السودان.. نموذج لثورات "الربيع العربي" وخيارات الحكم بين الجيش أو الإسلام السياسي

السودان.. نموذج لثورات "الربيع العربي" وخيارات الحكم بين الجيش أو الإسلام السياسي


11/01/2022

شكّلت الصيغة التي تمّ التوافق عليها بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير، وهي صيغة "مجلس الحكم" بين القوى المدنية والعسكرية، خياراً "وسطياً" مقبولاً وربّما عقلانياً، رغم رفض بعض القوى التي تستعجل قطف ثمار الثورة بالتغيير الشامل وبمفاهيم ومرجعيات إقصائية لكلّ ما ينتمي للنظام "السابق"، وهو ما ثبت عدم القدرة على تحقيقه في تونس والجزائر، ولا حتى في مصر، رغم اختلاف مآلات الثورات بين بلد وآخر، وكانت الصيغة "الإقصائية" الأكثر سوءاً تلك التي تمّ تطبيقها في العراق، والتي ركّزت على "إعدام" وشيطنة كل ما يمتّ للنظام السابق، وأثبتت أنّ العراق قد ذهب إلى أسوأ ممّا كان عليه.

تطورات المشهد في السودان تعكس التنازع بين العسكر والمدنيين، ورغبة العسكر باستمرار الهيمنة عبر "انقلاب 25/10/2021"، الذي كان يستهدف تعطيل الصيغة التوافقية المعبّر عنها بالوثيقة الدستورية، وقد فشل اتفاق "حمدوك- البرهان" لاحقاً على العودة إلى الوثيقة الدستورية والاستمرار بالإصلاح السياسي، بعد رفض الأحزاب السياسية والنقابات المهنية للاتفاق، وبالتزامن تواصلت المظاهرات والصدامات وسقوط القتلى، وتمّ توجيه اتهامات لحمدوك بالخيانة، ومع استمرار الرفض الشعبي والحزبي اضطرّ حمدوك للاستقالة.

هناك قوى مدنية متضررة من بينها الإخوان المسلمون، الذين فقدوا مكاسب تحالفهم مع نظام البشير

محددات الأزمة السودانية منذ الإطاحة بنظام البشير لم تتغير على صعيد الأطراف الفاعلة فيها، وتحديداً الجيش الذي ما زالت قيادته تبني سياساتها وتدير الأزمة بمرجعية أن لا سلطة تعلو على سلطة الجيش، مدعوماً بقوى إقليمية عربية ودولية، لا سيّما بعد إبرام الجيش اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، تغيّرت بعدها الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية تجاه السودان، بما فيها رفع السودان عن قائمة الدول الإرهابية، وتقديم مساعدات مالية وإلغاء بعض ديونه، وبالمقابل هناك قوى مدنية متضررة من بينها الإخوان المسلمون، الذين فقدوا مكاسب تحالفهم مع نظام البشير، وما بين الفريقين قوى قومية بعثية وناصرية ويسارية لم يكن أمامها إلّا القبول بالصيغة الجديدة، والمناورة من داخلها لتحقيق مكاسب في ظلّ الأوضاع الجديدة.

إقرأ أيضاً: استقالة حمدوك تضرب الديمقراطية في السودان... ومستقبل غامض ينتظر البلاد

 بيد أنّ استقالة حمدوك عادت لخلط الأوراق، بعودة المظاهرات والاعتصامات مجدداً إلى الشارع السوداني، واستخدام الجيش وقوى الأمن لمزيد من القوة في مواجهة المتظاهرين، وهو ما يؤكد استمرار الأزمة وانسداد الأفق بالآمال بحلٍّ سياسي بين القوى السياسية السودانية، في "تمترس" الجيش وإصراره على التمسك بالسلطة وصناعة "ديكور" مدني يظهر مقاربة تقاسم السلطة في السودان، وهو ما دفع بقوى سياسية لرفع المطالبة بأن تكون الحكومة الجديدة مدنية بالكامل والتحوّل إلى نظام حكم مدني.

وفي خضم مخاوف جدّية من انزلاق السودان نحو الفوضى، أطلقت الأمم المتحدة مبادرة مشاورات لعملية سياسية بين الأطراف السودانية تحت إشراف الأمم المتحدة، تتضمّن دعوة كافة أصحاب المصلحة الرئيسيين من المدنيين والعسكريين، بما في ذلك الحركات المسلحة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمجموعات النسائية ولجان المقاومة، للمشاركة في العملية، دون تحديد موعد أو مكان لعقدها.

لا يستبعد نجاح الجيش في اختيار شخصية مدنية من قوى المعارضة، تسهم في انشقاق الشارع السوداني، خاصة أنّ قوى مدنية لديها استعداد للتعاون معه والقبول بصيغة الحكم المشتركة

ورغم أنّ التاريخ لا يقف إلى جانب الأمم المتحدة في جهود حلّ النزاعات، حيث لم تحقق نجاحات تُذكر في كثير من الدول العربية، "سوريا واليمن وليبيا...إلخ"، إلّا أنّ مبادرة الأمم المتحدة قوبلت بمباركة أمريكية وأوروبية، وجاءت ردود الفعل الأوّلية عليها من أوساط سودانية معنية، ما بين تأكيد على الموافقة على المبادرة، والإعلان عن انتظار ما سيتمّ طرحه لاحقاً، وتحديداً قوى الحرّية والتغيير، والمؤتمر الشعبي، وأعلن الحزب الشيوعي رفضه للمبادرة الأممية، مؤكداً أن لا حوار مع الانقلابيين.

إقرأ أيضاً: ما أسباب تلويح رئيس الوزراء السوداني بالاستقالة؟

الأزمة السودانية، وفي ظلّ خضوعها لتجاذبات إقليمية ودولية تدعم طرفي الصراع "الجيش والقوى المدنية"، مرشحة لمزيد من التصعيد، خاصّة أنّ مبادرة الأمم المتحدة الجديدة تعترف بالعسكر بوصفهم طرفاً رئيساً في المفاوضات مقابل مجاميع القوى المدنية، وهو ما ترفضه بعض القوى، التي ترى أنّها تستند لعاملين رئيسين لإقصاء العسكر؛ الأوّل: أنّ الضغوطات الدولية على الجيش لتسليم السلطة إلى المدنيين والتهديد بعقوبات اقتصادية وتعليق المساعدات للسودان ستتواصل، على غرار ما فعلته أمريكا ودول أوروبية بعد الانقلاب واعتقال حمدوك، والثاني: أنّ فرصتها الحالية أقوى في ظلّ رفع الغطاء الذي كان يقدّمه حمدوك للجيش أمام القوى السودانية والدولية، بالإضافة إلى صعوبة التوافق على شخصية بمواصفات حمدوك من حيث القبول والثقة سودانياً ودولياً.

ومع ذلك، يبقى احتمال نجاح الجيش بتحقيق اختراق في القوى المدنية قائماً، إذ لا يستبعد نجاحه في اختيار شخصية مدنية من قوى المعارضة، تسهم في انشقاق الشارع السوداني، خاصة أنّ قوى مدنية لديها استعداد للتعاون مع الجيش، والقبول بصيغة الحكم المشتركة بين المدنيين والعسكر، وتسويق ذلك بأنّه مرتبط فقط بمرحلة انتقالية تمهيداً لحكم مدني كامل.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية