الظروف الاقتصادية تحرم أطفال موريتانيا من ملابس العيد

الظروف الاقتصادية تحرم أطفال موريتانيا من ملابس العيد

مشاهدة

30/07/2020

كغيرها من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، أصبحت موريتانيا أحد أقل بلدان أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط تأثراً بفيروس (كوفيد – 19)، إذ بدأت البلاد في تسجيل أولى حالات الإصابة في العاصمة في ثاني أيام شهر رمضان الماضي، وتجاوزت حالات الإصابة 6 الآف مصاب، وبلغت الوفيات 156 مريضاً، وهو عدد قليل نسبياً مقارنة ببقية دول أفريقيا خاصة الشمال، فيما ارتفعت حالات الشفاء فيه بشكل ملحوظ.

مواطن موريتاني: حُرمنا من إدخال البهجة على أطفالنا بشراء ملابس العيد، بعد ارتفاع كبير في أسعار الملابس الجاهزة، ولا أعلم هل سبب ذلك جشع التجار أم الظروف الاقتصادية؟

وخيّم فيروس كورونا هذا العام على مظاهر العيد لدى أبناء موريتانيا، إذ قضى المواطنون عيد الفطر السابق في خضم الجائحة، بينما يستقبلون هذا العيد في حال أفضل، بعد التخفف من إجراءات الحجر الصحي.

 ويمثل العيد بالنسبة للشعب الموريتاني فرصة للتكافل والتضامن بين أبناء الطبقات المختلفة، وتعد صلاة العيد أول وأهم الطقوس التي يشارك فيها الجميع في الساحات المفتوحة، وتوزع الهدايا والعطايا من ملابس وأطعمة وأغراض للأطفال، على المحتاجين بعد الانتهاء من الصلاة مباشرة، لكن يبقى هذا العيد مختلفاً، إذ تضاعفت أعداد المحتاجين بسبب الجائحة، ما أضرّ بعدة شرائح وطبقات لم تكن تتخيل يوماً أن تحتاج للمساعدة.

بالأضحية تبدأ البهجة

تعد أغلب أراضي موريتانيا صحراوية ورعوية، ولا تزيد نسبة الأراضي الصالحة للزراعة فيه عن واحد في المائة، بحسب منظمة "الفاو"، لكنها تعتمد بشكل كبير على تصدير فائض ثروتها الحيوانية.

يمثل العيد بالنسبة للشعب الموريتاني فرصة للتكافل والتضامن بين أبناء الطبقات المختلفة

 ويقع أكثر من ثلث سكان موريتانيا تحت خط الفقر برغم الكثافة السكانية المنخفضة للغاية والتي تبلغ 3.9 كم مربع لكل فرد. وبحسب إحصاءات البنك الدولي في تقريره عن الفقر والتنمية في موريتانيا لعام 2019، بلغت نسبة الفقراء 33.2%، وليس من أرقام رسمية حتى اليوم ترصد أشكال الفقر التي اجتاحت البلاد بعد الوباء، لكن أبرزها كان ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة كبيرة، بما فيها اللحوم التي تعد أحد الثروات الأساسية في البلاد.

اقرأ أيضاً: كيف تؤدي صلاة عيد الأضحى في المنزل؟

وبحسب أستاذ التاريخ في مدرسة النجوم بالعاصمة نواكشوط، عبدالمجيد مصطفى، والذي تمّ تخفيض راتبه بسبب الجائحة، فإنّ "الأضحى أول عيد يمّر على عائلتي دون شراء كبش للأضحية، بسبب ارتفاع أسعارها".

وأبلغ مصطفى "حفريات": حرمنا كذلك من إدخال البهجة على أطفالنا بشراء ملابس العيد، بعد ارتفاع كبير في أسعار الملابس الجاهزة، والتي يأتي أغلبها من الصين، ولا أعلم هل هو بسبب جشع التجار أم أنّ الظروف الاقتصادية للبلاد حقاً متعثرة، وذلك ما سبب هذا الارتفاع الجنوني في الأسعار"؟

اقرأ أيضاً: صلاة العيد والأضاحي: البهجة الغائبة لدى المصريين

ومع تصاعد حدّة الفيروس في البلاد، أعلنت الحكومة في نيسان (أبريل) الماضي، إغلاق المدارس والجامعات، وإعادة فتحها في شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، وهو ما سبّب ضغوطاً مضاعفة على الأطفال الذين تعطّلت حركة حياتهم، وجاء عيد الفطر ليبقيهم خلف جدران المنزل.

الصحفي الموريتانيّ محمدي موسى لـ"حفريات": أكثر تبعات فيروس كورونا التي أصابت الموريتانيين كانت التعثرات الاقتصادية؛ فهشاشة الاقتصاد جعلته في حالة مزرية وصعبة

 لكن بعد إجراءات تخفيف الحظر، بدأ الأهالي في الخروج مع أطفالهم للتنزه. تقول أستاذة الرياضيّات سكينة موسى: "لديّ أربعة أطفال منهم توأمان، كان الضغط كبيراً لدى تواجدهم معاً في المنزل طوال الوقت، ولاحظت التغيرات النفسية التي طرأت عليهم، لكن ما باليد حيلة".

وتستطرد في حديثها لـ "حفريات": "إعالة أربعة أطفال في تلك الظروف أمر سيء جداً، خاصةّ وأنّ والدهم وافته المنيّة وهو ما يشكل عبئاً مادياً كبيراً، في ظل هذا الارتفاع الجنوني للأسعار، الذي يمنعني من شراء ملابس جديدة وإدخال البهجة على أطفالي، لكن تغلبت عليه بشراء بعض الأقمشة وحياكتها مع نساء العائلة ليفرح الأطفال".

هل قتل كورونا حياتنا الاجتماعية؟

ثلاثة أشهر هي المدّة التي قضتها مودّة كابر مع زوجها الذي يعمل سائقاً لحافلة، في منزل الزوجية، حالت دون لقاء أفراد العائلة، خاصة بعد التناقص الكبير الذي حدث في الدخل اليومي للأسرة والتي لم تمتلك أطفالاً بعد، وتوضح مودة في تصريحها لـ "حفريات": "وبرغم ضيق ذات اليد وقت الجائحة، وانغلاق حياتنا الاجتماعية، إلّا أنّ أفراد عائلتي وعائلة زوجي هم من مدّوا لنا يد العون، برغم ضيق ذات يدهم أيضاً، لكن أجمل ما في هذا الظرف السيء، الذي أبعد الناس عن بعضهم البعض، أنّه أخرج أفضل ما فينا، فكان التضامن سيد الموقف، وإرسال الطعام بين ديار العائلة كان أكثر ما عزز روابطنا الاجتماعية، وعزز سلامتنا النفسية في هذه المرحلة الحرجة".

ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة كبيرة، بما فيها اللحوم

من جهته، أوضح الكاتب الصحفي الموريتانيّ محمدي موسى أنّ أكثر تبعات فيروس كورونا التي أصابت الموريتانيين كانت التعثرات الاقتصادية؛ فهشاشة الاقتصاد في البلاد، جعلته وبرغم قلة الحالات مقارنة بباقي الدول، يتأرجح في حالة مزرية وصعبة، كانت أكثر حدّة على الطبقات الدنيا وهم الأغلبية.

اقرأ أيضاً: ثلاثية الحرب وكورونا و"قيصر" تباعد بين السوريين والعيد

يقول موسى لـ"حفريات": "برغم فيروس كورونا الذي ألقى بظلاله على موريتانيا لأشهر، اضطر الناس آسفين للبقاء في المنازل، لكن بعد رفع الحظر واضطرار السلطات للدخول في مرحلة التعايش، صرف الموريتانيون تفكيرهم عن الوباء وعادت الحياة بشكل طبيعي للأسواق والمطاعم والأماكن العامة. عيد الأضحى هنا مقدس كباقي دول العالم العربي، إذ يقبل الموريتانيون على سوق بيع الحيوان ويسمى هنا (المربط) وتتراوح أسعار الأكباش بين 120 و 150 دولاراً، وهو سعر مرتفع نسبياً في بلد لديه ثروة حيوانية كبيرة جداً، ويصدّر المواشي للبلدان المجاورة".

برغم الألم تبقى البهجة

برغم بداياتها الناجحة في ستينات القرن الماضي، أغلقت آخر صالات السينما في العاصمة نواكشوط أبوابها أمام الزوار عام 2014، والذين قلّ إقبالهم على قاعات العرض، لانصرافهم إلى العروض الذكية عبر منصات الإنترنت المختلفة، وعلى عكس بقية بلدان العالم العربي، التي تعتبر الأعياد الدينية، مواسم ارتياد المسارح ودور السينما برفقة عائلاتهم، يبقى الموريتانيون في المنزل، أمام شاشات الأجهزة الذكية، ويفضلون الذهاب للتسوق أو لزيارات العائلة والاصدقاء.

الحركة في الأسواق في الأيام القليلة الماضية، عادت لطبيعتها

 وبحسب محمدي موسى، فإنّ الحركة في الأسواق في الأيام القليلة الماضية، عادت لطبيعتها، بل تشهد إقبالاً كبيراً بعد طول مكوث في المنازل، ولا أثر للكمامات إلا نادراً، رغم أنّ السلطات أوصت بها، لكننا تجاوزنا كورونا الذي سجل في موريتانيا حتى الآن 6249 حالة بينها 156 حالة وفاة.

ويردف: "هذا العيد جاء في وقت مختلف جداً بالنسبة للموريتانيين؛ فقد صادف أجواء الخريف، موسم تساقط الأمطار، وفيه يتقاطر الموريتانيون نحو الداخل للاستمتاع بأجواء المطر في المنازل، ما يجعل الحركة ضعيفة نسبية في العاصمة خلال أيام العيد، خصوصاً أنّ المدارس متوقفة حتى مطلع شهر أيلول (سبتمبر)، وفي ظل إغلاق المطارات والحدود بسبب كورونا فالغالبية ستختار العيد في أجواء الداخل.


الصفحة الرئيسية