الرفاق الخليجيون على خطوط التماس دعماً للثورة الفلسطينية

فلسطين

الرفاق الخليجيون على خطوط التماس دعماً للثورة الفلسطينية

مشاهدة

09/12/2019

حين وقف الفدائي والأكاديمي لاحقاً، شفيق الغبرا، قبالة القائدين خليل الوزير وسعد صايل، لغايات الانتظام في دورة ضباط في كلية فتح العسكرية، فوجئ بالوزير (أبو جهاد)، يسأله، بعد معرفته خلفيّته العائلية ودراسته في جامعة جورج تاون: "أحيّيك على روحك، لكن هل تعلم كيف ستكون هذه الحياة بالنسبة إليك؟".

اقرأ أيضاً: عالمية النضال.. يابانيون في الثورة الفلسطينية
حينها، عاجله الغبرا بإجابة: "هذا ما أسعى إليه، وكما تحمّلتم أنتم بإمكاني أن أتحمّل"، الإجابة ذاتها لن يتغيّر فحواها أمام الأمير الراحل، صباح السالم الصباح، الذي كان يحاول ثني الغبرا الابن عن خطوته؛ لئلا يشغل بال الغبرا الأب الذي كان طبيب الأمير، والذي كان يهجس بسلامة بكره.

شفيق الغبرا

سيحملك هذا السرد المترع بالشجن في كتاب "حياة غير آمنة" نحو مواضع كثيرة، أبرزها مَشاهد تعايَش فيها الغبرا مع شظف عيش الفدائيين، وهو ابن العائلة المترفة التي لم تدّخر جهداً في إلحاقه بأرفع المؤسسات التعليمية، بين الكويت ولبنان وبريطانيا وأمريكا، ومَشاهد كان يطلّ فيها، خلال ليالي الكرّ والفرّ، على فلسطين، من وراء السياج، ليذكر مدينة والده حيفا، ومدينة أمه طبريا، ولن يتمالك القارئ السيطرة على دموعه في نهاية السرد، حين يقرّر الغبرا، لأسباب نضالية وفكرية، العودة للكويت بعد أعوام من النضال، وكيف هبّت على قلبه أولى موجات الشوق وهو ما يزال على ظهر الطائرة العائدة به من بيروت، وكيف سيبقى عُمراً طويلاً يسمع صوت رفاقه وأحاديثهم وقعقعة سلاحهم، ويرى أمام عينيه، حيثما ولّى، دماء من استشهد منهم وأصيب.

 

 

ولعلّ الأمر الآخر الذي يقود إليه الغبرا، الذي صار لاحقاً أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة الكويت، ومنافحاً عن القضية الفلسطينية في المحافل العالمية، هو الشخصيات الخليجية التي خلعت عنها عباءة الترف في لحظة ما، وهرعت نحو قواعد الفدائيين الفلسطينيين؛ لتسهم في العمل العسكري، وعلى رأس هؤلاء؛ الشيخ فهد الأحمد الصباح، الذي ارتدى "فوتيك" الفدائيين، وانتظم في الصفوف الأولى وكان على خط التماس مع العدو الإسرائيلي، ليُصاب في ساقه، ولتبقى القيادة الفلسطينية التي خلعت عليه لقب "أبو الفهود" قلقة عليه على الدوام، لحساسية مكانته السياسية، محاولة إقناعه بالاكتفاء بالتوجيهات والإشراف، ليرفض ويبقى، حتى استشهاده عند غزو الكويت، ممسكاً بنواجذه بالثورة الفلسطينية.

الدكتور أحمد الخطيب

ولئن كان الغبرا، بأصوله الفلسطينية، لم ينسَ يوماً بلاده التي لم يرَ النور فيها، بل في الكويت، التي حمل جنسيتها ومثّلها دبلوماسياً في أمريكا؛ فإنّ شخصيات خليجية عدة كانت في فترات ما رأس الحربة في نضالها مع الفلسطينيين لأجل قضيتهم وخدمة للعروبة برمّتها، ولعلّ أشهرهم الدكتور أحمد الخطيب، الذي شكّل ورفيقاه الفلسطينيان؛ جورج حبش ووديع حداد، وغيرهما من الرفاق، نواة حركة القوميّين العرب، من رحم الجامعة الأمريكية في بيروت، ولعلّ هذه في حد ذاتها مفارقة تبعث على الابتسام بشجن؛ إذ في قلب هذا الكيان الأكاديمي الأمريكي، بكلّ ما كان يمثّله آنذاك من رمزية فكرية وسياسية، انبثق جيل من الشباب العربي الواعي، الذي لم تشغله الدرجات الأكاديمية عن الهمّ الوطني، ولم تنسه المستويات المعيشية المترفة (إذ كان أغلب من يلتحق بتلك الجامعة من العائلات المقتدرة مادياً) عن الانشغال بقضية فلسطين والقضايا العربية.

غَنِمَ الفلسطينيون كثيراً من الفدائيين والمبدعين الخليجيين تماماً كما غنموا فدائيين ومبدعين عرباً رفعوا صوت الفلسطينيين عالياً

الخطيب بقي، حتى اللحظة، ممسكاً بجمر المبادئ، قومياً عروبياً لا يحيد عن جادة الصواب، ولئن كان قد عكف في مراحل لاحقة على الشأن الكويتي تحديداً، فإنّه لم يتخلَّ قيد أنملة عن مواقفه المشرّفة ومؤازرته الفلسطينيّين.
من قبيلة شمّر جاء محمد حسين الشمّري، الذي اختار الإبحار مع الفدائية دلال المغربي ورفاقها العرب، في قارب مطاطي مضى بهم نحو سواحل فلسطين، ليسجّلوا عملية فدائية لم تتكرّر كثيراً في زمن لاحق، ولم تحُل ساق الشمّري المكسورة آنذاك دون أدائه الدور الفدائي المنوط به على أتمّ وجه.

عملية فدائية لم تتكرّر كثيراً في زمن لاحق

كثيرون هم رفاق الثورة الخليجيّون، وكثيرون أيضاً لم نعرفهم بعد؛ فوزي عبد الرسول، الرفيق الكويتي، كان ضمن كوادر الجبهة الشعبية الديموقراطية، فيما كان السفير محمد القديري ضمن كوادر الجبهة الشعبية – القيادة العامة، ليكون سعد جاسي العجمي وأحمد الربعي وعبد الله السعد العجمي، وغيرهم كثيرون، ضمن كوادر الثورة الفلسطينية الذين تمنطقوا السلاح، ومضوا مع الفلسطينيين، مقاتلين حيثما حلّوا.

 


ولم يقف الأمر لدى رفاق الخليج عند حدّ العمل الفدائي والعسكري، بل تعدّاه ليصل حدود الثقافي، حتى إن كان الثمن باهظاً في مرات كثيرة، فمن بوسعه نسيان قصيدة السفير الشاعر غازي القصيبي حول الشهيدة آيات الأخرس؟ لقد اختار الرجل الوقوف بكامل إرادته ووعيه للمنافحة عن صورة الفلسطيني في هذا الموقف، بعد أن أعملَ الاحتلال الإسرائيلي تشويهاً فيها، خلال فترات كثيرة، منها فترة خدمة القصيبي سفيراً في بريطانيا.

 

 الشاعر غازي القصيبي

ومن بوسعه نسيان عبد الرحمن منيف، بضميره وذاته الشخصية والأدبية، التي انصهرت مع الفلسطينيين والقومية العربية بالمجمل؟ ومن بإمكانه تجاهل النَفَس العروبي الفلسطيني لدى الشاعر قاسم حداد؟

على رأس الرفاق الخليجيين الشيخ فهد الأحمد الصباح، الذي ارتدى "فوتيك" الفدائيين، والتحق بالثورة على خط التماس مع إسرائيل

ولئن كان هناك خروج عن الخطّ القومي العروبي، والدفاع عن القضية الفلسطينية، لاحقاً، لدى بعض الشخصيات الخليجية المبدعة، مثل عبد الحسين عبد الرضا، جرّاء موقف منظمة التحرير الفلسطينية من غزو الكويت، فإنّ العتب بقيَ قائماً كعتب أحبّة، لا سيما مع تقادم الزمن، ولم يحدث أن نقم الفلسطينيون على نجم لطالما تغنّى بالقومية العربية والقضية الفلسطينية، فأصيب بالحنق لاحقاً، وقدّم مسرحيات مسّ فيها بنَفَسٍ ساخر فكرة القومية العربية، وصورة القيادة الفلسطينية، كان الرابط الوجداني أعمق من هذا كلّه، حين تصل الأمور إلى المحكّ.

عبد الحسين عبد الرضا

غَنِمَ الفلسطينيون كثيراً من الفدائيين والمبدعين الخليجيين، تماماً كما غنموا فدائيين ومبدعين عرباً رفعوا صوت الفلسطينيين عالياً، وأسهموا في المزيد من إيصاله، لكنّ فرادة الشقيق الخليجي تأتي من كونه ينتمي لمجتمعات مترفة، في الغالب، وقلّما يُضحّي صاحب الامتياز المترَف به ويغادر لمعسكرات الفدائيين، إلى جانب كون الصورة النمطية المرسومة عن كثير من الأشقاء الخليجيين تنحصر في شعوب مرفّهة غير مسيّسة، فيما يتحدّث التاريخ عن رعيل قدّم صورة مدهشة عن إيمانه بالقضية الفلسطينية والذود عنها، إلى جانب كون الكويت، على وجه التحديد، احتضنت بذرة الثورة الفلسطينية، وأفادت الفلسطينيين ووقفت إلى جانبهم، وهم بدورهم بادلوها وبادلوا الخليج العربي عموماً، حبّاً بحبّ، فرفعوا كثيراً من المشاريع التربوية والثقافية، وتلك المتعلقة بالبنية التحتية، على أكتافهم.

الصفحة الرئيسية