
لم يعد القتل المباشر الوسيلة الوحيدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة حرب الإبادة، بل أصبح النزوح القسري أحد أبرز أدوات السيطرة في غزة، حيث تظهر سياسة الاحتلال الإسرائيلي نمطًا واضحًا في كل عدوان، وهو تجريد السكان من الشعور بالأمان، ودفعهم إلى ترك منازلهم رغمًا عنهم.
وللمرة الثانية، عاد أهل مدينة غزة والشمال إلى النزوح نحو مناطق الجنوب، بعد عودتهم إبّان اتفاق كانون الثاني (يناير) 2025، الذي نصّ على عودة النازحين إلى مخيمات الشمال ومدن غزة التي هُجّروا منها منذ بداية الحرب والاجتياح البري.
وفي الثامن من آب (أغسطس) الماضي أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، لاحتلال قطاع غزة الذي يتعرّض لإبادة جماعية منذ ( (22 شهرًا.
وتمهيدًا للعملية أصدر جيش الاحتلال أوامر لسكان غزة بإخلائها بالكامل نحو مخيمات الوسط ومناطق الجنوب في مواصي خان يونس، ثم فرض حصارًا على المدينة، وبدأ مناورة عسكرية داخلها.
وأشارت منظمة "أطباء بلا حدود" إلى أنّ أكثر من مليون شخص في غزة يواجهون رعبًا متجددًا بعد تلقيهم أوامر عاجلة بإخلاء المدينة.
وأوضحت أنّ الهروب مستحيل على كثير من كبار السن والحوامل والحالات الحرجة والجرحى، وأنّ من يبقى في غزة قد حكم عليه الجيش الإسرائيلي بالموت، في حين يلاحق القصف العنيف من يحاولون الفرار، أمّا الناجون، فإنّهم يصلون إلى مناطق مكتظة في الوسط والجنوب، حيث لا أمان ولا مقومات أساسية للحياة.
النزوح من جديد
وقبل أن تسقط الصواريخ على بيته بدقائق معدودة، تلقى الفلسطيني راشد أبو توهة (48 عامًا) من حي الرمال بغزة، مكالمة هاتفية من رقم خاص، تبين بعد ذلك أنّه اتصال من طرف الجيش الإسرائيلي تم إبلاغه من خلالها بمغادرة منزله فورًا، لأنّ المنطقة التي يتواجد بها سيتم قصفها.
يضيف أبو توهة: "لم يكن هناك وقت لشيء، لا لجمع الذكريات، ولا حتى لحمل وثائق الهوية، حيث قمت بحمل حفيدتي والهروب وسط صراخ العائلة، والخوف، والدخان".
لم يعد القتل المباشر الوسيلة الوحيدة لجيش الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة حرب الإبادة، بل أصبح النزوح القسري أحد أبرز أدوات السيطرة في غزة
ويوضح: "هربنا، لكننا لا نعلم إلى أين، كل مكان في غزة قابل للقصف، حتى قررت أخيرًا الفرار وعائلتي المكونة من ( (5أفراد مشيًا على الأقدام إلى وسط قطاع غزة".
ويتابع: "نزحت إلى المنطقة التي أعلن عنها الاحتلال الإسرائيلي أنّها آمنة، لكنّها لم تكن كذلك على الإطلاق، فقد تم قصف بناية تبعد عنا (30) مترًا، في حين تفتقر المنطقة للخدمات الأساسية فلا يوجد ماء، ولا دواء، ولا خصوصية، كأننا داخل سجن كبير، بلا تهم".
ويؤكد أبو توهة: "حتى اللحظة نجونا من الموت، لكن ماذا عن بيتنا؟ لم يتبقَّ شيء نعود إليه، هذا ما يريده الاحتلال، تهجيرنا قسرًا والتفنن في تعذيبنا بشتى الطرق".
حرب شرسة ودموية
واضطر الفلسطيني عايش نصر من حي النصر بغزة على ترك منزله وعائلته بعد قصف الطيران الإسرائيلي المنطقة المحيطة بمنزله وتدميرها بشكل كامل.
يقول نصر (39 عامًا)، وهو ربّ أسرة مكونة من (7) أفراد: "استهدفوا الشارع الذي يقع خلف بيتنا، ثم أرسلوا منشورات تطلب منا الإخلاء، بعدها بساعات قصفوا منازل عدد من الجيران، فهربنا حفاة". خرجت وعائلتي الساعة الرابعة صباحًا، ولم نحمل إلا حقيبة فيها حليب وماء، وبعد يومين في مركز الإيواء أصيب ابني محمد بالإسهال الشديد بسبب نقص المياه النظيفة".
ويتابع نصر: "أسكن اليوم مع عائلتين أخريين في غرفة صف واحدة في مدرسة تابعة للأونروا، تضم قرابة (20) شخصّا، وننام على أرضية الفصل دون فرش أو أغطية".
ويوضح: "غادرت بيتي (3) مرات خلال شهرين، فنحن نتنقل بين الخوف والفراغ، كما أنني نجوت من المجازر خلال حربي عام 2009 و2014، لكنّ هذه الحرب أكثر شراسة ودموية، وكل دقيقة أقول "يمكن تنزل قذيفة فوق رأسنا وتقتلنا".
أوضاع كارثية
شيرين حجازي (27 عامًا)، أم لطفلين، من مخيم الشاطئ بمدينة غزة، تقول: "الوضع كارثي، كل يوم نسمع دوي الانفجارات ونشعر بالزلزال تحت أقدامنا، والأطفال لا يفهمون ما يحدث، يبكون ويصرخون خوفًا، ونحن عالقون داخل بيت صغير لا نعرف متى ستكون النهاية".
وتضيف حجازي: "نزحت وعائلتي قبل عدة أيام فقط، بعد انقطاع المياه والطعام وإغلاق الأسواق في المنطقة التي أتواجد بها، والتي بدت خالية تمامًا من السكان، حتى بات الخوف يحاصرنا، وأصبح البقاء في الحي أمرًا لا يُحتمل".
أبو توهة: "لم يكن هناك وقت لشيء، لا لجمع الذكريات، ولا حتى لحمل وثائق الهوية، حيث قمت بحمل حفيدتي والهروب وسط صراخ العائلة، والخوف، والدخان".
وتؤكد: "الشعور بالإجبار على ترك بيتي شعور صعب جدًا، فعندما يقصف الحي، لا خيار أمامنا إلا الهروب، نزحت عدة مرات، وكل مرة كانت رحلة معاناة جديدة، فأطفالي لا يفهمون لماذا لا يمكننا البقاء في منزلنا، ولا أريد أن يكبروا وهم لا يعرفون معنى الأمان".
وتتابع: "أخاف أن ينهدم منزلنا، وأخاف على مستقبل أطفالي، هذه الحرب تسرق منا الحياة والكرامة، وأخذت منا الأمن والطمأنينة".
وتتمنى حجازي أن "تنتهي هذه الحرب سريعًا، وأن يعود السلام، وأن نتمكن من إعادة بناء بيوتنا وحياتنا، رغم كل هذا الألم".
جريمة حرب
يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني (حشد) الدكتور صلاح عبد العاطي أنّ "أوامر الاحتلال الإسرائيلي لسكان غزة بإخلاء مناطقهم تحت التهديد العسكري تُعدّ شكلًا من أشكال التهجير القسري المحظور دوليًا، والذي يرقى إلى مستوى جرائم الحرب وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، والأصل أنّ التزامات دولة الاحتلال تحظر عملية نقل السكان، بالإضافة إلى ضمان التقيد بقواعد القانون الدولي لحماية الأعيان المدنية وحظر نقل السكان، وحماية الحق في السكن".
ويضيف عبد العاطي: "الاحتلال يتحمل كامل المسؤولية عن حرب الإبادة الجماعية والأوضاع الكارثية التي نجمت عنها، جراء أزمة النزوح القسري الجماعي وتدمير المساكن، وقطع الكهرباء وانعدام الغذاء والمياه وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية".
ويؤكد أنّ "تدمير البنى التحتية والخدماتية من آبار المياه والمستشفيات والجامعات والمدارس ومراكز الإيواء هو ضغط مباشر وغير مباشر لإجبار السكان على النزوح، لجعل المدن الفلسطينية من الأحياء والمخيمات مناطق غير صالحة للحياة".
ويشير عبد العاطي إلى أنّه في ظل عجز الأمم المتحدة على حماية المدنيين على أرض الواقع، فلا بدّ من اللجوء إلي محكمة العدل الدولية لمحاسبة إسرائيل على جرائمها، وكذلك اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية المسؤولة عن محاكمة كل من هو متهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، واستخدام مبدأ الولاية القضائية الدولية لمحاسبة الاحتلال الإسرائيلي على هذه الجريمة الأبشع في التاريخ الإنساني".
وقد شنت إسرائيل في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 حربًا شرسةً على قطاع غزة، أدت إلى مقتل (65549)، وإصابة أكثر من (167518) شخصًا بجروح، حسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0_0.jpg.webp?itok=rFxaYlH2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%8A%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%83_1.jpg.webp?itok=YPGQ60Qj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86_113_0.jpg.webp?itok=YV4_lHmb)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%A1_3_1_2_1_1.jpg.webp?itok=A4Q46mn_)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9_13_0_1_1_16_0.jpg.webp?itok=kI8vOUYI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_178_1_0.jpg.webp?itok=cuNspvB2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9_10_0.jpg.webp?itok=bfSSMhOR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_1_1.jpg.webp?itok=SehCh_I6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%81%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%8C%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%20%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1%D9%8A_1.jpg.webp?itok=XGvLgfPl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B3%D8%A7%D8%AF_4_0_2_6_2.jpg.webp?itok=5M5BrpBC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_0_1.jpg.webp?itok=DLZsQQh7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9%20_0_0_0.jpg.webp?itok=YxXTGKyA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Capture_187_0.png.webp?itok=j1w4rlKQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9_3.png.webp?itok=By5KgSz2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B2%D8%BA%D9%88%D9%84.png.webp?itok=vCyRKOE9)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7_137_1.jpg.webp?itok=pcYAW8xm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/141162026_Doc-P-566697-639167742185871407.jpg.webp?itok=NdQqK9bA)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)