العراق... شحيح على مبدعيه كريم على ناهبيه وقتلته!

العراق... شحيح على مبدعيه كريم على ناهبيه وقتلته!

مشاهدة

30/09/2019

لا يمرّ أسبوع دون أن يودّع العراق أحد مبدعيه في الفنّ أو الثقافة أو الفكر أو العلوم؛ فمنذ أعوام، قبل الغزو الأمريكي وبعده، يموت شعراءٌ على أسرّةٍ غريبة، مقتفين أثر صاحب "أنشودة المطر" بدر شاكر السياب، ويوارى الثرى فنانون وكتّاب وعلماء في ميتات القهر والمرض والفاقة، داخل البلاد أو خارجها.

غريبٌ أن يموت كافكا العراقي في لندن، مسموماً بذكرياته: "سأكنسُ العراقَ بالسَعَفِ، وألقي إلى المزابلِ، بقايا عظامٍ ودموعٍ وكبرياء"

أمس الأحد، فجعت الأوساط الفنية العراقية بنبأ وفاة عميد المسرح العراقي الفنان سامي عبد الحميد عن 91 عاماً، الذي رحل في العاصمة الأردنية عمّان، بعيداً عن مدينته السماوة.
ويعتبر عبد الحميد من مؤسسي المسرح العراقي، وهو من مواليد محافظة المثنى جنوبي العراق لعام 1928، وحاصل على شهادة الحقوق ودبلوم من الأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن وماجستير في العلوم المسرحية من جامعة أوريغون الأمريكية، وشغل منصب رئيس اتحاد المسرحيين العرب، وكان عضواً في لجنة المسرح العراقي والمركز العراقي للمسرح، ونقيباً سابقاً للفنانين العراقيين.
وبرحيله يخسر العراق، أحد أبرز رموز نهضته الثقافية، تاركاً لجمهوره ومحبيه ذكريات من أشهر أعماله المسرحية؛ "ثورة الزنج"، و"ملحمة جلجامش"، و"بيت برناردا، والبا"، و"انتيغوني"، و"المفتاح"، و"في انتظار غودو"، و"عطيل في المطبخ"، و"هاملت عربياً"، و"القرد كثيف الشعر".

اقرأ أيضاً: اغتيال المشذوب.. الطائفية تقتات على أرواح المبدعين
وقبل رحيل عبد الحميد بأيام، خطف الموت الأمين العام لـ "اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين"، الشاعر إبراهيم الخياط، وهو في عزّ عطائه الثقافي والإنساني، في حادث مروري تعرّض له هو والشاعران عمر السراي ومروان عادل، في طريق عودتهم من نشاطٍ ثقافي في دهوك شمال البلاد. صحيح أنّ القيادات الحكومية العليا والشخصيات والمؤسسات العامة المؤثرة سارعت إلى رثائه ونوّهت بمناقبه، لكنّ أمراً بسيطاً يكشف سرّ ذلك الاهتمام الجماعي والمفاجئ؛ فالراحل له صفةٌ مهنية اعتبارية "الأمين العام"، وإلا لكان مثل العشرات غيره، مجرد يافطة سوداء تنعاه عبرها مؤسسته الثقافية أو الأكاديمية.
الأمين العام لـ "اتّحاد الأدباء والكتّاب العراقيين" الشاعر الراحل إبراهيم الخياط

نعي أسبغ عظيم الأوصاف على الراحل
لم بدت تلك الحركة الجماعية من الاهتمام الرسمي في نعيٍ أسبغ عظيم الأوصاف على الراحل صاحب ديوان "جمهورية البرتقال" حركة غريبة ومفاجئة؟ ذلك أنّ الجهاتِ ذاتها التزمت الصمتَ حيال فقدان درامي فجائعي تمثّل في اغتيال الروائي د. علاء مشذوب، في شباط (فبراير) الماضي بمدينة كربلاء.

اقرأ أيضاً: العراق وهيمنة الميليشيات الإيرانية
ما جعل السلطات الكبيرة تبدو "صغيرة" للغاية حيال اغتيال صاحب رواية "شارع أسود"؛ هو أنّ الرجل كان قد وجّه، في تعليق تاريخي، إشاراتٍ عن "مكان كربلائي عاش فيه آية الله الخميني قبل أن يغادر العراق قبيل الثورة الإيرانية، ويدخل في حرب على البلاد التي آوته لاجئاً بعد وصوله إلى السلطة في طهران، عام 1979".
الإشارة التي فُسِّرت بكونها "مسّاً" بـ "الإمام" الخميني، كانت سبباً لإسكات السلطة، من أصغر شرطي في كربلاء، حتى رئيس الجمهورية الذي يقدّم نفسه صديقاً للأدباء والكتّاب، وله مستشارة ثقافية برتبة وزير، عن جريمة معلنة.

المخرج المسرحي سامي عبد الحميد

ما الذي أعلى صوت الرئاسات الثلاث؟
وثمّة مَن يتساءل: ما الذي أعلى صوت الرئاسات الثلاث: الجمهورية، والحكومة، والبرلمان في حادثة وفاة الشاعر إبراهيم الخياط؟ وما الذي ألزمها الصمت المطبق حيال اغتيال مشذوب؟
قطعاً سيكون السبب هو مؤسسة السلطة وجوهرها؛ فالأول ضمن موقع قيادي في مؤسسة رسمية تمثل البلاد في محافل أدبية وثقافية، عربية ودولية، والثاني لم تسعفه كتبه ومؤلَّفاته وبحوثه ودراسته الأكاديمية، ولم تغفر له حيال "جريمته" في النيل من القائد الحقيقي للسلطة العراقية اليوم، و"ملهمها"، زعيم الثورة الإيرانية؛ الراحل آية الله الخميني.

رحل الأمين العام لـ "اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين" الشاعر إبراهيم الخياط، وهو في عزّ عطائه الثقافي والإنساني في حادث مروري

غريبٌ أن يكون هذا المآل البائس نصيبَ مثقفي بلاد بلند الحيدري، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي (الثلاثة ماتوا في أرض غريبة ودفنوا بعيداً عن بلادهم)، فهو مصيرٌ فجائعي موحّد ممتدّ من أيام النظام الديكتاتوري، الذي لم يلاحق فئةً مثلما لاحق الكتّاب والمثقّفين والعلماء، وبالذات أولئك الذين رفضوا "خيمة القائد ووصاياه"، إلى أيام معارضي ذلك النظام الذين صاروا حكّاماً اليوم!
غريبٌ أن يموت المخرج السينمائي العبقري، جعفر علي، فقيراً ذليلاً في بغداد، يوم كان أمّيٌّ فظٌّ وقاتلٌ، مثل علي كيمياوي، آمراً ناهياً فيه، وغريب أن يموت المؤلّف الموسيقي والعازف فريد الله، ويدفن غريباً في آيرلندا، يوم كان أميّون وفاسدون من أبناء مسؤولي ما بعد 2003 يعيشون كأمراء حقيقيين في البعثة الدبلوماسية العراقية بلندن، وغريبٌ أن يعيش كتّابٌ وصحفيّون في مستوى خطّ الإذلال، وتحت مستوى خطّ الفقر، بينما يعيش أميّون وأميّات من أقارب قادة العراق اليوم في أعلى مستوى من الرفاهية، في أرقى عواصم العالم، ضمن الهيئات الدبلوماسية لبلاد الدكتور فاضل الجمالي (مات غريباً أيضاً)، الذي شارك في كتابة دستور الأمم المتحدة عام 1945.
الروائي والأكاديمي الراحل د.علاء مشذوب

غريب أن يموت العراقيون خارج أوطانهم
غريبٌ أن يموت في أرض هولندا أنتوني كوين عراقيّ مثل العبقري خليل شوقي، بينما ظلت تزدهي رموز سلطة أميّة فظة وفاسدة وهي تعلن عداءَها لإعادة إعمار "مسرح الرشيد"، أو إنقاذ "مسرح بغداد"، الذي كان بمثابة البيت الرحيم للراحل شوقي وورشة إبداعه.

اقرأ أيضاً: المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق
غريبٌ أن يموت كافكا العراقي، الروائي والشاعر محمود البياتي في لندن، مسموماً بذكرياته وجملته الرهيبة: "سأكنسُ العراقَ بالسَعَفِ، وألقي إلى المزابلِ، بقايا عظامٍ ودموعٍ وكبرياء"، ويتبعه لاحقاً ليموت مرضاً وكمداً في لندن ذاتها؛ الشاعر فوزي كريم، والشاعر الشريد عقيل علي، الذي يموت على رصيف في بغداد، فيما تتولى الدولة العراقية اليوم دفع نفقات تكبير شفاه النائبات وزرع الشعر لزملائهن الصلعان!
هكذا يبدو العراق شحيحاً على مبدعيه، فمات قهراً وأسى المخرج المسرحي المجدّد عوني كرومي في ألمانيا، التي رحل فيها أيضاً الشاعر الكبير، سركون بولص، ومن ثم على الأرض الغريبة ذاتها رحل الشاعر والصحفي، مؤيد الراوي، مثلما مات غريباً صاحب أغنية "دكيت بابك يا وطن"، المطرب الوسيم فؤاد سالم، الذي "دقّ" حقّاً على باب العراق، لكنّه ظلّ موصداً أمامه؛ فمن مطاردة سلطات نظام صدام حسين له، إلى الإهمال المنهجي على يد سلطة "النظام الديمقراطي"، التي تبدو كريمة للغاية بتخصيص مواكب، لها أول وليس لها آخر، تتولى نقل مسؤوليها وحمايتها، والإنفاق عليها ببذخ إسطوري.


الصفحة الرئيسية