
لم يعد الألم في غزة مرتبطاً بلحظة القصف وحدها، ولا بانهيار منزل فوق رؤوس ساكنيه، بل أصبح يمتد طويلاً داخل الأجساد، مختبئاً في شظايا صغيرة استقرت في العظام والأنسجة والأعصاب، لتتحول مع مرور الوقت إلى عدو صامت ينهش ما تبقى من حياة الجرحى.
وفي أزقة المخيمات المكتظة، وفي الغرف التي تحولت إلى مراكز نزوح، يعيش آلاف المصابين بإصابات لم تلتئم، يحملون داخل أجسادهم قطعاً معدنية لا يملكون القدرة على استخراجها، في ظل انهيار المنظومة الصحية ونقص الأجهزة والأدوية والجراحات المتخصصة.
في الثاني من شباط/فبراير 2026 أعادت إسرائيل فتح الجانب الفلسطيني من المعبر الذي تحتله منذ أيار/ مايو 2024، بشكل محدود جداً وبقيود مشددة للغاية.
ومنذ ذلك التاريخ تمكن نحو 700 مريض فقط من مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج، وما يزال أكثر من 18 ألف مريض وجريح ينتظرون الإجلاء الطبي، وفق جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.
ووفقاً لوزارة الصحة بغزة مؤخراً، فإنّ 1268 حالة مرضية تُوفيت وهي تنتظر السماح لها بالسفر للعلاج في الخارج، وذلك منذ احتلال الجيش الإسرائيلي معبر رفح.
وبحسب الوزارة، فإنّ حوالي 20 ألف حالة لدى أصحابها تحويلات طبية مكتملة، وينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج، من بينهم 440حالة مصنّفة بأنّها "إنقاذ حياة"، و4500 طفل، و6 آلاف جريح، و4 آلاف مريض أورام.
معاناة تتفاقم بصمت
داخل خيمة ضيقة في مركز إيواء النور غرب مدينة غزة، يستلقي الشاب أحمد شمالي (28 عاماً)، كاشفاً عن ساقه اليمنى المتورمة بصورة لافتة، وتبدو ملامح الإرهاق والألم مرتسمة على وجهه.
وقبل عام ونصف أصيب جرّاء قصف استهدف منزل عائلته في حي الشجاعية، ونجا من الموت بأعجوبة، غير أنّه خرج من تحت الركام بجسد مثقل بالشظايا وآلام لم تهدأ منذ ذلك الحين.
وبصوت متعب يقول: "في البداية ظننت أنّ الجرح سيلتئم مع الوقت، لكنّ الألم كان يزداد يوماً بعد يوم، وكأنّ جسماً حاداً يتحرك داخل ساقي، ولم أعد أستطيع النوم، حتى المسكنات فقدت تأثيرها."
ويتوقف قليلاً قبل أن يضيف: "الأطباء أخبروني بوجود عدة شظايا قريبة من الأعصاب، وأنّ استخراجها يحتاج إلى عملية دقيقة غير متوفرة حالياً، وحذروني من أنّ أيّ خطأ قد يؤدي إلى فقداني القدرة على الحركة."
ويؤكد شمالي أنّ "معاناته لا تقتصر على الألم فحسب، بل تمتد إلى التهابات مزمنة ومضاعفات صحية متفاقمة، موضحاً: "أبلغني طبيب الأعصاب أنّ بعض الشظايا تحتوي على معادن قد تتسبب في التهابات مستمرة وتسمم تدريجي، وربما تؤدي إلى تلف دائم في الأعصاب والعضلات والمفاصل إذا لم تُستخرج في أسرع وقت."
ويحاول الشاب الوقوف مستنداً إلى الحائط، لكنّه سرعان ما يعود إلى الجلوس تحت وطأة الألم، قبل أن يقول بقلق واضح: "أنا لا أخاف من الألم فقط، بل من المستقبل أيضاً، فماذا لو بقيت هذه الشظايا سنوات داخل جسدي؟ أشعر كأنني أتحلل ببطء."
ورغم محاولاته المتكررة للحصول على تحويلة علاجية خارج قطاع غزة، لم يتمكن شمالي من ذلك حتى الآن، ويختتم حديثه قائلاً: "أخبروني بأنّ أعداد الحالات كبيرة، وأنّ السفر أصبح شبه مستحيل حالياً، ونحن هنا ننتظر فقط بلا علاج، ولا حتى وعود."
وجع تحت الركام
في إحدى زوايا مدرسة الشيخ عبد الله الدحيان الثانوية في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين في غزة، تحاول بشرى عاشور (36 عاماً)، تعديل وضعية جلوسها بصعوبة فوق فراش إسفنجي رقيق، فيما تضع يدها على جانبها الأيسر حيث تستقر عدة شظايا منذ أشهر.
ولم تعد عاشور قادرة على الحركة بصورة طبيعية، ولا النوم لساعات متواصلة، بعدما تحول جسدها إلى مساحة مفتوحة للأوجاع المزمنة.
تقول بصوت متقطع من شدة الإرهاق: "أشعر أنّ الشظايا تتحرك داخلي كلما تنفست وحاولت الوقوف، فالألم ليس ثابتاً، بل يهاجمني فجأة كأنّ الإصابة حدثت للتو."
وتستعيد تفاصيل اليوم الذي أصيبت فيه، بينما تحدق طويلاً في الأرض، وتكمل: "كنا نعيش في منزلنا بحي الزيتون، وفي ذلك اليوم كان القصف قريباً جداً، لكننا اعتدنا الأصوات، ولم نتوقع أن يأتي الدور علينا."
جسد امتلأ بالشظايا
وتتابع عاشور بصوت يرتجف تحت وطأة الصدمة: "فجأة دوى انفجار هائل هز المكان بعنف، وشعرت كأنّ الجدران تناثرت في الهواء من حولنا، بينما ابتلع الغبار كل شيء، ثم فقدت القدرة على الرؤية تماماً، وتحول المشهد إلى ظلام وفوضى وصراخ."
وتصمت قليلاً محاولة التقاط أنفاسها قبل أن تواصل: "عندما أفقت كنت تحت قطع من الإسمنت، ولم أستطع تحريك قدمي، وكنت أسمع صراخ أطفالي ولا أستطيع الرد وطلب النجدة."
وبقيت عاشور ساعات تحت الأنقاض قبل أن يتمكن الجيران من انتشالها، وتقول: "نزفت كثيراً، وكنت أشعر ببرودة شديدة، وكنت أعتقد أنني سأموت تحت الركام."
ونُقلت عاشور إلى مستشفى ميداني مزدحم بالجرحى، وهناك اكتشف الأطباء وجود شظايا متعددة في الحوض والظهر والذراع. وتوضح: "الطبيب أخبرني أنّ بعض الشظايا صغيرة جداً ومنتشرة قرب الأعصاب والأوعية الدموية، وأنّ إخراجها الآن قد يسبب شللاً جزئياً، ومنذ ذلك الوقت أعيش على المسكنات القليلة المتوفرة."
معاناة مضاعفة وسط غياب العلاج
وتضيف وهي تحاول كتم دموعها: "لم أعد أستطيع حمل ابنتي الصغيرة، حتى الأعمال البسيطة أصبحت تحتاج جهداً هائلاً، وكثيراً ما أفقد الإحساس بيدي لساعات، وفي الليل أشعر بتنميل وحرقان شديد كأنّ النار تحت جلدي."
ولا تقتصر أزمة عاشور على الألم الجسدي، بل تمتد إلى غياب العلاج والمتابعة الطبية، فالمستشفيات في غزة تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الجراحية وأجهزة التصوير، بينما تتكدس أعداد هائلة من المصابين، وتوضح: "كل مرة أذهب فيها للفحص، يخبرونني بأنّ هناك حالات أخطر، وأنّ عليّ الانتظار، والانتظار في غزة يعني أنّ الألم يكبر يوماً بعد يوم."
ولا تخفي أنّ الجانب النفسي بات أكثر قسوة من الإصابة نفسها، تقول: "بعد القصف لم أعد أحتمل أيّ صوت مرتفع، حتى عندما يسقط شيء صغير قربنا أشعر أنّ القصف عاد، فالحرب لم تنتهِ بالنسبة إلينا، وبقيت في داخلنا حتى اللحظة."
وأكثر ما يقلقها ليس الألم الحالي فقط، بل المستقبل المجهول، وتؤكد: "كنت أعمل وأعتني ببيتي وأطفالي، الآن أشعر أنني أصبحت عاجزة عن كل شيء، وأخشى أن أبقى هكذا طوال حياتي، جسد متعب وروح مرهقة."
شظايا قاتلة صامتة
يقول استشاري جراحة الأعصاب بمستشفى الأهلي أشرف الباشا: إنّ "بقاء الشظايا داخل الجسم لفترات طويلة يؤدي إلى مضاعفات خطيرة جداً، منها الالتهابات المزمنة، وتآكل العظام، وتلف الأعصاب، إضافة إلى آلام مستمرة قد ترافق المصاب مدى الحياة."
ويضيف الباشا: "بعض الشظايا تستقر قرب أوعية دموية أو أعضاء حساسة، ممّا يجعلها تهديداً دائماً لحياة المصاب، وفي ظل نقص المضادات الحيوية والمتابعة الطبية، تصبح احتمالات التسمم والإعاقات الدائمة أعلى بكثير."
ويوضح: "كثير من الإصابات التي وصلت خلال الحرب كانت أكثر تعقيداً من السابق، ولوحظ وجود أعداد كبيرة من الشظايا الدقيقة المنتشرة داخل الجسم، وبعضها يخترق عدة مناطق في الوقت نفسه."
ويكمل الباشا: "الإصابات الحالية تحدث دماراً واسعاً في الأنسجة والأعصاب، وهو ما يصعب عمليات العلاج والترميم، وهناك حالات نحتاج فيها إلى تدخلات جراحية متقدمة غير متوفرة أصلاً داخل القطاع."
ويؤكّد الطبيب الفلسطيني أنّ "هناك حالات نضطر فيها إلى ترك الشظايا داخل جسم المصاب رغم خطورتها، وذلك عندما تكون الشظايا قريبة من الدماغ والنخاع الشوكي أو الشرايين الرئيسية، لأنّ محاولة استخراجها دون تجهيزات متقدمة قد تؤدي إلى وفاة المصاب أو إصابته بالشلل."

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)