الدمّ سائل الحياة: كيف نظرت له الأديان والمعتقدات؟

أديان ومعتقدات

الدمّ سائل الحياة: كيف نظرت له الأديان والمعتقدات؟

مشاهدة

06/11/2018

لطالما لفتَ انتباهَ الإنسانِ ذلك السائلُ المائع، المميّز بلونه الأحمر القاني، الدّم الذي ارتبط بالحياة؛ حيث إنّ خروجه من الجسم يعني خطراً داهماً يهدّد حياة الشّخص النازف، وخروج كمية كبيرة منه يعني حتماً؛ الموت. وقد تفاعلت الأديانُ والثقافاتُ مع هذا السائل، فأنتجت بخصوصه قيماً واعتباراتٍ خاصّة.
الشهادة.. دماء من صنف خاصّ
اكتسبت الدّماءُ طابعَ القداسةِ من المنظور الدينيّ في عدد من الحالات، وأهمّها حالةُ الشهادة، حينَ تسيلُ دماءُ المؤمن، في سبيل إيمانه ودينه.

أقرّت اليهوديةُ القربانَ الحيوانيّ ومبدأَ إسالة الدّماء في سبيل نيل رضا الإله

تطوّرتْ فكرةُ الشّهادةِ في اليهودية، في عهد مقاومةِ عمليّة نشر الثقافة "الهيلينية" (الإغريقية) زمن السلوقيين، ولكنْ دونَ تطوّرِ قيمةٍ خاصّةٍ بالدّماء. وهو ما اختلفَ مع ظهور المسيحية، وتحديداً في حادثة صلب المسيحِ وسفك دمهِ على الصليب، وما تلا ذلك من حالات قتل وتعذيب لأتباع المسيحية، زمنَ الرومان، حيثُ ذُكرتْ دماءُ المسيح في عدة مواضعَ من العهد الجديد، ورُبط بينها وبين تحقيق المغفرة، ومن ذلك ما جاء على لسان الرسول بولس، قوله: "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة".

ذكرت دماء المسيح في عدة مواضع من العهد الجديد ورُبط بينها وبين تحقيق المغفرة

في الإسلام، أكّد القرآن الكريمُ على علوّ مكانة الشهيد، وجعل الشهداء بمكانة الأنبياء والصدّيقين.  كما أكّدت أحاديث الرسول، عليه السّلام، على المكانة الخاصّة لدماء الشهداء، ومن ذلك أنّ دم الشّهيد يطهّر صاحبَهُ من كل الذّنوب، قال عليه السّلام: "إنّ أول ما يُهْراق من دم الشهيد يغفر له ذنوبه"، وأضيفتْ لدماء الشّهداء سِمَات وصفات خاصّة، كما في قوله، عليه السّلام: "والذي نفسي بيده لا يُكلَم أحد في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك"، ولهذا فإنّ التشريعات الاسلامية تنهى عن غسل وتكفين الشهداء. وقد تطوّرت هذه الصّفاتُ والاعتباراتُ في المعتقدات الشّعبية لدى المسلمين، فترسّخ الاعتقاد بأنّ جثة الشهيد لها صفات خاصة؛ فهي لا تتآكل والدماء لا تجفّ منها.

اقرأ أيضاً: كيف نظرت الأديان إلى السماء؟ وما هي أشهر المعتقدات المرتبطة بها؟
وعند الشيعة تمّ إعطاءُ قيمةٍ كبيرة لدماء الحسين، رضي الله عنه، حيثُ باتتْ رمزاً للتضحية والمطالبة بحقوق آل البيت، وتطوّر، في المعتقدات الشعبية الشيعية، معتقدٌ بأنّ هناك صخرة في مقام الحسين لا تزال تنضحُ الدّم منذ حادثة كربلاء حتى هذه الساعة. وظهرتْ قيمةٌ خاصّةٌ للدّماء في أديان لاحقة، كما عند السّيخ، مع تقديمهم للشهداء في مواجهتهم مع المسلمين المغول خلال القرن السادس عشر.

آثار الدماء على صخرة بمسجد النقطة في حلب يعتقد أنه تم وضع رأس الحسين عليها

الأضحية.. إسالة الدّماء طلباً لرضا الإله
تطورتْ فكرةُ القرابين والأضاحي منذ الأديان ما قبل الإبراهيمية، فكانت الجماعة تحضر أثمن ما تملك وتقدّمه كقرابين للآلهة، فإنْ كان حيواناً أو بشراً ذبحَتْهُ وسَفَحت دمه، بحيث تمّ الرّبط بين مشهد نزول الدم وتحقيق رضا الإله، وبذلك تتحقّق حاجاتهم ومطالبهم.
تعدّدت التفسيراتُ في سبب إنشاء هذا الربط، فمنها ما أعادهُ إلى ربط البشر بين خصوبة المرأة ونزول الدماء منها، وهو ما تطوّر إلى الربط بين إسالة دم الذبيحة وتحقُّقِ الخير.

ربط القدماء بين مشهد نزول الدم وتحقيق رضا الإله

وأقرّت اليهوديةُ القربانَ الحيوانيّ ومبدأَ إسالةِ الدّماء في سبيل نيل رضا الإله، كما ظهر في قصة قابيل وهابيل الواردة في العهد القديم؛ حيثُ تؤكّدُ القصةُ أنّ الرّبَّ تقبّلَ القربانَ الحيوانيّ ولم يتقبل القربان المُقدَمَ من ثمار الأرض، وكذلك ذكرَ العهد القديم رضا الرّب بعد قيام نوح بتقديم الذبائح من الحيوانات التي ركبت معه السفينة بعد نهاية الطوفان، "وتنسّم الرب رائحة الرضا" (التكوين، 8، 21).

يتميّز الإنسان عن غيره من الكائنات في مدى تعقيد ما يُسبِغ من قيم رمزية ومعنوية على الموجودات في محيطه

في المسيحية، جاء تقديمُ القربان في اتجاه معاكس، مع تقديم الرّب لابنه من أجل تخليص البشرية من الخطيئة، وربط بين نزول دم المسيح وتحقيق المغفرة، فجاء في رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين: "وكلّ شيء تقريباً يَتَطَهّر حسب الناموس بالدم، وبدون سفك دم لا تحصلُ مغفرة". وفي سفر اللاويين: "لأنّ نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم، لأنّ الدم يُكفّر عن النفس".
وفي الإسلام، اعتُبرت الأضحيةُ سُنّة، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها، وجاء الأمر القرآني للنّبي، عليه السّلام، بالنّحر في قوله: "فصلّ لربك وانحر" (الكوثر،2)، كما جاء النصّ على الدماء في قوله تعالى: "لنْ ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" (الحج،37)، فتمّ التأكيد على مخالفة الفعل الوثني عند العرب قبل الإسلام، حين كانوا يضعون الدماء على الآلهة اعتقاداً منهم بأنها بذلك ستنالها وتصل إليها، فاعتبر القرآن الكريم بأنّ نزول الدّماء فعلٌ رمزيٌ يعبّر عن الامتثال لأوامر الله تعالى.

اقرأ أيضاً: الزمن من منظور الأديان.. لماذا ليست كلّ الأيام سواء؟
وفي مصر، ظهرت عادةٌ خاصةٌ متعلقة بالأضاحي، وهي غرس اليد في دم الأضحية بعد ذبحها، ومن ثم وضعها وترك آثار الدماء على أبواب وجدران المنازل، أو على السيارات. وذلك اعتقاداً بأنها تطرد الحسد، أو أنها تُذهب العقم وتفتح أبواب الرزق، وتشفي من الأمراض بحكم بركتها.

ظهرت بمصر عادة غرس اليد في دم الأضحية ثم وضعها على جدران المنازل لدرء الحسد

جراح القديسين.. تكريم وامتياز
وفي المسيحية، ظهر تأويلٌ فريدٌ للدماء؛ حيثُ تمّ تفسير الجروح والندبات على أجساد القديسين بأنها نوع من الكرامة والامتياز، عُرفت باسم خاص هو "الستيغماتا" أو "آثار الصلب"، فاعتبرت هذه الجراح بأنها جراح المسيح عند صلبه، وأنّ ظهورها في أجساد القديسين هو عبارة عن مشاركة للمسيح في آلامه من خلال تجسّد جراحاته فيهم.

تم تفسير الجراح في أجساد القديسين باعتبارها مشاركة للمسيح في آلامه

دم الحيض.. "وكلّ من مسّها يكون نجساً"
في المقابل، ظهرت اعتبارات مغايرة لأنواع أخرى من الدماء، حيث تمّ التعامل مع الدم باعتباره مدنساً، وأشهرها "دم الحيض". وبعد أنْ كان السّائد في الأديان والمعتقدات القديمة اعتبارُ دماء الدورة الشهرية تعبيراً عن الحياة والعطاء، جاء التحوّل مع الديانة اليهودية، حيث تمّ اعتباره نجساً ومدنساً، يُدنِس كل ما حوله، وينبغي اجتنابه، والاغتسال منه،  فجاء في سفر اللاويين: "وإذا كانت امرأة لها سيل وكان سيلها دماً في لحمها فسبعة أيام تكون في طمثها، وكل من مسّها يكون نجساً إلى المساء، وكل ما تضطجع عليه في طمثها يكون نجساً وكل ما تجلس عليه يكون نجساً، وكل من مسّ فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء، وكل من مسّ متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحمّ بماء ويكون نجساً إلى المساء ... وإن اضطجع معها رجلٌ فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام" (سفر اللاويين، الإصحاح 15).

اقرأ أيضاً: ما أسباب اهتمام الأديان بشَعر الرأس واللحى؟
وجاءت الفكرة السابقة في الإسلام حيث ورد في الآية الكريمة: "ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله" (البقرة، 222)، كما تُمنع الحائض من طواف البيت الحرام، ومن الصلاة، والصوم، وتؤمر بقضاء الصوم لاحقاً دون الصلاة، تقول السيدة عائشة، رضي الله عنها: "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة".
الدم.. الطعام المحرم
سادت النظرة قديماً للدّم باعتباره سائل الحياة، وهو ما دفع بشعوب عديدة للإقدام على تناوله وشربه، طلباً للقوة، أو تعبيراً عن الانتقام من العدو بعد قتله، ولكنّ الديانة اليهودية أكدّت على مخالفة ذلك،  فجاء في سفر التكوين: "غير أنّ لحماً بحياته لا تأكلوه"، وفي سفر التثنية: "احترز أنْ لا تأكل الدم؛ لأنّ الدم هو النفس"، وهنا كان التعليل باعتبار نفس الكائن الحي تكمن في الدم، فبقيت النظرة له باعتباره سائلاً بطابع مميز، ولكنْ مع تحريم أكله من منطلق ديني، خلافاً لما كان شائعاً بين الشعوب الأخرى.

اقرأ أيضاً: أكبر 5 انتماءات دينية في الولايات المتحدة.. هل تعرفها؟
وفي العصور الوسطى؛ شاع الحديث عمّا يعرف بـ "فطير صهيون" أو "فِرية الدم"، وهو اعتقاد ساد في أوروبا بأنّ اليهود يحضرون طفلاً مسيحياً في عيد الفصح ويستخدمون دمه في عجن الخبز المخصص للاحتفال، وهو ما بقي مثاراً للجدل بين مثبت ومنكر، وإنْ كانت هذه العادة بالعموم منافية لما جاء في العهد القديم.

ساد اعتقاد بأنّ اليهود يحضرون طفلاً بعيد الفصح ويستخدمون دمه لعجن الخبز

وقد تابع الإسلام ما ورد في العهد القديم من تحريم لأكل الدّم، فجاء في الآية الكريمة: "قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس" (الأنعام،145)، وقوله تعالى: "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير" (البقرة،173)، وتم استثناء نوع محدد من الدماء، نصّ عليه الحديث النبوي الشريف: "أُحلّت لنا ميتتان ودمان… وأمّا الدمان فالكبد والطحال"، حيث تم تحريم الدم السائل المائع، أما الدم غير السائل كالكبد والطحال فأبيح أكله.

سادت النظرة قديماً للدم باعتباره سائل الحياة وهو ما دفع بشعوب عديدة لشربه

وتبقى ميّزة الإنسان عن غيره من الكائنات، في مدى تعقيد ما يُسبِغ من قيم رمزية ومعنوية على الموجودات في محيطه؛ حيث تشكّل هذه القِيَم أساس المعنى في حياة الفرد والجماعات، وأساس تصوراتنا عن أنفسنا وعن العالم من حولنا.

الصفحة الرئيسية