الغوطة الشرقية: بين الحصار وفكر هيئة لا ترحم!

أمهات في أقبية الموت وأطفال في ظلمة التيه

الغوطة الشرقية: بين الحصار وفكر هيئة لا ترحم!


21/03/2018

في قلب الغوطة الشرقية، المحاصرة منذ سنوات، يعيش المدنيون يوميات مروعة من الخوف والجوع والقهر، بين القصف المتواصل من النظام وسلطة الفصائل المسلحة التي تتحكم بالمنطقة كما لو أنها دولة مستقلة بلا قوانين ولا محاسبة.

زهران علوش، المعروف بلقب "أسد الغوطة"، رغم مقتله، ترك إرثًا هائلًا من النفوذ العسكري والسياسي، جعل اسمه رمزًا للسلطة والفكر الميداني الذي يضع مصالح الفصائل فوق حياة المدنيين. أسلوبه في السيطرة على المدنيين، وإدارة المعابر، وتنظيم المعارك، رسخ منطق القوة والسيطرة على الحياة اليومية، حتى بعد رحيله. إرثه لم يكن مجرد قيادة عسكرية، بل منهجية للسيطرة والقهر، حيث المدنيون أصبحوا أدوات، والنساء والأطفال أكثر ضحاياها.

بعد علوش، تولّى عصام بويضاني (أبو همام) القيادة الفعلية لجيش الإسلام في الغوطة الشرقية، محافظًا على إرث زعيمه السابق، لكنه في الوقت نفسه أصبح رمزًا لممارسات جرائم الحرب الحالية: إدارة حصار لا إنساني، فرض معابر مدفوعة، اعتقالات تعسفية، وقمع مستمر للمدنيين. بويضاني، ومن خلفه رموز الفصائل، حولوا الحصار إلى اقتصاد استغلالي، حيث تُباع النجاة بأموال تُفرض على المدنيين، ويصبح أي صوت معارض عرضة للتهديد أو الاعتقال، والأطفال والنساء هم الضحايا الأبرز لهذا القمع المنهجي.

الاضطهاد والمعاناة اليومية للمدنيين

المواطنون في الغوطة لا يعيشون فقط تحت القصف، بل تحت تهديد الفصائل المسلحة نفسها:

- المعابر والنجاة اليومية مادة للبيع، وتداول أسماء المطلوبين أصبح تجارة مربحة للفصائل.

- الاعتقالات التعسفية جزء من الحياة اليومية، وكل محاولة للمعارضة تُقمع بالقوة.

-المدارس والمستشفيات شبه مشلولة، الغذاء محدود، والدواء نادر، والحياة اليومية أصبحت معركة من أجل البقاء.

عصام بويضاني (أبو همام)

نساء القهر!

النساء في الغوطة يتعرضن للعنف الجسدي والجنسي والقمع السياسي بشكل يومي:

- الاعتداء على النساء أصبح أداة للسيطرة على المجتمع.
-أي نشاط اجتماعي أو دفاع عن الحقوق يواجه بالقمع أو التهديد المباشر.
-الأمهات والحوامل يعشن في خوف دائم، والمستشفيات غير مجهزة، والحياة اليومية تتحول إلى معركة للبقاء.
هيئة تحرير الشام وفكرها المتطرف جعل من حقوق النساء غير موجودة، وجعل الحياة اليومية للمدنيين مستودع قهر وخوف، بينما القادة يتحركون بحرية تامة بعيدًا عن أي مساءلة.

جرائم هيئة تحرير الشام وفكرها القمعي

هيئة تحرير الشام وجيش الإسلام لم يكونوا مجرد جماعات مسلحة، بل نظام قمعي كامل:

- استغلال المدنيين: تحويل الحصار إلى تجارة، وفرض التهديد المستمر.
-القمع المستمر للأصوات المعارضة: الاعتقالات، الترهيب، وحجب أي شكل من أشكال التعبير الحر.
-العنف ضد النساء والأطفال: الانتهاكات الجسدية والجنسية أصبحت جزءًا من ممارسة السلطة.
-السلطة الميدانية أصبحت أداة للسيطرة والاستغلال أكثر من كونها حماية للمدنيين.

الحرية الميدانية للقادة، سواء الإرث الرمزي لعلوش أو القيادة الفعلية لبويضاني، تتناقض بشكل صارخ مع الواقع اليومي للمدنيين. السلطة أصبحت أداة قمع واستغلال، والفكر المسيطر بين رموز الفصائل يؤكد أن الإنسان ليس إلا ورقة في لعبة نفوذ أكبر.

مأساة بلا مساءلة

في 21 آذار 2018، مأساة الغوطة ليست فقط نتيجة الحصار والقصف، بل نتيجة سلطة بلا مساءلة، وفكر مسلح استثماري لمعاناة المدنيين. النساء والأطفال بلا صوت، المدنيون بلا حماية، والضحايا يدفعون الثمن المباشر بينما القادة يمارسون جرائم حرب تحت ستار السلطة العسكرية والفكر المتطرف

آذار شهر حافل بالمناسبات التي تعلي من شأن المرأة، كلّ امرأة لها من هذا الشهر نصيب من التكريم والتقدير، فيوم المرأة العالمي، وعيد الأم يجتمعان في هذا الشهر.

لم يختلف عيد الأم يوماً في سوريا عن أيّ عيد آخر، فالعائلات تجتمع لتحتفل بالأمهات، ينزلون إلى الأسواق لشراء الهدايا، يزيّنون بيوتهم ويفرحون، في أجواء عائلية رائعة.

أمّهات لا عيد لهنّ

اليوم، هناك أمّهات يجب ألّا ننساهنّ من التهنئة، بل جدير بنا أن نقدّم لهنّ آيات الاعتذار، وباقات الانحناء أمام عظمتهن. اليوم لدينا نوع جديد من الأمهات، لسن أمّهات الأسرى والمعتقلين العظيمات، ولسن الأمّهات المهاجرات، أو من يعيش أبناؤهنّ بعيداً عنهن، لسن أمّهات الشهداء، في آذار 2018 بالذات علينا في عيد المرأة وعيد الأمّ أن نوجّه رسائل الاعتذار لأمهات ونساء الأقبية.

نعم، أمهات تقبعن في أقبية المباني، بل أنجبن أطفالهنّ واكتسبن لقب أم في تلك الأقبية، أمّهات حين يولد طفلهنّ يولد في عتمة القبو، على أصوات القصف وصراخ الخوف ورائحة الموت.

في آذار 2018 بالذات علينا في عيد المرأة وعيد الأمّ أن نوجّه رسالة تقدير لأمهات ونساء الأقبية

أمّهات الأقبية لا يزلن، منذ شهر شباط الماضي، في غرف مظلمة تحت الأرض، يتلقين في ذلك القبو نبأ استشهاد أبنائهنّ أو أزواجهنّ أو آبائهن، أمّهات لا يستطعن الاحتفال بأمومتهنّ، حتى وإن كانت أجمل ما حصل لهنّ في ذلك القبو المظلم.

منذ أيام نشر طبيب من الغوطة الشرقية على صفحته في فيس بوك، صورة لأطفال خدّج، وكتب فوقها اليوم فقط استقبلت عشرين حالة ولادة، وتلك الحالات هي القيصرية أو الخطرة، لأنّ الأمهات اللواتي يلدن ولادة طبيعية لا يخرجن من القبو؛ بل يلدن داخل القبو، دون أن ينتظرن طبيباً يساعدهنّ في لادتهنّ، فضحايا القصف والبراميل أشدّ حجة للمستشفيات وكوادرها.

القبو القبر..

القبو ذلك المكان المعتم الخالي من كلّ أساسيات الحياة، أربعة جدران تضمّ أعداداً تكاد لا تستوعبها من النّساء والأطفال، مع ذلك أدركت الأمّهات والنّساء في ذلك المكان، أنّ على الحياة أن تستمرّ، وأنّ ما يجري معهنّ الآن ربّما يتجاوز الظرف المؤقّت، وأنّ عليهنّ ترتيب تلك "الحياة" الجديدة.

ناشطات حقوقيات هنّ أيضاً من ضمن أمّهات الأقبية، يتحدّثن عن فظاعة الحياة هناك، ويستغربن تغييب المشهد الإنسانيّ فيها عن العالم، تلخّص إحدى نساء الغوطة، من دوما، معاناة السكان بالقول: "ننزل إلى هذا القبر (في إشارة إلى الملجأ الذي تختبئ فيه) نقبر أنفسنا قبل أن نموت."

وتقول امرأة أخرى من ملجأ تحت الأرض في دوما، يتجمع حولها عدد من الأطفال في غرفة مظلمة: "لا نجرؤ على الخروج، لا نجرؤ على الصعود من هذا الملجأ، الوضع مأساوي جداً؛ الطيران من فوقنا والقذائف من حولنا (...) أين نذهب بأطفالنا"؟!

الطفل يخرج من ظلمة بطن أمّه إلى النور، إلا أطفال الغوطة سيخرجون من ظلمة إلى ظلمة أكبر

في تسجيل صوتي، بثته ناشطة حقوقية من الغوطة، قالت فيه: "هناك العديد من النساء الحوامل والمرضعات في القبو، النساء الحوامل تعبن من التفكير بالولادة، خاصة النساء الحوامل في شهرهنّ التاسع، للأسف أطفالهنّ سيولدون في القبو، كلّنا نعرف أنّ الطفل يخرج من ظلمة بطن أمّه إلى النور، إلا أطفال الغوطة سيخرجون من ظلمة إلى ظلمة أكبر، أمّا بالنسبة إلى النساء المرضعات سينشف حليبهنّ إذا استمرت هذه المذبحة، سينشف الحليب من هول القصف وشدّة الجوع". ناشطة أخرى موجودة في الملجأ "القبو" في الغوطة، تكتب على صفحتها في فيسبوك تفاصيل "الحياة" في ذلك الملجأ، لتوثق ما يجري، كتبت في إحدى مدوّناتها "شباك صغير": "السماء بعيدة عنا كثيراً، وتصعب رؤيتها، بعيدة عن المايكروسوفون والمروحية، نشرتنا الجوية مليئة بالبراميل والصواريخ، نسمع أصواتها لأول مرة، نضحك لقصص لا تُضحِك، نتذكر مواقف جميلة مررنا بها، نضحك ونبكي ونخاف، وتعود أعيننا إلى ذلك الشباك، يدخل الهواء منه إلينا، وحين يشتد القصف يدخل علينا الأذى منه، غبار وتراب وشظايا، يمرّ عليّ الوقت وأنا عيني على ذلك الشباك، وأطفال كثيرون حوليي تتسمّر أعينهم عليه، طفل عمره أربعة أعوام كلّ قليل يقرأ الدعاء نفسه بطريقة طفولية، "اللهم اكفنا الهم".

هل يصل صوتنا للخارج؟ هل من أحد يتحرّك لأجلنا؟ وأسئلة أخرى تبحث عن إجابات 

مايا طفلة أخرى، وكأنّ لسانها حفظ سؤالاً واحداً، تكرره عشرات المرات: ماما... أنتِ بتحبيني؟!

أمّا قصي فكبر قبل الأوان، يعيش الخوف ويرفض أن يعبّر.. نظام جبار يريد أن يتغلب على الأطفال بكل قوته

شباك صغير مخبَّأ على طرف الرصيف بالشارع، كثيرون مرّوا من أمامه ولم يخطر لهم أن ينظروا إليه، "يا خوفي نصير متل هالشباك، تمر الناس من جنبنا وما تشوفنا".

أسئلة يردّدها سكّان الملاجئ هناك، لكلّ ناشط أو إعلامي: هل يصل صوتنا إلى الخارج؟ هل من أحد يتحرّك لأجلنا؟ وغيرها من أسئلة تبحث عن أمل كاذب في إجابات يعرفونها حقّ المعرفة.

فهل تحتفل أمّهات الأقبية بعيدهنّ، بالأصحّ هل تتذكّر تلك الأمهات أنّ اليوم هو عيدهنّ؟!

عصام بويضاني (أبو همام)


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية