَن كان يقود الفلسطينيين في مواجهة الانتداب الإنجليزي؟

وبالإضافة إلى الصعوبات الاقتصادية، يعاني الفلسطينيون من وثائق السفر المقيّدة، والتي لا تمنح حاملها حق الدخول إلى مصر مرة أخرى، ولِكي يضمن المسافر منهم الدخول مرة أخرى إلى مصر، يتعين عليه إما العودة إلى مصر كل ستة أشهر لتجديد الإقامة أو تزويد السلطات المصرية مقدماً بما يُثبت عمله أو التحاقه بمؤسسة تعليمية، بحيث يحصل على تأشيرة للعودة مدتها عام واحد.

يعاني الفلسطينيون في مصر من وثائق السفر المقيّدة

وهكذا، فإن الفلسطينيين في مصر، مجتمع منسيّ بحقّ، منسيون من الأطراف الفلسطينية، من المجتمع الدولي، من الهيئات الإغاثية والخيرية، وحتى من الباحثين عن إعادة إحياء مناخ التعددية والتنوّع في مصر.

الصفحة الرئيسية