الحكم على "فوزي كمون" يفتح مرحلة جديدة في ملاحقة شبكات النفوذ داخل حركة النهضة

الحكم على "فوزي كمون" يفتح مرحلة جديدة في ملاحقة شبكات النفوذ داخل حركة النهضة

الحكم على "فوزي كمون" يفتح مرحلة جديدة في ملاحقة شبكات النفوذ داخل حركة النهضة


11/05/2026

 

يتحول اسم "فوزي كمون" تدريجياً من مجرد مسؤول إداري داخل حركة النهضة إلى أحد أبرز العناوين المرتبطة بملفات التمويل والفساد التي تلاحق الحركة بعد سنوات من حضورها في السلطة. فالحكم القضائي الصادر بحقه بالسجن 14 عاماً في قضية تتعلق بتبييض الأموال لا يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية والقضائية بوصفه إدانة فردية معزولة، بل باعتباره جزءاً من مسار أوسع تتجه فيه الدولة التونسية إلى تفكيك شبكات النفوذ المالي والسياسي التي تشكلت حول الحركة منذ عام 2011.

مسار تنظيمي قاد إلى مركز القرار

تأتي القضية في سياق متواصل من التحقيقات التي طالت قيادات بارزة داخل حركة النهضة، شملت ملفات تتعلق بالتمويلات والجمعيات والاختراق الإداري، وصولاً إلى شبهات مرتبطة بإدارة شبكات مالية موازية. وفي هذا الإطار يبرز موقع فوزي كمون داخل التنظيم بوصفه شخصية لم تكن بعيدة عن دوائر القرار، بل أحد المقربين من رئيس الحركة راشد الغنوشي، ممّا يمنح القضية أبعاداً سياسية وتنظيمية تتجاوز البعد القضائي المباشر.

وقضت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية في تونس بالسجن 14 عاماً ضد كمون، بعد إدانته في تهم تتعلق بتبييض وغسيل الأموال. ويأتي هذا الحكم بعد أكثر من عامين على توقيفه في شباط/فبراير 2023 ضمن حملة تحقيقات شملت شخصيات محسوبة على الحركة ومسؤولين سابقين في مؤسسات الدولة.

ويُعدّ كمون من الوجوه التنظيمية القديمة داخل التيار الإخواني في تونس، إذ تعود علاقته بالحركة إلى مرحلة الثمانينيات، حين كان ناشطاً في الأوساط الطلابية المرتبطة بالجماعة. وبعد سقوط نظام زين العابدين بن علي عام 2011 انتقل إلى مواقع أكثر قرباً من السلطة، مستفيداً من صعود حركة النهضة إلى المشهد السياسي ومشاركتها في الحكم.

وخلال السنوات التي أعقبت الثورة عمل كمون مديراً لمكتب الأمين العام السابق لحركة النهضة حمادي الجبالي، قبل أن يُعين لاحقاً عضواً في ديوان رئيس الحكومة، في مرحلة شهدت توسع حضور الحركة داخل مؤسسات الدولة. ثم تولى لاحقاً إدارة مكتب راشد الغنوشي عام 2016 خلفاً لـزبير الشهودي، ليصبح من الشخصيات القريبة من مركز القرار داخل الحركة.

تحولات المواجهة من السياسة إلى المال

تشير التقديرات السياسية إلى أنّ أهمية كمون لا ترتبط فقط بالمناصب التي شغلها، بل بطبيعة الأدوار التي كان يؤديها داخل شبكة العلاقات التنظيمية والسياسية لحركة النهضة. فالرجل كان يتحرك بين الملفات الحزبية والإدارية، ممّا جعله حلقة وصل بين البنية التنظيمية للحركة وبعض دوائر النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يعكس الحكم القضائي الأخير تحولاً في طبيعة المواجهة مع حركة النهضة، من التركيز على الخطاب السياسي والأنشطة الحزبية إلى تتبع المسارات المالية والشبكات المرتبطة بإدارة النفوذ. فبعد سنوات من الجدل حول علاقة الحركة بمؤسسات الدولة باتت ملفات التمويل والامتدادات الاقتصادية في صدارة التحقيقات.

وتعيد القضية إلى الواجهة النقاش حول ما يصفه خصوم الحركة بالدولة الموازية، وهي التسمية التي تُستخدم للإشارة إلى شبكات النفوذ التي تشكلت خلال فترة وجود حركة النهضة في الحكم، سواء داخل الإدارة أو عبر الجمعيات والهياكل المرتبطة بها. ويرى منتقدو الحركة أنّ هذه الشبكات لعبت دوراً في توسيع نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الدولة، وتنفي الحركة مراراً هذه الاتهامات وتعتبرها جزءاً من استهداف سياسي.

ويكتسب الحكم ضد كمون أهمية إضافية بسبب توقيته، في ظل استمرار الملاحقات القضائية التي تطال قيادات الحركة، وعلى رأسهم راشد الغنوشي نفسه، الذي يواجه عدة ملفات قضائية تتعلق بقضايا مختلفة. ويشير ذلك إلى أنّ الدولة التونسية تتجه نحو إعادة فتح ملفات المرحلة التي أعقبت 2011، بما تتضمنه من تساؤلات حول إدارة السلطة والتمويل والعلاقات داخل مؤسسات الحكم.

وخلال العقد الذي أعقب الثورة استطاعت حركة النهضة أن تبني حضوراً واسعاً داخل المشهد السياسي، مستفيدة من التحالفات الحزبية ومن حالة السيولة التي رافقت المرحلة الانتقالية. لكنّ هذا الحضور نفسه تحول لاحقاً إلى محور انتقادات واسعة، خاصة مع تصاعد الاتهامات المتعلقة بالتوظيف الحزبي داخل الإدارة، واستغلال النفوذ، وإقامة شبكات مصالح مرتبطة بالحركة.

إعادة تشكيل المشهد السياسي

في هذا الإطار، تعتبر قضايا مثل قضية كمون مؤشراً على طبيعة المرحلة التي دخلتها تونس بعد إجراءات 25 تموز/يوليو 2021، حين بدأت السلطة في إعادة النظر في بنية النفوذ السياسي والإداري التي تشكلت خلال السنوات السابقة. ومنذ ذلك الوقت توسعت التحقيقات لتشمل شخصيات سياسية ورجال أعمال ومسؤولين سابقين.

ويشير مسار القضية إلى أنّ الملف لا يتعلق فقط بمخالفات مالية محتملة، بل أيضاً بطريقة إدارة النفوذ داخل الدولة خلال فترة حكم الحركة أو مشاركتها في السلطة. فوجود شخصيات حزبية في مواقع إدارية حساسة، وتحركها بين المؤسسات الرسمية والهياكل التنظيمية، خلق حالة من التداخل بين الحزبي والدولتي، وهي النقطة التي أثارت جدلاً واسعاً في تونس خلال السنوات الماضية.

وتعكس قضية كمون التحولات التي طرأت على بنية الحركة نفسها، فبعد أن كانت تقدّم نفسها بوصفها حزباً مدنياً يعمل داخل النظام الديمقراطي، باتت تواجه اتهامات متزايدة تتعلق بإدارة شبكات موازية للتمويل والتأثير، وهو ما انعكس على صورتها السياسية وعلى حجم حضورها الشعبي.

وفي المقابل، ترى أطراف داخل الحركة أنّ هذه القضايا تأتي في سياق تصفية سياسية تستهدف خصوم السلطة الحالية، معتبرة أنّ حركة النهضة تتعرض لحملة ممنهجة منذ سنوات. إلا أنّ خصومها يردون بأنّ التحقيقات تستند إلى ملفات قضائية ومعطيات مالية لا يمكن فصلها عن طبيعة المرحلة السابقة.

ويطرح الحكم على كمون تساؤلات أوسع حول مستقبل الحركة في ظل استمرار الضغوط القضائية والسياسية. فمع تراجع حضورها البرلماني والتنظيمي، وتزايد الملاحقات ضد عدد من قياداتها، تبدو حركة النهضة أمام مرحلة مختلفة عن تلك التي أعقبت الثورة مباشرة، حين كانت أحد أبرز الفاعلين في المشهد التونسي.

وفي السياق ذاته، يعكس التركيز الحالي على ملفات التمويل إدراكاً متزايداً داخل مؤسسات الدولة لأهمية البعد المالي في فهم طبيعة نفوذ الجماعات السياسية. فالقوة التنظيمية لا تقوم فقط على الحضور الشعبي أو السياسي، بل أيضاً على الشبكات الاقتصادية والموارد التي تسمح بالحفاظ على النفوذ وتوسيعه.

كما أنّ إعادة فتح هذه الملفات تعيد طرح الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين العمل الحزبي والأنشطة المالية خلال السنوات الماضية، وحدود الفصل بين النشاط السياسي وإدارة الموارد. ويُعدّ هذا الجانب من أكثر الملفات حساسية داخل التجربة التونسية بعد الثورة.

ويذهب بعض المحللين إلى أنّ ما يجري اليوم يمثل محاولة لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والتنظيمات السياسية، عبر تقليص مساحات النفوذ غير الرسمي، وإخضاع الشبكات المالية والهيكلية لرقابة أكبر. وفي هذا السياق تصبح قضايا مثل قضية فوزي كمون جزءاً من مسار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المجال السياسي والإداري في تونس.

وفي ظل استمرار التحقيقات والمحاكمات تبدو الساحة التونسية مقبلة على مزيد من الجدل حول إرث المرحلة السابقة، وحدود المسؤولية السياسية والتنظيمية عن الاختلالات التي شهدتها الدولة خلال العقد الماضي. وبينما تصر بعض الأطراف على أنّ ما يحدث يمثل تصحيحاً لمسار الدولة، تعتبره أطراف أخرى استهدافاً سياسياً لخصوم السلطة.

لكنّ المؤكد أنّ الحكم الصادر بحق فوزي كمون يعكس تحولاً واضحاً في طريقة التعامل مع ملفات حركة النهضة، من الجدل السياسي والإعلامي إلى المواجهة القضائية المباشرة، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم تجربة الجماعة داخل مؤسسات الحكم في تونس.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية