الفضاء الرقمي وخطة الإخوان اليائسة من أجل عودة مستحيلة

الفضاء الرقمي وخطة الإخوان اليائسة من أجل عودة مستحيلة

الفضاء الرقمي وخطة الإخوان اليائسة من أجل عودة مستحيلة


18/03/2026

 

تسعى جماعة الإخوان المسلمين، في سياق محاولاتها اليائسة، لإعادة تنشيط خطاب الاحتجاج والعصيان المدني عبر الفضاء الرقمي، مع تركيز واضح على الفئات العمرية الأصغر، وخاصة ما يُعرف بجيل زد. 

هذه التحركات تأتي في سياق محاولات الجماعة استعادة الحضور داخل المجال العام بعد سنوات من التراجع التنظيمي والسياسي، عبر أدوات إعلامية رقمية تتناسب مع طبيعة البيئة الاتصالية الجديدة التي تهيمن عليها منصات التواصل الاجتماعي.

حملة رقمية يائسة

خلال الفترة الأخيرة ظهرت صفحات رقمية وحملات إعلامية تقدّم نفسها بوصفها مبادرات شبابية مستقلة، تتحدث بلغة اجتماعية واقتصادية، وتتبنّى خطابًا يركز على قضايا الغضب الشعبي أو الضغوط المعيشية. غير أنّه سرعان ما ظهرت الروابط بين هذه الصفحات وبين شبكات إعلامية مرتبطة بالجماعة، في محاولة لإعادة إنتاج خطاب الاحتجاج بأساليب جديدة تتناسب مع طبيعة الفضاء الرقمي.

تعمل هذه الحملات على تقديم نفسها بوصفها تعبيرًا عن جيل شباب متمرد، يتبنّى خطابًا عامًا حول التغيير السياسي والاجتماعي. ويلاحظ أنّ الخطاب المستخدم في هذه الصفحات يعتمد على لغة بسيطة ومباشرة، ويستهدف فئات عمرية اعتادت على تلقي المعلومات من خلال الوسائط الرقمية السريعة، مثل الفيديوهات القصيرة والمنشورات المختصرة.

هذه الصفحات تُدار من خارج مصر، وترتبط بشخصيات وشبكات إعلامية لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين، وتنشط في الدعوة إلى العصيان المدني وإثارة حالة من التمرد ضدّ مؤسسات الدولة، مع محاولة تقديم الخطاب في إطار شبابي غير مرتبط بتنظيم سياسي محدد.

المعطيات المتاحة تشير إلى أنّ بعض الحملات الرقمية تحمل أسماء مثل "جيل زد"، و"المقاومة الشعبية"، و"حملة 33"، و"هانت"، و"إحنا الشعب". هذه الكيانات تقدّم نفسها بوصفها مبادرات شبابية أو منصات تعبيرية مستقلة، لكنّها في الوقت نفسه ترتبط بشبكات إعلامية وشخصيات محسوبة على الجماعة تقيم خارج مصر.

هذه الصفحات تشرف عليها عناصر إخوانية بارزة، من بينها يحيى موسى ومحمد منتصر، وهما من الأسماء التي ظهرت سابقًا في سياقات إعلامية وسياسية مرتبطة بالجماعة، وهناك ارتباط بين هذه الحملات الرقمية وبين كيانات مرتبطة بما يعرف داخل الجماعة باسم اللجان النوعية، وهي مجموعات ظهرت خلال السنوات الماضية في سياق التحولات التنظيمية التي شهدتها الجماعة.

توظيف التحولات الاجتماعية

إحالة هذه الحملات على جيل زد ليس مجرد اختيار عابر، بل يعكس إدراكًا لتحولات اجتماعية وثقافية طرأت على المجتمع خلال العقد الأخير. هذا الجيل، الذي نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، يختلف في أنماط تفاعله السياسي عن الأجيال السابقة، إذ يميل إلى الابتعاد عن الانتماءات التنظيمية، ويعتمد بدرجة أكبر على شبكات التواصل الافتراضية في التعبير عن آرائه.

في ضوء هذه الخصائص تبدو الاستراتيجية الإعلامية التي تعتمدها الجماعة في هذه الحملات قائمة على مخاطبة الشباب بلغة غير تنظيمية، وتجنب الإشارات المباشرة إلى أيّ إطار حزبي أو إيديولوجي. والهدف من ذلك هو توسيع دائرة التأثير والوصول إلى جمهور قد لا يتفاعل عادة مع الخطابات السياسية التقليدية.

تعتمد هذه الحملات على مجموعة من الأدوات الرقمية، منها إنشاء صفحات تحمل أسماء عامة أو رمزية، ونشر محتوى بصري يعتمد على الرسائل المختصرة والشعارات المباشرة. وتستخدم الوسوم الرقمية لتوسيع نطاق الانتشار، إضافة إلى الاعتماد على حسابات متعددة لإعادة نشر المحتوى بهدف خلق انطباع بوجود حراك واسع على الإنترنت.

هذا النمط من النشاط الرقمي يتقاطع مع أفكار ظهرت سابقًا داخل أدبيات جماعة الإخوان المسلمين حول ما يسمّى مشاريع التغيير أو علوم التثوير. هذه المفاهيم جرى الترويج لها في سياقات مختلفة خلال العقدين الماضيين، خاصة في برامج تدريبية ركزت على أساليب الاحتجاج الشعبي والعصيان المدني بوصفها أدوات ضغط سياسي.

في هذا السياق برز دور ما عُرف بأكاديمية التغيير، وهي مؤسسة تأسست في بريطانيا عام 2006 بهدف تقديم برامج تدريبية حول أساليب التغيير السياسي السلمي. الأكاديمية قدّمت دورات تتناول موضوعات مثل إدارة الحملات الاحتجاجية واستخدام وسائل الإعلام في التعبئة السياسية.

ارتبطت الأكاديمية بعدد من الشخصيات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، من بينها هشام مرسي، الذي تولى دورًا في إدارتها والإشراف على بعض برامجها التدريبية. وقد ركزت هذه البرامج على تقديم نماذج نظرية حول كيفية إدارة حركات احتجاجية تعتمد على الضغط الشعبي والإعلامي.

الأفكار التي روجت لها هذه البرامج التدريبية ظهرت لاحقًا في عدد من المبادرات الإعلامية والسياسية المرتبطة بالجماعة. وفي السنوات التي أعقبت عام 2013  بدأت الجماعة في مراجعة نمط عملها التنظيمي التقليدي، في ظل التحديات التي واجهتها على المستوى التنظيمي والسياسي.

هذه المراجعات أدت إلى ظهور توجهات داخل الجماعة تدعو إلى التحول من نموذج التنظيم الهرمي المغلق إلى نموذج أكثر مرونة يعتمد على الشبكات. هذا النموذج يركز على نشر الأفكار والرسائل السياسية عبر منصات إعلامية وثقافية لا تحمل بالضرورة صفة تنظيمية واضحة.

لم يعد الانتماء التنظيمي المباشر شرطًا أساسيًا للمشاركة في النشاط السياسي أو الإعلامي المرتبط بالجماعة. بدلاً من ذلك يجري التركيز على بناء شبكات تأثير أوسع عبر الفضاء الرقمي، بحيث تنتشر الأفكار المرتبطة بالجماعة من خلال منصات متعددة تبدو مستقلة عن التنظيم.

هذا التحول يعكس محاولة للتكيف مع طبيعة البيئة الإعلامية الجديدة، حيث تلعب المنصات الرقمية دورًا متزايدًا في تشكيل الرأي العام. ويسمح هذا النموذج بتقليل المخاطر المرتبطة بالانتماء التنظيمي المباشر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على التأثير في النقاشات العامة.

في هذا الإطار يمكن فهم ظهور صفحات تحمل هوية شبابية عامة بوصفه جزءًا من هذه الاستراتيجية الجديدة. فبدلاً من الخطاب التنظيمي المباشر، تعتمد هذه الصفحات على لغة شبابية عامة، وتتناول قضايا اجتماعية واقتصادية يمكن أن تجذب اهتمام فئات واسعة من المستخدمين.

البيئة الرقمية وآليات التحريض

البيئة الرقمية توفر لحملات الإخوان أدوات متعددة للوصول إلى الجمهور، منها خوارزميات الانتشار التي تعتمدها منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى القدرة على إنتاج محتوى سريع الانتشار مثل الفيديوهات القصيرة أو الرسوم التوضيحية. وتسمح هذه البيئة بإنشاء شبكات تفاعل واسعة دون الحاجة إلى بنية تنظيمية تقليدية.

مع ذلك، يظل تأثير هذه الحملات مرتبطًا بمدى قدرتها على التحول من نشاط رقمي إلى تأثير فعلي في المجال العام. التجارب السابقة تشير إلى أنّ الفضاء الرقمي يمكن أن يسهم في تشكيل النقاشات السياسية، لكنّه لا يؤدي بالضرورة إلى حركات احتجاجية واسعة ما لم تتوافر ظروف اجتماعية وسياسية محددة.

يمكن القول إنّ النشاط الرقمي المرتبط بهذه الحملات يمثل محاولة لإعادة طرح خطاب الإخوان بأساليب تتناسب مع التحولات التي طرأت على المجال العام. وفي المقابل، تبقى أهمية إدراك الطابع التحريضي لهذه الاستراتيجية الانتهازية التي لا تؤمن سوى بالهيمنة والترويج للأكاذيب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية