
في خضمّ التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل والسودان وليبيا، عادت جماعة الإخوان المسلمين لتتحرك بخفة عبر القارة الإفريقية، مستغلة الفراغ السياسي والانهيارات المؤسسية لتثبيت موطئ قدم جديد بعد خسائرها في العالم العربي وأوروبا. فالبيئة الهشّة في دول مثل مالي وتشاد والسودان، حيث تتقاطع الأزمات مع المساعدات الأجنبية، تبدو مناسبة لإحياء مشروع التنظيم في ثوبه الإنساني الظاهري.
وفي الأسابيع الأخيرة، كشفت تقارير أمنية أفريقية عن نشاط مكثف لجمعيات تعليمية وخيرية تموَّل من واجهات تركية وقطرية، تتبع لشخصيات لها ارتباطات فكرية بالتنظيم العالمي للإخوان.
هذه الجمعيات تركّز على المناطق الريفية والمضطربة، حيث تضعف الدولة وتغيب الرقابة، ما يمنحها قدرة على التأثير الاجتماعي والتجنيد الناعم تحت عنوان “دعم التنمية”.
وقد حذّرت أجهزة أمنية في نيجيريا ومالي من “شبكات دعوية مموهة” تستغل المدارس القرآنية لتلقين الشباب فكرًا سياسيًا مؤدلجًا.
في المقابل، تحاول حكومات أفريقية التعامل بحذر مع هذا التمدد، إذ تتردد بين قبول التمويل الخارجي لحاجتها إلى المساعدات، وبين الخشية من تحوله إلى نفوذ سياسي عابر للحدود.
ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه القوى الغربية عن الانخراط الميداني المباشر في القارة، مما يفتح المجال أمام القوى الإسلامية لإعادة التموضع عبر واجهات جديدة.
شبكات التعليم والخير.. بوابة التمدد الصامت
ومنذ مطلع العقد الأخير، عمل الإخوان على تأسيس مئات المدارس والمراكز الصحية في غرب وشرق إفريقيا بتمويل من جمعيات تحمل أسماء إنسانية أو قرآنية. لكن خلف هذا النشاط تبدو أهداف أبعد من المساعدات.
فالتعليم الديني الموجّه أصبح أداة للتأثير في الأجيال الصاعدة، خاصة في دول مثل النيجر وغانا وكينيا، حيث يتزايد الطلب على التعليم الأهلي بعد فشل الأنظمة في تغطية المناطق النائية.
كما يوظّف التنظيم خطاب “الهوية الإسلامية” لتجنيد معلمين وطلاب من خلفيات فقيرة، مقدّمًا نفسه كحامٍ للقيم الأخلاقية في مواجهة العلمنة الغربية.
ومع الوقت، تتحول المدارس إلى فضاءات لتلقين فكر “الإصلاح الإسلامي” المستند إلى أدبيات حسن البنا وسيد قطب، وإن بصيغة محلية أكثر نعومة.
وفي شرق إفريقيا، ظهرت مراكز تدريب مهني بتمويل قطري تعمل على “تمكين الشباب”، لكنها في الواقع تُستخدم لربط المتدربين بشبكات الدعوة الإخوانية.
هذا التغلغل لا يقتصر على المدارس، بل يمتد إلى المستشفيات والمراكز الصحية التي تُقدَّم فيها المساعدات المجانية ضمن حملات طبية تركية أو قطرية. وتؤكد تقارير من أوغندا وتنزانيا أنّ بعض هذه المراكز تُستخدم كقنوات تمويل صغيرة لتمرير الأموال نحو جمعيات ذات صلة بالتيار الإخواني. وبذلك يُعاد بناء الحضور الاجتماعي للتنظيم بطريقة ناعمة، بعيدة عن الصدام السياسي المباشر.
الحلف التركي-القطري وإعادة الانتشار
وبعد التضييق على الإخوان في مصر وتونس وأوروبا، وجدت أنقرة والدوحة في إفريقيا فضاءً مناسبًا لإعادة توظيف نفوذهما الناعم. فتركيا تمدّ حضورها عبر “تيكا” والوقف الديني التركي، بينما تتولى قطر تمويل الجمعيات المحلية تحت مظلة “قطر الخيرية” و“الهلال الأحمر القطري”. هذا التنسيق غير المعلن يشكل اليوم العمود الفقري لعودة المشروع الإخواني في القارة.
أنقرة ترى في إفريقيا امتدادًا استراتيجيًا لنفوذها الجيوسياسي، وتعتبر دعم الشبكات الإسلامية وسيلة لبناء نفوذ موازٍ للنفوذ الفرنسي المتراجع.
أما الدوحة، فتستخدم واجهاتها الإنسانية لشراء النفوذ الثقافي والديني.
ففي نيجيريا والسودان، لوحظ ارتفاع عدد البعثات الدراسية الممولة من مؤسسات قطرية وتركية نحو جامعات تُتهم بنشر فكر “الإسلام السياسي المعتدل”. هذه الأدوات تمنح الإخوان فرصة لتجنيد نخب جديدة تحت غطاء “العلاقات الأكاديمية”.
ويتقاطع ذلك مع نشاط إعلامي رقمي موازٍ، حيث تُدار صفحات ومواقع إلكترونية من إسطنبول والدوحة تروّج لنجاحات “المشاريع الخيرية” في إفريقيا، وتُقدّم الإخوان كقوة اجتماعية تنموية. وهكذا يتحول الخطاب الإنساني إلى أداة لاستعادة الشرعية المعنوية بعد سنوات من العزلة السياسية.
الموقف الأفريقي ومخاوف الأمن الإقليمي
هذا وتتعامل الحكومات الأفريقية مع التمدد الإخواني بقدر من الازدواجية. فمن جهة، لا يمكنها الاستغناء عن التمويل التركي والقطري الذي يغذي قطاعات حيوية في التعليم والصحة والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، تتزايد المخاوف من ارتباط تلك الشبكات بحركات متطرفة تنشط في الساحل ونيجيريا والصومال.
في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حذّر خبراء أمنيون من أن الجمعيات الإخوانية قد تشكل “حاضنة فكرية” للجماعات الجهادية المحلية. فالأيديولوجيا واحدة وإن اختلفت الأسماء: من “الإصلاح الاجتماعي” إلى “نصرة الإسلام”. وتدرك الأجهزة الأمنية أنّ التحريض الفكري يبدأ من التعليم والمساعدات، لا من المعسكرات المسلحة.
ولهذا بدأت دول مثل السنغال وتشاد بمراجعة تراخيص الجمعيات الدينية الأجنبية وتشديد الرقابة على التمويل الخارجي.
أما الاتحاد الأفريقي، فقد بدأ يناقش في تقاريره السنوية فكرة “الأمن الثقافي”، محذرًا من محاولات تسييس الدين عبر المساعدات الخارجية. لكن غياب استراتيجية قارية موحدة يتيح للتنظيمات المرنة مثل الإخوان التغلغل عبر ثغرات السيادة الوطنية وضعف التنسيق بين الأجهزة. وهكذا تجد القارة نفسها أمام اختبار جديد: كيف تواجه خطر النفوذ الأيديولوجي دون خسارة الدعم المالي الخارجي الذي تحتاجه بشدة.
ويحذر خبراء من أن عودة الإخوان إلى إفريقيا ليست مجرد انتقال جغرافي بعد الإقصاء من العالم العربي، بل هي استراتيجية بقاء طويلة المدى تستغل هشاشة الدولة الإفريقية وتراجع الاهتمام الدولي. ومع استمرار الصراع في الساحل وغياب الرقابة، قد تصبح القارة المنسية مختبرًا جديدًا لإعادة إنتاج الإسلام السياسي في ثوبه الإنساني. لكن الوعي المبكر من بعض العواصم الأفريقية وإدراكها للأبعاد الأمنية قد يحدّ من هذا التمدد، شرط أن تُرافقه إرادة سياسية وإعلامية تكشف طبيعة هذا “الرهان الإخواني” الجديد.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86_1_1.jpg.webp?itok=GITWNTHB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1000009697_0.jpg.webp?itok=JAIdHlpn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_0_0_0.jpg.webp?itok=uJwkIJTA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_6_0_0_1_13_1_9.jpg.webp?itok=h5nc3PPx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/05erlanger-superJumbo_0_0.jpg.webp?itok=-Tza18-v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_72.jpg.webp?itok=Ke83_r_i)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_15_1_1.jpg.webp?itok=aAmNhDza)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862_13_0_5_0_0.jpg.webp?itok=JZzL4Iwa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/454117_0.jpeg.webp?itok=ATRUKXbk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1_3_0_0_1.jpg.webp?itok=Le9yHjtD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA_1_8.jpg.webp?itok=rmi9eOjM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%A7_4_0_7_2.jpg.webp?itok=_dHBi_th)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/p5eBdKuvCLSeRkZOCHy4RYdCf6uEJ74ZewUOBrt6ckaacdMqpAi0w72HxxhAReOxHVqFCfNdbWC7oOaukx7_3I6UNDYpi_wtnRBocHrpEfHX2Fr2zNCD8t6ZEDEWs0-izLaNchlwIFztEXaech-DDzsNSXJUdxQk477vnouRDjeEG_d68RvcxI1sSIVL8XY1%20%281%29.jpg.webp?itok=OUOfR5gf)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132_0_0_1_0.jpg.webp?itok=VZoZrpeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_19_1.jpg.webp?itok=Sr99NZL9)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Q-eEQo-e5nHXh59BLAedIfYizSVuYuBTHRnfkZIx0Ui0qPldAUkbYNlWNh-4ozUox4mLdLugSTxOsQfowMzKHUshN15Ei793Wvn1gSOWT-0xpdHmYFueGYwY3n3gNQHlR1hbix8gX3y1CWx8ak1YOzJNu9PvgfmuKpoAb2KqHTuSpO4X20wtYu14wkKPlTEk%20%281%29.jpg.webp?itok=JB132jr9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/cAxNXFonRdm5D_UzgtB6_froUEIOgm-gU3c94jT_V4OWU4eRQdztMPRWajcDXKngGxNCwGWguH5boGy-cIEcodFHKpUMgjvE9kr3MC_-6b5e_WAF50l7Zc-4hB9nkTTZCCWlJLRgFIgTEgOdVhJ_cxSmVZuhoWI54DrR5HPU3nmExuwojvcT2SgfA86PMfoq%20%281%29.jpg.webp?itok=Q-8ycNYU)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86_101_0_0_0.jpg.webp?itok=urBiYFyt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/zHbVWfETFiJSZxbfHcBlWjcL9E61mEz1IkrAU5YATtBKQPF6Zh_HTjITn7JGMESGy_yk-BTRJUBrKnJCBLPmOiUUj1OHT9bCjvmNRauM-oyj3dxl-jdYEh8Qa9KS8wBHyBywBR2LPn56xv6dNBCxAhd90F8LeQAsl9u0PAPYpSnEgRpeSusFJ0WEyW_TQYS-.jpg.webp?itok=IcfUx6sJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B7%D8%A8_10_1_9.jpg.webp?itok=rD4NPNs8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

