السمان والخريف: نجيب محفوظ ورحلة البحث عن الذات

السمان والخريف: نجيب محفوظ ورحلة البحث عن الذات

مشاهدة

19/10/2021

زياد عادل

عندما أريد أن أبحث عن الحقائق الأولى في حياة أي بلد، وعن القواعد السياسية القادرة على تفسير توجهاته، فإنني لا أعتمد كتب التاريخ المؤلفة ولا المذكرات السياسية الضافية، وإنما أتوجه مباشرة إلى الأدب أسمع من الشاعر والقصَاص والروائي أولاً، وبعد ذلك يجيء الدور على المؤرخ والسياسي والدبلوماسي. (ثابت العريس)

ربما يكون نجيب محفوظ أحد أكثر الأدباء الذين يمكن للمفكر السوري ثابت العريس أن يطبق مقولته هذه على أدبهم، فأبرز ما يميز أدب نجيب محفوظ، فضلاً عن أنه مغرق في الواقعية، هو أنه يمكن اعتباره توثيقًا وتأريخًا شعبيًا قائمًا بذاته.

فالتاريخ في الأدب المحفوظي يُحكى من منظور شخصيات شعبية، رواياته تسبر أغوارًا وتنفذ إلى أعماق شخوصه الأدبية في سياقها التاريخي والاجتماعي، وفي ذلك السياق يعرض قضايا اجتماعية معاصرة وأزمات وجودية تؤرق بني البشر منذ قديم الأزل، فلا تقف عند حدود المحلية ولكنها تتجاوزها إلى العالمية، وفي الخلفية تقع الأحداث الجلل أو نلحظها بشكل عابر في حوارات شخصياته.

من يتتبع المسيرة الأدبية الحافلة لمحفوظ منذ البداية لن يخفى عليه أن الرجل مهموم بالتاريخ وحكاياته، مثله مثل كثير من أبناء جيله الذين تأثروا في طفولتهم بالسير الشعبية التي كانت تروى عادة مع عزف الربابة في المقاهي الشعبية، فبعد البداية برواياته الأولى رادوبيس وكفاح طيبة وعبث الأقدار التي تجوب داخل مصر الفرعونية، سرعان ما انتقل -كابن لثورة 1919 لحمًا ودمًا- إلى الواقع المعاش بما فيه من مشاكل وقضايا عصفت بالمجتمع في النصف الأول من القرن العشرين.

إقرأ أيضاً: أسامة عثمان: الاعتقال أنقذني من محاولة اغتيال نجيب محفوظ(3)

ففي القاهرة الجديدة رصد انتفاضة الشعب في 1935 وبزوغ التيارات الاشتراكية والدينية في الأربعينيات، ثورة 1919 وكفاح سعد زغلول والشعب من ورائه في بين القصرين، انقسام الشعب ما بين حزب الوفد الذي مثل الغالبية العظمى من الشعب بطبقته الوسطى، والأحرار الدستوريين بطبقته الأرستقراطية في قصر الشوق، صراع الأجيال في السكرية.

بعد قيام ثورة 23 يوليو، انتابت محفوظ فترة صمت توقف فيها عن الكتابة قرابة الخمس سنوات، حيث كان في اعتقاده أن الثورة قد أتت بالمبادئ والقيم التي طالما ناشدها في رواياته، فلا حاجة للأدب، ولكن في نهاية الخمسينيات وجد المناخ مهيأً للعودة مرة أخرى فحرك المياه الراكدة وكتب أولاد حارتنا، ثم تبعها باللص والكلاب، وأخيرًا السمان والخريف التي تحولت إلى عمل سينمائي يحمل نفس الاسم والذي نحن بصدد مناقشته فيما تبقى من هذا المقال.

خلفية تاريخية

في العام السابق لقيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو، كانت البلاد تمر بحالة غليان متصاعدة، مصطفى النحاس يلقي بيانًا معلنًا فيه إلغاء معاهدة 1936، القرار الذي استقبله المصريون بالحماس والتهليل، وبدأت على إثره المقاومة الشعبية والعمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال في منطقة القنال، وفي أعقاب ذلك تنشب موقعة الإسماعيلية التي أخرجت الشعب من صمته إلى شوارع القاهرة احتجاجًا على وحشية الاحتلال، وفي خضم هذه الاحتجاجات نشب الحريق في محال تجارية وفنادق ودور سينما في أماكن مختلفة من العاصمة فيما عرف بحريق القاهرة.

كل هذا الزخم من الأحداث جعل الضباط الأحرار يعجلون بالقيام بحركتهم، فاستيقظ الجميع صبيحة يوم 23 يوليو على بيان الثورة التي جاءت حاملة معها المبادئ والأهداف التي وجد فيها الشعب أخيرًا ضالته، مودعة عهدًا قديمًا برموزه وأحزابه بل بملكه.

تدور رواية السمان والخريف التي نشرت أوائل الستينيات، وتحولت إلى فيلم سينمائي من إخراج حسام الدين مصطفى 1967 عن «عيسى الدباغ» أحد المسؤولين الكبار في حزب الوفد والذي يفقد منصبه بعد حركة التطهير التي قامت بها الثورة، ورحلة الخروج من الهاوية التي يسقط فيها عيسى بفعل المتغيرات التاريخية و«وثبة التاريخ» التي تجعل عيسى وحزبه طي النسيان.

إقرأ أيضاً: أميمة الخميس ترتحل بسردها عبر المدن الكبرى فتنال جائزة نجيب محفوظ

منذ الفصول الأولى للرواية والفيلم نتعرف على الملامح الأخلاقية الأساسية عند البطل عيسى الدباغ/محمود مرسي، فالرواية تبدأ بحريق القاهرة أثناء عودته من مدن القنال بعد مذبحة الإسماعيلية التي تم الاشتباك فيها مع قوات الاحتلال الإنجليزي، ولكن الفيلم يعرفنا على عيسى الدباغ بوجهيه، وجه المناضل الوطني المخلص لبلده الذي يناضل تحت لواء حزب الوفد، الحزب الأكثر شعبية اَنذاك، فنرى في البداية مشهد لقائه مع بعض الفدائيين في إطار الكفاح الشعبي ضد الاحتلال الإنجليزي، والوجه الآخر وجه المرتشي الذي يتقاضى الهدايا من الإقطاعيين والأعيان لتسهيلات شخصية لهم في الانتخابات.

صبيحة يوم 23 يوليو 1952، يستيقظ عيسى على بيان الثورة التي حلت الأحزاب وقامت بإجراءات التطهير في كثير من المراكز، فتتم إحالة عيسى على المعاش ويبقى عاطلاً.

من هنا تتحدد أزمة عيسى، فهو متشبث بأمجاد شخصية له ولحزبه وسط مجتمع ونظام جديد آخذ في الصعود والتطور بطريق ومنهج مختلف ليس له دور يذكر فيه، حتى خطيبته التي كان ارتباطه بها واجهة اجتماعية جيدة بحكم منصب أبيها هجرته، فتلاشى السحر كليًا من حوله.

إذن أزمة عيسى لا تكمن في إحالته على المعاش، فهو يرفض حتى العمل الذي يعرضه عليه ابن عمه أحد أقطاب الثورة، بل أزمته الحقيقية تتمثل في هويته وسط المجتمع الذي يتغير تدريجيًا من حوله. الصراع النفسي عند «عيسى» لم ينشأ من مجرد سلبه منصبه بقدر ما هو عدم القدرة على تجاوز الماضي الذي كان مجده فيه، إلى الواقع الذي أصبح فيه مهمشًا، وإن كان الواقع الجديد قد أنجز أشياء كان يحلم بها يومًا ما، ففي الرواية يستمع إلى أنباء الجلاء بقلب يثب من شدة الفرح وفي نفس الوقت تشوبه غصة لأنه كان يتمنى أن يتم ذلك الإنجاز على يد حزبه.

في أحد مشاهد الفيلم نرى عيسى وهو يهيم على وجهه فيقف قبالة تمثال سعد زغلول، الأب الروحي لأعضاء حزب الوفد، يلقي عليه نظرة وكأنه يرثي ماضيه والزمن المنقضي.

فتتحول أزمة عيسى من صراع بين لحظتين تاريخيتين إلى أزمة وجودية تدخله في ظلمات اللا معنى.

من عيسى الدباغ إلى سليم البدري

عند الحديث عن السمان والخريف وأزمة عيسى الدباغ ربما يجدر بنا الإشارة إلى شخصية سليم البدري/يحيى الفخراني أحد أبطال ليالي الحلمية درة أعمال عراب الدراما المصرية أسامة أنور عكاشة. يمكن اعتبار أن الشخصيتين تمثلان موتيفة ضحية التاريخ بامتياز، فكلاهما بشكل أو بآخر قد تأثرا بحراك وتغير سياسي طرأ على حين غرة.

في ليالي الحلمية رصد أسامة أنور عكاشة الصراع النفسي والأزمة التي حاقت من كل جانب بالطبقة الأرستقراطية وأصحاب الجاه في العهد الملكي، متمثلة في سليم البدري وأبناء طبقته، فبعد سنين من تركز المال والأملاك و «الباشوية» التي أغدقها عليه الملك، والمصنع الذي ورثه عن أبيه وعمل تحت إمرته كثير من العمال، ذهب كل ذلك هباء واستحال ماضيًا بعد قيام الثورة والمبادئ الاشتراكية التي أتت بها وحركة تأميم المصانع، كل ذلك أدخله في حالة اغتراب عن المجتمع وجعله مهمشًا لا دور له ولا جاه.

إقرأ أيضاً: القاضي الأديب أشرف العشماوي: نجيب محفوظ أهدى رواياته لمن حاولوا قتله

وبسبب الشعور بالتيه والاغتراب عن الذات والمجتمع، راح كل منهما يبحث عن أرض أخرى لعله يجد فيها الخلاص والمعنى لحياته، فسافر سليم إلى فرنسا بلد الفن والأضواء وهام عيسى على وجهه في الإسكندرية ورأس البر متسكعًا بين الملاهي الليلية وجلسات القمار مع أصدقائه.

هكذا تشارك عيسى الدباغ مع سليم البدري في أن كليهما كانا ضحيتين للحظة تاريخية، أدخلتهما في أزمة وجودية مع نفسيهما والمجتمع من حولهما، وكأن أسامة أنور عكاشة شارك نجيب محفوظ نفس هواجسه بعد ما يزيد عن عقدين من الزمان، أو على حد تعبير أحد أصدقائي أن الاثنين هما أكثر من تناولا الهوية المصرية في أعمالهما.

البحث عن معنى

استمرت محاولات عيسى في البحث عن معنى عبثًا إلى أن جاء العدوان الثلاثي، الحدث الذي كان الاختبار الأول لثورة يوليو، وفي أوجه جاءت المحاولة الأولى لعيسى للخروج من حالة الاغتراب التي يشعر بها عن ذاته والمجتمع من حوله، من هنا يبدأ عيسى في جمع شتاته، فهذا الحدث قد استعاد فيه عيسى شخصه القديم ونفض الغبار عن وطنيته المدفونة تحت حطام شخصه المحبط، وغلب شطره الوطني على شطره الآخر الذي يشعر في قرارة نفسه بهزيمة شخصية.

في أحد مشاهد الفيلم وبعد عرض ما يشبه اللقطات الأرشيفية نستمع فيها إلى خطاب جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، يبتهج عيسى بقرار التأميم إلى حد لم يستطع معه كبح ثورته على أصدقائه عندما يعربون عن استنكارهم للقرار، صارخًا في أحدهم أن «العالم كله بيتغير» وربما احتوت تلك المجادلة الحامية على اعتراف ضمني منه بأنه أخيرًا، وللمرة الأولى، قد تجاوز الماضي وانصهر في الواقع ناسيًا أو متناسيًا هزيمته الشخصية.

فعلى خلاف (إبراهيم خيرت) الصحفي الذي يغير جلده حسب متطلبات النظام الجديد، الذي يكتب مقالات يدعو فيها الله أن يبارك الثورة، وهو نفسه لم يتورع في الإفصاح، بينه وبين أصدقائه، عن تمنيه بهزيمة الثورة وانتصار العدو لكي تستعيد الأحزاب ورجالها السيطرة على زمام الأمور مرة أخرى، يقف عيسى الدباغ وحيدًا ثائرًا أمام أحد الإقطاعيين القدامى بعد أن يخبره الأخير بنيته في التفاوض مع المسئولين بشأن إقناعهم بالتسليم، لأنه وحسب فلسفة عيسى «الموت أهون من الرجوع إلى الوراء، ولئن نبقى بلا دور في بلد له دور خير من أن يكون لنا دور في بلد لا دور له».

لم يدع نجيب محفوظ بطله تائهًا في معاناة سرمدية، فبعد قرار التأميم والعدوان الثلاثي الذي حاول فيه عيسى ترميم روحه المحطمة، كانت الفرصة الثانية لعيسى للخروج من أزمته حين اكتشف أن لديه ابنة، هنا تنتهي أزمة عيسى ورحلته المضنية في بحثه عن المعنى المفقود، فهذه الفتاة الصغيرة التي جسدت مستقبلاً وحياة ذات معنى أولى لعيسى أن يستمر في العيش من أجلها، حملت معها بوابة الخروج لعيسى من ماضيه وأزمته.

هكذا أنهى نجيب محفوظ روايته، عيسى يهيم على وجهه وينتهي به المطاف إلى الجلوس أسفل تمثال سعد زغلول لعله يجد بعض العزاء، يظهر له من العدم أحد المناضلين الذي كان على معرفة عابرة به في زمن بعيد، وهو يحاول انتزاعه من وحدته. لكن ربما أراد حسام الدين مصطفى أن يضفي بعض الارتياح لرحلة عيسى التي فقد فيها كل اتجاه، فتعود له ريري رفقة ابنته، ينتهي الفيلم بكادر يتوسطه عيسى محتضنًا ابنته وريري، وعلى شماله الفدائي القديم الذي يمثل ذكرى من ماضيه، تبعث على الفخر.

السمان والخريف بالرغم أن له طابعًا سياسيًا بالأساس، فإنه لا يدين أو يمجد لحظة تاريخية بعينها، بقدر محاولته لرصد أزمة شخص امتلك كل شيء، وبين ليلة وضحاها فقد كل شيء، رحلة صعود شخص بعد أن سقط في شرك اللا معنى، كسقوط طائر السمان في شبكة صيّاده، في فصل الخريف.

عن موقع "إضاءات"

الصفحة الرئيسية