الدعوات لحظر حركة النهضة تعيدها إلى واجهة النقاش

الدعوات لحظر حركة النهضة تعيدها إلى واجهة النقاش

الدعوات لحظر حركة النهضة تعيدها إلى واجهة النقاش


17/02/2026

مختار الدبابي

قبل أقل من عام جرى جدل داخل الإسلاميين في تونس بشأن فكرة حل حركة النهضة الإسلامية، وذلك بمناسبة الحديث عن إعلان حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا عن حل نفسه ضمن حزمة التسوية مع تركيا.. والحل كان الهدف منه التخلص من المحامل السلبية لصورة الحزب في أعين الأتراك بما في ذلك الكرد، الذين يفترض أن الحزب تأسس ليدافع عنهم. 

وفكرة حل حركة النهضة وقتها كان مقترحا براغماتيا يمكن حركة النهضة أو ما تبقى من جسم تنظيمي مرتبطة بها بالمناورة لتلافي غضب السلطة، وفتح الباب على خيار المصالحة، كما لو أن الحل يجب ما قبله ويبرّئ القيادات التاريخية من الأخطاء التي كانت ارتكبتها لعقود.

ووقتها قلنا إن طرح موضوع الحل جاء في سياق ردات الفعل على فشل حركة النهضة وقيادتها التاريخية، وعلى رأسها راشد الغنوشي، في إدارة مرحلة الانتقال الديمقراطي ما بعد موجة “الربيع العربي” والعجز عن تنزيل الشعارات العامة التي يرفعها الإسلاميون إلى أفعال على الأرض يستفيد منها الناس. كانت الدعوة إلى الحل هروبا من الارتباط بحركة راكمت الكثير من الأخطاء في العلاقة مع السلطة وفي إدارة التنظيم وتنزيل ما يقول الإسلاميون إنه خيار الشورى وعدم الالتزام بالديمقراطية الداخلية في إدارة الخلاف والاحتكام في المغالبة في فرض التوجهات ومن بينها خيار الصدام مع الأجهزة الصلب للدولة في 1986 – 1987، ولاحقا في مواجهة 1991.

كانت دعوة بعض الإسلاميين إلى حل حركة النهضة خيارا شكلانيا ولم تأت ضمن مقاربة لما بعد حركة النهضة، والحسم في ثنائية الحزب السياسي والكيان الدعوي – الديني، إذ يتغذى الشق الأول على المقدس ويجعل الاختلاف مع القيادة خروجا عن “وحدة الصف”. والدعوة الحالية إلى حل الحركة، والتي تأتي من بعض النواب في البرلمان ليست سوى خيار شكلاني أيضا، وقد تحقق مكاسب للحركة أكثر من أي ضرر، فالنهضة كيان غير موجود سياسيا، حتى وإن أصدر من بقي من قادتها بيانا أو تصريحا ضد السلطة أو لتحديد موقف من قضية سياسية أو اجتماعية.

والمقصود بالوجود السياسي هو وجود كيان ومؤسسات وأنشطة، وخاصة مقاربة للوضع الحالي ومقترحات مستقبلية تستند على تقييم تجربة ما بعد 2011 من مرحلة الترويكا إلى تجربة التوافق مع نداء تونس.. لقد تداعى كيان النهضة إلى التحلل الذاتي والانكفاء، وغادر الكثيرون طوعيا، وهم غالبا مع انضووا تحت مظلتها أيام الرخاء، كما غادر بعض القادة المثيرين للجدل إلى الخارج، وهم أصلا مقيمون هناك، وعادوا إلى تونس بعد ثورة 2011 ودفعوا ويدفعون إلى الصدام الذي إن تم فسيكونون بمنأى عنه كما حصل في 1991.

وحين تطالب عضو البرلمان الحالي فاطمة المسدي بحل حركة النهضة في هذا التوقيت، فهي تقدم لها خدمة كبيرة، إذ ستعيدها إلى واجهة النقاش السياسي بعد أن فقدت شعبيتها بسبب فشل تجربة الحكم التي قادتها. تحريك فكرة الحل لعبة سياسية ذات حدين، فقد تخدم صورة المسدي وتعيدها إلى الواجهة هي أيضا بعد أن خفت بريقها، ولذلك فهي تلجأ في كل مرة إلى إطلاق تصريحات صادمة للفت الانتباه، ليس فقط انتباه الشارع، ولكن أيضا انتباه السلطة، وكانت أبرز تصريحاتها في المرحلة السابقة مثيرة للجدل خاصة ما تعلق بمواقف صادمة من اللاجئين الأفارقة وقائمة مواليد هؤلاء المهاجرين خلال وجودهم في تونس وتطلق مخاوف من توطينهم.

يمكن أن تعيد المسدي نفسها إلى الواجهة بإظهار موقف راديكالي من حركة النهضة، وقد تزيد من عدد الأنصار في حال جرت انتخابات، لكن المشكلة هنا أنها تقدم خدمة حقيقية للنهضة بإثارة الجدل من حولها ومنح ما تبقى من قادتها ومحاميها ونشطائها على مواقع التواصل الاجتماعية إلى إعادة صياغة سردية جديدة عن المظلومية والاستهداف الأمني والسياسي للحركة وبعض القيادات التاريخية مثل الغنوشي أو رئيس الحكومة الأسبق علي العريض.

وتتيح الدعوة البرلمانية المحدودة إلى حظر النهضة الفرصة للحركة لتحريك آلياتها المعهودة في الاشتغال على المظلومية وتعطي دفعة لخططها في بناء تحالفات مع المعارضة واستقطاب من ابتعدوا عن السلطة، وفي نفس الوقت فهي تعمل على توحيد الجسم التنظيمي للحركة واستعادة المستقيلين والمنسحبين تحت تأثير الخلافات العميقة في فترة الرخاء.

وربما يقود ترك حركة النهضة على الحال التي هي عليه الآن، من ارتباك وفوضى وغياب الوجوه القيادية وسحب مسوغات المظلومية، إلى نهاية طبيعية لكيان يجمع الكثير من المتناقضات السياسية والدينية، التي تكفي لوحدها للاستمرار في الفرز والتآكل الذاتي.

وعزت المسدي تقديم طلب حل حركة النهضة “استنادًا إلى استغلال الغطاء الحزبي لتخريب أجهزة الدولة، والتغلغل داخل مفاصل الإدارة خدمة لأجندات غير وطنية، وعدم احترام قواعد الشفافية والتمويل في الحياة الحزبية”.

قد تنجح دعوة النائبة البرلمانية في إعادة التجميع على قاعدة من مع حركة النهضة ومن ضدها على اعتبار أن هذا التحشيد يضفي حيوية على النقاش السياسي ويسلط الأضواء على مواقف النواب ويعيدهم إلى واجهة الإعلام، لكن الوضع السياسي والاقتصادي قد لا يوفر الزخم الذي تبحث عنه المسدي، فالناس لم يعدوا يهتمون بالسياسة والأحزاب والجدل البرلماني، وهم يصوبون الأنظار باتجاه واحد هو تحسين الوضع المعيشي والخدمات وتحريك سوق الشغل لاستقطاب المزيد من اليد العاملة، وهو أمر لا تحققه العودة إلى المربع القديم.

ويمكن للنواب أن يتابعوا ملف الأحزاب، وبينها حركة النهضة وسجلاتها والتهم الموجهة إليها ومرافعات الدفاع، أمام القضاء، الذي توفر معالجته لمثل هذه القضايا مصداقية أكبر ودون ضجيج ولا توتير للمشهد. البت القضائي في ملفات من هذا النوع يبعدها عن التوظيف السياسي والمزايدات ويجنب السلطة أي إحراج أو اتهام بالتدخل والتوجيه.

أبرز تحد لأحزاب العشرية الماضية، وعلى رأسها حركة النهضة، هو نجاح البرلمان في تقديم صورة أخرى مناقضة تمام لبرلمان الصراعات والمزايدات، وخاصة البرلمان الذي كان تحت تأثير اللوبيات يستصدر القرارات لصالحها غير عابئ بتطوير حياة الناس، كما كان يسارع في التصديق على مشاريع تحت إمرة صندوق النقد وعلى قروض استهلاكية لا ضمانات بشأن استثمارها في مشاريع واضحة وذات مردودية معلومة. فهل يقدر البرلمان الحالي على تقديم صورة مغايرة، والتركيز على خدمة الناس وتحسين حياتهم عبر سن قوانين ذات عمق اجتماعي. 

إن خلق البدائل وتحسين أوضاع الناس وصرف النظر عن الصراعات السياسية عناصر مهمة في عزل الأحزاب القديمة وجعل الناس تتعلق بالمؤسسات الحالية وبينها البرلمان ومجلس الأقاليم والجهات. التغيير الفعال هو من يعزل النهضة ويحظرها من اهتمامات الناس، لكن استدعاء الجدل القديم قد يوفر لها مبررا للعودة إلى الواجهة.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية