العرب المحاصرون بالأيديولوجيا .. دينية إيران وقومية تركيا

العرب المحاصرون بالأيديولوجيا .. دينية إيران وقومية تركيا

مشاهدة

14/09/2020

الأيديولوجيا، على مستوى الدلالة، كلمة غريبة عن النسق اللغوي العربي، وعلى مستوى الاستعمال تبدو مربكة وتضع تصوراتنا حول الحياة والواقع والعالم على المحك، إنّها من ناحية تنتج تصورات متضادة للواقع بحسب متبني هذه الأيديولوجيا وقدرته على خلق مقاربة بين أفكاره والواقع الذي يعيش.

ليس مهماً التعريف الدلالي للكلمة أو المصطلح، المهم هنا أنّها تشكل فعلاً حصاراً عميقاً حول واقعنا العربي بفعل قوة الأفكار التي تشكل وعي الناس أو إيمانهم وبالتالي أحكامهم ومحاكماتهم لكل تفاصيل الواقع على مستوى الأفكار وعلى مستوى الممارسات.

 

على المستوى الخارجي هناك أيديولوجيات استطاعت الاستقواء على المحتوى الداخلي للأيديولوجيات، منها أيديولوجيا الدولة الدينية الإسلامية الإيرانية، وأيديولوجيا الدولة القومية التركية

 

سؤال الأيديولوجيا الأول هنا، هل العرب يمتلكون أيديولوجيا، ينطلقون منها في نشاطهم الفكري والسياسي والثقافي، لبناء حاضرهم ومستقبلهم، وتحقيق تطلعاتهم وأهدافهم بما هم جزء من هذا العالم وأفكارهم جزء من أفكار الحياة والإنسانية، والجواب باختصار نعم؛ فالأيديولوجيا القومية كانت في وقت من الأوقات الحاكمة الكبرى لمعظم الدول العربية، علماً بأنّ هناك من قال بأنّ الفكر القومي إبان فترات حكمه خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان يفتقر للأيديولوجيا التي تبقيه قادراً على صناعة الأثر على مستوى الإنسانية والعالم.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران تنظمان اقتسامهما لمناطق النفوذ من العراق إلى سوريا ولبنان

ورغم ذلك، كانت الأيديولوجيا القومية العربية موجودة، وقدمت محاولات لتأكيد وجود أمة عربية واحدة ذات مشتركات كبرى لغوية وتاريخية، وأنّ لهذه الأمة روحاً تبقى حية لكنها كامنة في فترات زمانية متغيرة.

والأيديولوجيا الأخرى هي الأيديولوجيا الدينية "الإسلامية"، وما أثير حولها من جدل كبير ومستمر، على مستوى تحرير الإسلام كدين من الأيديولوجيات، أو تكريس الأيديولوجيا الإسلامية الدينية على مستوى الفعل والممارسة وظهور تيارات وفرق وجمعيات وأحزاب بحمولات أيديولوجية دينية، ولأنني أقرب إلى تبني رؤية أو فكرة تحرير الدين من الأيديولوجيا، فإنني أعتبر أنّ التعامل مع الدين وفق قناعات أيديولوجية يزج بالدين في حراك وجدال وتنافس مع الأيديولوجيات الأخرى، التي تكون عرضة للهزيمة أو الانكسار أو الموت في فترة زمانية ما. فالإسلام كدين وعقيدة، أكبر من الأيديولوجيا، والمرجعية الدينية أعمق بكثير من المرجعية الأيديولوجية، ومع ذلك فليس هنالك من دين قد نجا من التوظيف الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: على غرار الحسكة: هكذا تقايض تركيا وإيران العراقيين بالماء

لقد نشأت الأيديولوجيا الدينية، بالفعل في الواقع العربي، وتكشفت تياراتها بعد انخراط الأيديولوجيا القومية في الواقع العربي واشتباكها في حياة النخب السياسية والفكرية والثقافية، حيث ظهرت تيارات دينية تحاول أن تتميز عن غيرها بتأسيس اشتباك مع الناس، من البسطاء والفقراء - كحركة الإخوان المسلمين نموذجاً - وهو اشتباك بطابعه العمومي وجداني عاطفي، منحاز إلى الطبقة الفقيرة والوسطى من المجتمعات العربية، وصولاً إلى النخب. ومازالت هذه الأيديولوجيا حاضرة في الواقع العربي في كيانات متعددة على شكل أحزاب أو جماعات سياسية واجتماعية وعسكرية.

أما الأيديولوجيا العلمانية، فهي المنتج الأيديولوجي الثالث، وإن كنت أميل إلى اعتبار أنّ أية دولة حديثة هي دولة علمانية، إلا أنّ ذلك لا ينفي أن تكون العلمانية أيديولوجيا فائقة الحضور في الواقع العالمي والعربي تحديداً. ولعل بعض الباحثين يذهبون إلى أنها الكتلة الفكرية التي تحاول إذابة أو إلغاء المرجعيات "ما فوق بشرية"، إشارة إلى الأيديولوجيا الدينية، لكنها حتماً كتلة فكرية أسست مرجعية عميقة تحاول تجاوز أية مرجعيات سابقة عليها "مرجعيات عرقية أو مرجعيات دينية"، ووضع العالم أمام استحقاق جديد، أنّ الأيديولوجيا العلمانية، لا تحاول إلغاء الآخر، بل تحاول إعادة قراءة الآخر لذاته وأفكاره من داخله.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران.. الاستعلاء القومي بغطاء ديني

لم يكن الهدف استعراض أو تفكيك تلك الأيديولوجيات، بل كان الهدف الإشارة إليها باعتبارها التي شكلت المرجعيات العربية على المستوى الفكري والسياسي، وأن حركة المجتمعات العربية بقيت ومازالت محاصرة في حراك هذه الأيديولوجيات داخلياً، وعلى المستوى الخارجي هناك أيديولوجيات استطاعت الاستقواء على المحتوى الداخلي للأيديولوجيات، منها أيديولوجيا الدولة الدينية الإسلامية "الإيرانية"، وأيديولوجيا الدولة القومية "التركية".

 

يبدو العرب بلا أيديولوجيا، وبالتالي بلا فكرة جامعة تشكل نسقاً واحداً لتفسير الواقع والتعامل مع الوقائع وبناء طريق نحو المستقبل

 

إنّ العلاقة مع الأيديولوجيا الإيرانية ليست علاقة سياسية، وإن كان ثمة عرب يحاولون إظهارها على أنها علاقات سياسية ضرورية، على الأقل من وجهة نظر إيرانية، فهي نظرة تقوم على النظرية الأيديولوجية الخمينية التي أخطر ما فيها هو محور تصدير الثورة عبر مزج السياسي بالديني لخلق مزيد من القناعات بهذه النظرية وهذه الأيديولوجيا، خاصة في عالمنا العربي.

أما الأيديولوجيا القومية التركية، فهي أولاّ "قومية"، لأنني على قناعة بأنّ منطلقات تركيا الجديدة وما قبلها هي منطلقات قومية قبل أن تكون دينية، إلا أنّ مشروعها الأيديولوجي قام على ترويج أو تسويق أو تصدير مشروعها وأيديولوجيتها عبر مزج القومي والديني، فهي أيديولوجيا قومية داخلياً، ودينية عربياً، وعلمانية في سياق الخطاب الموجه للغرب.

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران... الأصولية والطائفية

إنّ هذه الأيديولوجيات هي كتلة حرجة من الأفكار غير الناضجة أو المكتملة كمشروع أيديولوجي عربي، فالقومية نضجت كنظرية، لكنها مرت في سلسلة إخفاقات على مستوى التطبيق، والدينية والعلمانية مشوهتان بفعل الصراع المستمر بينهما، لكن الخطر الحقيقي هو في الأيديولوجيات التي تحاول تصدير نفسها إلينا.

وسط هذه الخريطة لتوزيع الأيديولوجيات، يبدو العرب بلا أيديولوجيا، وبالتالي بلا فكرة جامعة تشكل نسقاً واحداً لتفسير الواقع والتعامل مع الوقائع وبناء طريق نحو المستقبل.

الصفحة الرئيسية