السعودية تقلب صفحة "الغفوة الإسلامية"

1513
عدد القراءات

2017-11-04

يسمّي بعض السعوديين فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بـ"الغفوة الإسلامية" بدلاً من تعبير"الصحوة" الذي تطلقه التيارات الإسلاموية عليها. ويذهب محللون إلى أنّ تَمكّن دولة الإمارات العربية المتحدة من كبح جماح "التيار الصحوي" على أرضها، وخصوصاً منذ منتصف التسعينيات، كان رافداً محورياً في انتعاش التجربة التنموية الإماراتية ونهضتها التحديثية، فيما شدّ "تيارُ الصحوة" إلى الوراء كلاً من السعودية والكويت. وحين نتذكر أنه في عام 1978 جرى الحديث عن نظام للانتخابات البلدية في السعودية، نتفهم حديث القيادة الشابة في السعودية اليوم عن أهمية العودة إلى ما قبل 1979.
لقد تشكّل التدين والوعي السعودي في تياره الأعرض بعيداً عن التشدد والتطرف حتى جاءت أربعة أحداث رئيسية فغيّرت وجه هذا التدين والوعي، فانتقل من وعي يتجه بتدرج نحو "التوازن" واجتراح الإصلاحات، إلى "وعي هويِّاتي" ينحو باتجاه تضييق الواسع بتديين الوجود وتقليص مساحة الحرية. كانت الأحداث الأربعة هي: الصراع بين الجمهوريين والملكيين، أي بين الزعيم المصري جمال عبد الناصر، الذي رفع لواء القومية العربية، وبين الملك فيصل بن عبد العزيز الذي رفع الراية الإسلامية لصد المدّ القومي عن بلاده، ومن هنا احتضانه قيادات "الإخوان المسلمين" الهاربة من نظام عبد الناصر. ولم يدُرْ ببال الملك فيصل أنّ هذه الواقعة ستكون حدثاً تأسيسياً للتشدد الديني في بلاده؛ فقد نفذ "الإخوان" إلى حقل التعليم والخطب والمحاضرات والمجال الديني والثقافي، وتخلّق من هذه البيئة تيار أكثر تشدداً وهو "الجماعة السلفية المحتسبة". وقد خرج، كما بات معروفاً، عن هذا التيار مجموعة جهيمان العتيبي التي اقتحمت المسجد الحرام في الحادثة الشهيرة عام 1979. وكان اندلاع الثورة الإيرانية في العام ذاته هو الحدث التأسيسي الثالث الذي غيّر ملامح التدين السعودي لنحو أربعة عقود، وهو ما تكرّس مع واقعة رابعة هي غزو الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، وتأصُّل العمل المسلح لدى الجماعات الإسلامية، في ظل حسابات إقليمية ودولية مواتية.

المثير أنّ التحديث الاجتماعي والديني في السعودية اليوم يعني العودة إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في المملكة

لم تكن السعودية قبل هذه الأحداث الأربعة بلداً ليبرالياً بالطبع، لكنها لم تكن أيضاً كما أصبحت بعدها. وكأيّ تأخرٍ، فإن حجب المرأة والتضييق على حقوقها وتأثيم الفنون والترفيه، ستكون الضحية.
قبل هذه الأحداث كانت السعودية، برغم خصوصيتها الدينية، نظراً لوجود الحرمين الشريفين فيها، دولة عادية مثل باقي الدول العربية تقريباً، حيث كان يتصالح التدين مع الانفتاح وحب الحياة وعدم الشك في الآخرين، وعدم التورّط في فوبيا فتنة المرأة. وقد كان الملك فيصل شديد الحزم في تطبيق قراره تعليم البنات (1964) وفي إدخاله التلفاز إلى حياة السعوديين، ولولا الأحداث الأربعة لكان مأمولاً أن تأخذ الإصلاحات، التي ارتكست، منحنى تصاعدياً. وقد قام العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز باجتراح خطوات نوعية في مجال الانتخابات وتمكين المرأة وتوسيع الحريات الاجتماعية، لكنها ظلت بحاجة إلى قوة دفع أقوى.
اليوم قررت السعودية "تجاوز التاريخ العبء"، ومحاولة قلب صفحة "الغفوة الإسلامية"، وأنْ تعود إلى طبيعتها التي كانت عليها قبل 1979، أي قبل سيطرة التيار الصحوي والسلفي المتشدد على المجال الديني والتعليمي والثقافي في المملكة. ولا شكّ في أنّ ثمة تحديات تواجه هذا المسعى، وقد ألمح باتريك بويان، الرئيس التنفيذي لتوتال إلى هذا الجانب بقوله في الثاني من الشهر الجاري إنه في حين أنّ معظم الشبان السعوديين، الذين يُشكلون نحو 70 بالمئة من إجمالي السكان في السعودية، يؤيدون الإصلاحات إلا أنّ الجيل الأكبر سناً ربما يُحجم عن قبول مثل هذه التغييرات.

قدّمت بدرية البشر في روايتها "غراميات شارع الأعشى" صورة مهمة عن السعوديين المحبين للموسيقى والغناء والرقص

والمثير للنظر أنّ التحديث الاجتماعي والديني في السعودية اليوم يعني العودة إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في السعودية، وقد قدّمت بدرية البشر في روايتها "غراميات شارع الأعشى" صورة مهمة عن فترة نهاية السبعينيات، حيث كان الناس متدينين ومتسامحين ويحبون الموسيقى والغناء والرقص وجلسات السمر، رجالاً ونساء، ثم بدأ يغزوهم التشدد والتفكير الذكوري والمنع والشك والتحريم، فكان النكوص إلى الوراء والتطرف، والتكسّب باسم الدين، وها نحن نشهد دعوة من القيادة السعودية لوقف ذلك، وثمة مؤشرات إلى أن المجتمع السعودي، مهيأٌ لهذه الانتقالة، أوالعودة إلى الإسلام المنفتح قبل أن تخنقه "الأحداث الأربعة"، وهي انتقالة، إذا ما جرى التخطيط لها بعناية ومهارة سترسم تضاريس "الدولة السعودية الرابعة" وتترك مفاعليها القوية على عموم المنطقة.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: