الشماتة بموت الآخرين آفة إخوانية

الشماتة بموت الآخرين آفة إخوانية

الشماتة بموت الآخرين آفة إخوانية


18/09/2025

 

الموت طبيعة بشرية، وحدث سيمرّ به جميع البشر صالحهم وطالحهم، وهو مناسبة للعظة والاعتبار، فهو الحقيقة الوحيدة في حياة البشر، ومع الموت يترفع الإنسان عن الخصومات ومشاعر الحقد والحسد، فاحترام حزن أهل الميت واجب مقدّس، إلا أنّ الموت عند جماعة الإخوان الإرهابية له وقع مختلف، فإذا كان الميت من خصومهم تحولت المناسبة التي تستحق التفكر والتدبر والدعاء للميت والاستغفار له، إلى مناسبة لتصفية الحسابات، والتشفي في الميت وأهله وأقاربه، واعتبار الموت دليلًا على عقاب الله له، وإذا كان من مؤيديهم تحولت المناسبة التي تستحق التدبر إلى مباراة في التأكيد على أنّه من المبشرين بالجنة، وأنّه سيلقى خصومه أمام الله، وأنّ الله معذبهم من أجله، لا لشيء، إلا لأنّه كان عضوًا في جماعة الإخوان.

أمس الأربعاء توفي اللواء حسن السوهاجي مساعد وزير الداخلية ومدير مصلحة السجون السابق، وأحد رجال الشرطة النابهين والأوفياء، مات كما يموت أيّ إنسان انتهى عمره، وحان أجله، لكنّ الجماعة الإرهابية اعتبرت موت السوهاجي مناسبة لبث الكراهية المغروسة في قلوبهم تجاه خصومهم، فلم تكتفِ لجان الإخوان الإلكترونية وأبواقها الإعلامية بمهاجمة وطعن وانتهاك حرمة موت الرجل، بل تبارت جهات الإخوان المتصارعة في إظهار الشماتة بـ  "الراحل"، فأصدر تنظيم الإخوان "المكتب العام" تيار التغيير، المحرك الأول لحركة "حسم"، بيانًا صحفيًا مخصصًا للشماته بـ "الفقيد"، ووصفته قناة "تلفزيون وطن" التابعة لجهة "محمود حسين" بالجلاد، وصفًا ينمّ عن تدنٍّ أخلاقي لا مثيل له، واتهموه بالباطل بجرائم عديدة لم يثبت عليه أيّ منها، فضلًا عن آلاف التعليقات التكفيرية، والحكم عليه بالخلود في النار.

والجدير بالذكر أنّ اللواء حسن السوهاجي كان قد نجح في تطوير منظومة السجون وتطوير المنظومة العلاجية في القطاع، بالإضافة إلي تنفيذ القانون بمعاقبة النزلاء وفق المعايير العالمية لحقوق الإنسان، إلى جانب الأنشطة المتعددة التي استحدثها داخل السجون للتطوير من مهارات النزلاء قبل خروجهم لمواجهة الحياة مرة أخرى.

والفقيد يُعدّ واحدًا من أصغر من تولوا منصب مدير الأمن على مستوى الجمهورية، إن لم يكن أصغرهم على الإطلاق، وقد أهّله لهذا المنصب مهاراته الجنائية وشخصيته القيادية المميزة التي ترجمها بوضوح خلال السنوات الماضية، وخبرته الكبيرة التي تضمنت عمله مديرًا لمباحث حلوان قبل إلغاء المحافظة وضمّها إلى القاهرة، ثم نائبًا لمدير مباحث القاهرة، وقد أسهم في القضاء على عدد كبير من البؤر الإجرامية، ثم مديرًا لأمن أسوان، وأنهى خدمته وهو مدير لأمن قنا. وحتى بعد تقاعده ظلّ يحظى بتقدير كبير من جميع من عرفوه، لما تحلّى به من أخلاق رفيعة وتواضع جم.

لكنّ الإخوان اتخذوه عدوًا، ليس لأنّه فقط رجل شرطة من طراز فريد، بل لأنّه تمكن خلال توليه منصب نائب مدير مباحث القاهرة من إلقاء القبض على العديد من قيادات الإخوان الهاربة من معسكر رابعة والنهضة، وهو ما جعله خصمًا وعدوًّا لدودًا لا تنتهي عداوته حتى بعد موته، رغم أنّه وهو مدير مصلحة السجون سمح للإخوان باستخدام هواتفهم، وسمح للعديد منهم بزيارات استثنائية في المناسبات المختلفة، ووافق على نقل العديد من السجناء إلى سجن قريب من سكن ذويهم مرعاة لظروفهم الصحية والمرضية، لكنّ كل هذا لم يشفع له عندهم. 

الجدير بالذكر أنّ شماتة الإخوان بموت الآخرين لا تقتصر على رجال الشرطة، أو رجال القوات المسلحة أو رجال القضاء، بل تمتد الشماتة إلى الفنانيين والرياضيين والكُتّاب والصحفيين وغيرهم، وعلى سبيل المثال شماتتهم بالأستاذ محمد حسنين هيكل الكاتب الكبير والقامة الصحفية المعروفة والمدونة، وشماتتهم بوائل الإبراشي الإعلامي الشهير مثبتة، وشماتتهم بوفاة ابن حسن يوسف، أو بالقضاة الذين توفوا بعد عرض قضايا الإخوان عليهم، وأصدروا أحكامًا يقتضيها القانون، كلّ هؤلاء أطلقوا عليهم عقب وفاتهم العديد من العبارات البذيئة التي تنبئ عن فرحة وشماتة مقيتة، كقولهم (نفوق، هلاك، المقبور، عدو الدين، الطاغية، الظالم، الجلّاد... إلخ).

وتصل شماتة الإخوان إلى عموم المصريين، دون اسم محدد أو موقف محدد، فقط لأنّهم مصريون، فقد سبق أن شمتوا بعموم الشعب المصري مع كل أزمة اقتصادية تمر بها البلاد ويتضرر منها البسطاء، فإذا اشتدت تلمح السعادة في وجههم، أو قالوها صريحة: "خلّي الشعب يدوق"، أو "هذا جزاء ثورتكم ضد الإخوان"، حتى أنّهم شمتوا بالمصريين عقب الهزائم الرياضية، حتى يتذوق المصريون الحزن، إلى درجة أنّهم يشمتون بالمصريين حتى بالصامتين العاجزين الذين لم يخرجوا عليهم ولم يؤيدوا خصومهم، يشمتون بهم إذا حدث لهم مكروه، زاعمين أنّ هذا عقاب الله لهم لأنّهم لم ينصروا الإخوان.

والشماتة سلوك مُتدنٍّ، ولكنّه للأسف متوغل في قلوب الإخوان التي تحمل حقدًا وكراهيةً منقطعة النظير، ومن المؤكد أنّ شماتتهم ليست المرة الأولى، وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، فالإخوان لا يرون ما يقومون به عيبًا أخلاقيًا ولا جرمًا إنسانيًا، فعيونهم لا ترى الحقيقة، لأنّهم غُرس فيهم أنّهم مبعوثو العناية الإلهية، المكلفون بمهمة دينية من الله مباشرة لهداية البشر، وبالتالي تصبح كل أفعالهم من (قتل واغتيال وحرق مؤسسات ومحولات كهرباء وغيرها ممّا لا يُعدّ ولا يحصى)، تصبح أعمالًا صالحةً يتقربون بها إلى الله، لأنّها هي مراد الله منهم وبتكليف منه، ولا يرونها أعمالًا إرهابيةً إجراميةً يعاقب عليها القانون، وبالتالي يرون أنّ كل من يعيقهم أو يمنعهم بالفعل أو بالقول، فهو عدو لله ولرسوله، وأنّ الله سينتقم منه عاجلًا أو آجلًا، وأنّ كلّ قاضٍ حكم عليهم وفق القانون والتقاضي الطبيعي، هو قاضٍ ظالم يحارب أنصار الله، لذا سينال عقوبته من قاضي السماء، وهذه العقوبة هي الموت، وفي الآخرة سيردّون إلى الله لينالوا أشد العقوبات، ربما أشد من النمرود أو كفار قريش.

جماعة الإخوان ليست فقط جماعة إرهابية يجب محاكمتها ومحاكمة تاريخها وأفكارها، بل هي في حقيقة الأمر جماعة تنشر آفات سلوكية وأخلاقية في المجتمع سيصعب علاجها، إن تركناها بدون تدخل واعٍ، ويجب على المسؤولين والمهتمين بأمراض المجتمعات الانتباه لتأثير هذه السلوكيات في قطاعات من الناشئة، حتى لا نفاجأ بأنّ الشماتة بمن يموت أصبحت سلوكًا عاديًا ومتقبلاً، ويمارسه الجميع.

 



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية