الشيرازيون: استبدال ولاية الفقيه بـ"شورى الفقهاء"

إيران والشيعة

الشيرازيون: استبدال ولاية الفقيه بـ"شورى الفقهاء"

مشاهدة

09/04/2018

في ظلّ التوترات السياسية والاحتجاجات التي تشهدها عدة مدن إيرانية، ضدّ الفساد وسوء الأحوال الاقتصادية، والمطالبة بتحسين بعض الأوضاع الاجتماعية والحريات؛ جاءت مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الدينية في إيران، بحقّ رجل الدين الشيعي، حسين الشيرازي، ابن آية الله صادق الشيرازي، المرجع الديني وزعيم التيار الشيرازي، في بداية شهر شباط (فبراير) الماضي، تثير إشكالية حول تلك الخصومة، القديمة والمتجددة، مع أحد التيارات الشيعية الكبيرة، داخل إيران وخارجها، والذي كان أحد المتحالفين مع الإمام الخميني، ثمّ ما لبثت الخلافات أن دبّت بينهما، كغيرها من العناصر التي تخلصت منها الثورة الإيرانية، وعمدت إلى تصفيتهم.
وبحسب مذكرة التوقيف، التي صدرت بحقّ الشيرازي؛ فهي تتهمه بالهجوم على المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، ووصفه بـ "الديكتاتور"، و"فرعون العصر"، في سياق الاعتقالات التي طالت المحتجين، خلال الفترة الأخيرة، وقد اعتقل "حسين الشيرازي"، بعد استجوابه والتحقيق معه، لكن تمّ الإفراج عنه، في اليوم نفسه.

الشيرازية أحد مذاهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية وتنتسب إلى محمد الحسيني الشيرازي واتُّهمت بتحويلها المذهب الديني لطقوس وشعائر

في 6 آذار (مارس) الماضي، أوقفت مجموعة من عناصر الاستخبارات الإيرانية سيارة المرجع الديني، صادق الشيرازي، وابنه حسين، من أحد شوارع مدينة قم، واقتادوا الابن بعد ضربه وسحله، وإسقاط عمامته، إلى جهة غير معلومة.
وأثارت تلك الأحداث، غضب العديد من الشيعة في العراق، بمدينتي النجف وكربلاء، وخرج كثير من أتباع التيار الشيرازي في احتجاجات واسعة، بعد نقل أخبار الاعتقال، والاعتداء بالصاعق الكهربائي على حسين الشيرازي، وانتقلت موجة الغضب في صدر مجموعة من الإيرانيين، في بريطانيا، الذين توجهوا إلى السفارة الإيرانية بلندن، وأنزلوا العلم الإيراني، بينما ردّدوا هتافات غاضبة، ضدّ سياسات إيران وولاية الفقيه.

مَن هم الشيرازيون؟
الشيرازية أحد مذاهب الشيعة الإمامية الإثنا عشرية، وتنتسب إلى محمد الحسيني الشيرازي، واتُّهمت بتحويلها المذهب الديني إلى مجموعة طقوس وشعائر؛ حيث تتميز باهتمامها بالتدين الطقوسي، والمناسبات والاحتفالات الدينية، مثل عاشوراء، وممارسة شعيرة التطبير، والأخيرة؛ ممارسة تقوم على تجريح الرأس بالآلات الحادة وإدمائها.
وتتهم الشيرازية نظام ولاية الفقيه، الذي تختلف معه في هذا المبدأ، بمنح الولاية لمرجعية واحدة، بينما ترجح المرجعية الشيرازية نظرية "شورى الفقهاء"، وعدم استبداد مرجعية واحدة بالحكم.
تنحاز نظرية "شورى الفقهاء" إلى اختيار الأمة عدداً من الفقهاء، ليديروا الحكم بالشورى فيما بينهم، والأخذ برأي الأغلبية، ويرفض الشيرازيون ولاية فقيه على فقيه، القائمة في إيران، والمؤسس لها الإمام الخميني، حيث يقول: "الفقيه حجّة على مقلّديه لا على فقيه آخر، أو مقلّدي فقيه آخر، ولا فرق بين الفتوى والحكم".

عندما تفاقمت الصراعات بين الخميني والشيرازي لم يتوانَ أن يتخلّص من حلفائه في التيار الشيرازي الذين تحوّلوا إلى خصوم

ويقرّ الشيرازي بأنّ الشورى ملزمة، كما أنّ انتخاب المقلدين للمرجع، لا يجعله يمضي في إنفاذ قناعاته ورؤاه، بعيداً عن الشورى.
ولاية الفقيه و"شورى الفقهاء"
عام 1979، كانت الشيرازية إحدى داعمي ومؤيدي الثورة الإيرانية، وهي الفترة التي ترافقت مع صعودها وانتشارها، وبلورة نظرية سياسية وأيدولوجية على يد محمد الشيرازي، الذي طوّر نظرية شورى الفقهاء، وصاغ عناصرها السياسية والعقائدية، في نهاية الستينيات، كما استقبل الخميني عندما هرب إلى العراق.
بيد أنّ كليهما (الخميني والشيرازي)، هربا من العراق تحت وطأة الخوف من البعث، وانتقل الأخير إلى الكويت، كما سبق الشيرازي الإمام الخميني نفسه، في طرح نظرية كاملة عن ولاية الفقيه في السياسة، وتدشين موقف ثوري ضدّ نظام الشاه، الذي لم يتغيّر لدى الخميني، إلّا بعد أحداث المدرسة الفيضية عام 1963 في قم.
عندما تصدعت العلاقة بين الخميني والشيرازي، وتفاقمت الصراعات السياسية بينهما، لم يتوانَ أن يتخلّص من حلفائه في التيار الشيرازي الذين تحوّلوا إلى خصوم وأعداء، رغم أنّهم كانوا ضمن الحرس الثوري وعناصره الأساسية، والمسؤولين عن تدريب المستقدمين إليه عسكرياً، في التنظيم العسكري، وموكل إليهم مهام تصدير الثورة، ونصبوا المشانق في طهران ضدّ معارضي الثورة.
المرجع الديني، حسين الشيرازي، من أبرز الأصوات التي تنتقد السياسات الإيرانية

خيارات السلطة الإيرانية للمعارضة
يعدّ المرجع الديني، حسين الشيرازي، من أبرز الأصوات التي تنتقد السياسات الإيرانية، والمعارضة لها بقوة، وقد قال في كانون الأول (ديسمبر) 2017، إنّ هناك ثلاثة أذرع، أو بالأحرى عوامل، لتمادي الدولة في قمعها:
"العامل الأول أبرزها وأوضحها: وهو القمع السلوكي عبر السجون والمعتقلات، والتعذيب عبر جهاز المخابرات والبوليس والجيش، هذا قمع معروف، ومن سمات الدول، رئة الدولة، مثل الأوكسجين للإنسان، فالدولة من غير وسائل القمع لا يمكنها أن تعيش.
العامل الثاني؛ هو القمع الاجتماعي، عبر المجموعات الغوغائية وهي أهم ركائز الدولة، مجموعات غوغائية يحركونها في أيّ وقت يحبّون، ضدّ أيّ مشروع، وضدّ أيّ واحد، وهؤلاء عندهم مجموعات بالآلاف، يحركونهم بوازع ديني، بتعصبات دينية أو عرقية أو أمثال ذلك".
وتتهم الشيرازية نظام ولاية الفقيه، الذي تختلف معه في هذا المبدأ، بمنح الولاية لمرجعية واحدة، بينما ترجح المرجعية التي تقوم على نظرية "شورى الفقهاء".

اعتقلت السلطات ابن المرجع الشيرازي الأكبر، محمد رضا، وقامت بتعذيبه في سجون إيران حتى الموت

تمتدّ عملية التنكيل في التيار الشيرازي إلى الإمام الخميني، الذي همّش تواجدهم في السلطة، وحاول إضعافهم وقطع الطريق على صناعة نفوذ لهم، وقد تمّ وضع آية الله حسن الشيرازي، لمدة 15 عاماً، رهن الإقامة الجبرية، منذ بدأت معارضته لمبدأ ولاية الفقيه بينه وبين الخميني تظهر، وانتقاده العنف والإرهاب في ممارسة العمل السياسي، وهو الأمر الذي لحق بنسل التيار، ممّن اتبعوا الخطّ السياسي نفسه، ومعارضة النظام، فتعرّضوا للأذى نفسه.
عام 2008، اعتقلت السلطات ابن المرجع الشيرازي الأكبر، محمد رضا، وقامت بتعذيبه في سجون إيران حتى الموت، وتكرّر الأمر ذاته مع اعتقال النظام لمرتضى الشيرازي، الأخ الأصغر لمحمد رضا الشيرازي، بيد أنّه تمكّن من الهرب.
واعتقلت محكمة رجال الدين، عام 2013، المرجع الديني، حسين الشيرازي، دون ذكر أسباب في مذكرة التوقيف، ممّا تسبَّب في غضب الشيرازيين، حتى أنّهم هدّدوا بتنظيم مظاهرات مسلحة أمام مقرّ السفارة الإيرانية في بغداد، والقنصليتين الإيرانيتين في مدينتَي النجف وكربلاء، وحرقهما في حال تمّ تعذيبه أو إيذاؤه، وأمهلوا السلطات 24 ساعة للإفراج عنه، وإلّا سيقومون بإشعال حربٍ مفتوحة تستهدف المصالح الإيرانية، ما اضطُّر السلطات الإيرانية إلى الإفراج عنه.
المرجعيات الدينية والتوظيف الديني للقمع
يشير الباحث العراقي، علاء حميد، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّه "كي يمكن فهم وتحليل ما جرى ما بين المرجعية الشيرازية، بشخوصها وأطرافها العديدين، وعناصر السلطة والنظام في إيران، يكون من خلال العودة إلى مراجعة تاريخ العلاقة منذ بدايات الثورة؛ إذ كان المتحكم في أسس تلك العلاقة وصعودها أو انحدارها، هو مبدأ "ولاية الفقيه" الذي صاغ شكلها السياسي السيد الخميني، حين بدأ يتناولها في دروسه الدينية، التي كان يعطيها في أحد مساجد مدينة النجف، عندما لاذ فيها بعد نفيه من قبل الشاه".

حال الشيرازيين اختلف بعد الانتقال لإيران إذ كانت العلاقة مع السلطة الإيرانية مستقرة لكنّ التغيير حصل بعد ترسيخ مبدأ ولاية الفقيه

وأردف حميد؛ "التيار الشيرازي يعبّر عن نمط من المرجعيات الدينية، التي نشأت ضمن مراحل متداخلة ومعقدة، بمعنى أنّ الشروط الاجتماعية التي نشؤوا فيها كان لها دور حيوي في تكوين قناعاتهم العقائدية والأيدولوجية؛ حيث أسهمت في تبلور مرجعياتهم، فهم ظهروا نتيجة محاولة التصدي للمدّ الشيوعي في مدينة كربلاء، خلال مرحلة الستينيات من القرن الماضي، كما أنّهم وضعوا مرجعيتهم وتيارهم السياسي، المرتبط بهم ضمن قالب دينيّ شيعيّ يعتمد على التعبئة والاقتراب من الجانب الاجتماعي الشعبي، الذي كان سببه الرئيس التنافس المناطقي، الذي مرّوا به سابقاً، في ستينيات وسبعينات القرن الماضي".
وحول ميراث الخلاف مع النظام الإيراني، والانتقال من مربع التأييد إلى المعارضة والتنكيل، يوضح حميد: "حال الشيرازيين اختلف بعد الانتقال إلى إيران؛ إذ كانت العلاقة في البداية، مع السلطة الإيرانية مستقرة، لكنّ التغيير حصل بعد ترسيخ مبدأ "ولاية الفقيه"، سياسياً واجتماعياً؛ إذ طرحوا بديلاً عنه مبدأ "شورى الفقهاء"، رغم أنّ كِلا المبدأين عليه كثير من الجدل سابقاً، فكلاهما ينطلق من جانب ديني يسعى إلى تأطير شروط اجتماعية، خاصة وفق الرؤية الدينية المحددة سلفاً، ثمّ زاد الصراع بعد قيام الحرب بين العراق وإيران، ومدى شرعية هذه الحرب واستمرارها، ورفض الشيرازية لها، وكلّ هذه العوامل مجتمعة صنعت تاريخاً بين الطرفين، قائم على التنافر والحساسية، ولذلك ما يحدث هو نتيجة طبيعية لما سبق؛ حيث أضحت ولاية الفقيه مبدأً حاكماً في الدولة الإيرانية، ولديها مؤسسات وقدرات منحتها حقّ الإكراه، الذي تمارسه على مستوى السلطة وداخل المجتمع".

الصفحة الرئيسية