
ترجمة: محمد الدخاخني
عندما كانت إدارة باراك أوباما تتفاوض على اتفاق نووي مع إيران، سألتُ مسؤولي مجلس الأمن القومي عن سبب تبديدهم نفوذاً اقتصادياً وموارد سياسية ودبلوماسية لمنع إيران من تطوير قنبلة لا تملكها، في حين كان بالإمكان حشد هذه الموارد نفسها للضغط على طهران لوقف سلوكياتها المزعزعة للاستقرار.
على الرغم من هذا التحفظ، عندما أُعلن عن خطة العمل الشاملة المشتركة، أيدتها لثلاثة أسباب: أوّلاً، كان الاتفاق النووي تسوية تفاوضية، وهذا دائماً أفضل من الصراع. وعلى الرغم من تصريحات المتحدثين باسم البيت الأبيض بخلاف ذلك، قدّمت كاثرين أشتون، الدبلوماسية البريطانية البارزة المشاركة في المفاوضات، تأكيدات بأنّ الاتفاق ليس سوى خطوة أولى، وأنّ سلوكيات إيران ستكون الخطوة التالية على جدول الأعمال. وكان أملي أن تسود العقول الرشيدة، وأن تُفضي هذه العملية إلى اتفاق أمني إقليمي وإطار للسلام.
السبب الثاني هو الجهود الحثيثة التي يبذلها الجمهوريون لتخريب الاتفاق. كان من غير المعقول أن يدعوا زعيماً أجنبياً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لإلقاء كلمة أمام جلسة مشتركة للكونغرس لحث أعضاء الكونغرس على التصويت ضد رئيسهم. كان ذلك تدخلاً غير مقبول في السياسة الأمريكية.
أمّا السبب الثالث، "وربما الأكثر غرابة"، فكان ردّ الفعل داخل إيران على الاتفاق النووي. ففي استطلاع رأي أجريناه بعد أشهر من إعلان الاتفاق، وجدنا تغيراً ملحوظاً في الرأي العام الإيراني. كانت استطلاعاتنا السابقة قد أظهرت أنّ الإيرانيين يؤيدون إلى حد كبير إنفاق الحكومة للأموال على الحلفاء في لبنان وسوريا والعراق واليمن. ومع بوادر السلام، حَوَّل الإيرانيون أولوياتهم نحو الداخل، مع تراجع الدعم للتدخلات الخارجية. فبدلاً من توجيه الموارد إلى الخارج، أراد الإيرانيون استخدامها في الداخل لخلق فرص عمل. ورفعوا من مطالبهم بمزيد من الحريات الشخصية والحقوق السياسية.
عندما ألغى دونالد ترامب الاتفاق النووي مع إيران بعد انتخابه وبدأ يهدد النظام، أعدنا استطلاع الرأي. وجاءت النتائج عكسية. فعندما يشعر المواطنون بأنّ بلادهم مهددة، يميلون إلى أن يكونوا أقلّ انتقاداً أو إلى الالتفاف حول راية الوطن.
وفي الأعوام اللاحقة، وفي ظل استمرار مؤشرات العداء من جميع الأطراف ـالولايات المتحدة وإسرائيل وإيران- لم يُظهِر الوضع أيّ بوادر تحسُّن. وعلى الرغم من وعوده باتفاق أفضل، لم يقم ترامب سوى بتعميق العداء. ثم أُوكِلَت إلى إدارة بايدن مهمة شاقة تمثَّلت في إعادة إحياء اتفاق فاشل، وهي مهمة لم تُبدِ أيّ التزام كامل بها. ومن جانبها، استمرت إيران في سلوكها كفاعل إقليمي مُثير للمشاكل، مُواصلةً التهديدات وتعزيز قدراتها العسكرية.
وقد سعت دول الخليج العربي، التي تُركت وحدها، إلى إرساء الاستقرار في ظل احتمالية الفوضى التي اضطرت لمواجهتها. وعلى عكس إيران، التي قررت استخدام ثروتها لتصدير نفوذها وإيديولوجيتها المُعادية للغرب، اتخذت دول الخليج مساراً مختلفاً، مُركزةً على التنمية والسياحة والتجارة. وكان استمرار ازدهارها يتطلب بيئة إقليمية مستقرة.
وهكذا، وفي خضم التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أطلقت دول الخليج مبادرات دبلوماسية واقتصادية تجاه إيران، أملاً في بيئة أكثر أماناً. بل إنّهم تمنوا أن يدفع بريق الرخاء والأمن المشتركين الإيرانيين للانضمام إليهم في السعي نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، وأن يقنعوا الإسرائيليين بمعالجة جرح التهجير والاحتلال الفلسطيني المزمن، ممّا يهيئ الظروف للسلام الإقليمي، لكن لم يحالفهم الحظ.
أرادت إسرائيل المكاسب الاقتصادية للسلام الإقليمي، لكنّها لم تكن مستعدة للقيام بدورها. فكثَّفت احتلالها وقمعها وخنقها للفلسطينيين. ثم جاء السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وانفجرت المنطقة. وفي غضون فترة وجيزة، وبينما كانت إسرائيل تشن حرب إبادة في غزة، انخرط حليف إيران في لبنان في مواجهة مصيرية ومكلفة مع إسرائيل في الشمال، وهو خطأ فادح ذو عواقب وخيمة. وشنّ الإسرائيليون حملة قصف دامية، أسفرت عن مقتل آلاف اللبنانيين، بمن فيهم زعيم حزب الله. وبعد أشهر هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران وقتلتا مرشدها الأعلى. وردَّت إيران بإطلاق النار، ممّا أشعل فتيل مواجهة أوسع.
أسفرت المفاوضات عمّا سُمِّي بوقف إطلاق النار، إلا أنّ حصيلة القتلى الفلسطينيين واللبنانيين استمرت في الارتفاع. وعندما قرر ترامب، بتحريض من إسرائيل والمحافظين الجدد الجمهوريين، "إنهاء المهمة" بهزيمة النظام الإيراني، اتخذ الصراع منحىً جديداً. كثَّفت إيران هجماتها على دول الخليج المجاورة التي تضم قواعد أمريكية، وأغلقت مضيق هرمز، قاطعةً بذلك 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية، ومؤثرةً سلباً على اقتصادات منطقة الخليج.
ويكفي الاطلاع على بعض الصحف الإسرائيلية والعربية والأمريكية لإثارة الاستياء الشديد. فما يزال بعض المعلقين الإسرائيليين من اليمين المتطرف -وأتباعهم من المحافظين الجدد الأمريكيين- مقتنعين بأنّ كل ما هو مطلوب هو حملة قصف ضخمة أخرى، مصحوبة ببضع "اغتيالات مُستهدفة" إضافية، كأنّ هذه التكتيكات، التي استخدمتها إسرائيل مراراً، ستكون أكثر نجاحاً ممّا كانت عليه في الماضي.
في الوقت نفسه، يُشيد كُتَّاب الرأي العرب المتشددون بـ "براعة" التكتيكات الإيرانية. ومن الصعب تصور كيف يمكن اعتبار إثارة عداوة الجيران وتعريض مستقبلهم الاقتصادي ومستقبل المنطقة للخطر إلا تهوراً.
أمّا الإعلام الأمريكي فهو أكثر إثارة للحيرة، إذ يبدو أنّه مدمن على متابعة سيل التغريدات المتضاربة والمربكة الصادرة عن الرئيس من دون تمحيص.
وهكذا، وبعد عقد من الاتفاق النووي، بات الشرق الأوسط في وضع أكثر هشاشة من أيّ وقت مضى. وعلى الرغم من أنّ الوضع أكثر تعقيداً بكثير ممّا كان عليه قبل عقد، وأنّ العداوة بين جميع الأطراف أصبحت أعمق بكثير، فإنّ السبيل الأمثل للمضي قُدماً هو إدراك أنّ النهج الجزئي المتبع في التعامل مع المنطقة لم يُسفر إلا عن زيادة عدم استقرارها.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8_1.jpg.webp?itok=g550to_n)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B17_0.jpg.webp?itok=_NEWjZUr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/690a210f4236040ae8401d45.jpg.webp?itok=Qi1vrHID)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/untitled-design-%288%29-xvB2M1.png.webp?itok=NCHUSu9t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_1_1_3_1_1_1_0_2_0_0_2_0_0_3_3.jpg.webp?itok=ljJYbzw3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/20211025075728reup-2021-10-25t075412z_1321030761_rc2vgq9nn0v4_rtrmadp_3_sudan-politics-scaled-730x438.jpeg.webp?itok=Q1KKeuBe)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_0.jpg.webp?itok=v2TFnTqk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_13_0_0.jpg.webp?itok=Z77FcuxM)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_102_0_1.jpg.webp?itok=0khZilrZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1.jpeg.webp?itok=NWckZXvy)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/00_70_0_0.jpg.webp?itok=l2E0VzN5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/f5293688-9864-4ce0-b5fd-1b2017e77ac2_0.png.webp?itok=DHNzQ9OE)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%86_22_12_0.jpg.webp?itok=1Hy2d7Fm)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D9%86%D9%88%D8%B4%D9%8A_21_0_1_0_1.jpg.webp?itok=q7N1wZUW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/329b82cb8109e77c619ec868801bf4ea.jpg.webp?itok=AJgYhHv4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9%20%D9%82%D8%AF%20%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AA%20%D8%B9%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%20%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82%D8%A9_0_1_0_0_0_0_0_0_1_0_0_0_0_1_0_0.jpg.webp?itok=8SLd47GI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA_3_2_2_1.jpg.webp?itok=lILRfShi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)